العدد السابع والاربعون - شباط

الفكـر الـقومـي بين الانتساب الـديني والانتماء الـوطني

أمين الذيب
السبت 20 شباط (فبراير) 2010.
 

الفكر والممارسة وجهان لحـقـيقة واحـدة، والفـصل أو التعارض بينهما يـؤكـد حـكماً اختلالاً فـي التوازن، مـن شأنه ان يعيق ويطمس حق الشعوب في التقدم والتطور والوحدة، فتضيع الحقائق والمسلمات الوطنية وتصبح وجهة نظر متغيرة، بـدلاً من
أن تـكون ثـوابت.

وقـد تـكون مسألة الـوطن مـن المسائل غـير المحسـومة فـي منطقتنا، لتـداخل القـومـي والـديني، ولتدخّل المشاريع الخارجية الاستعمارية، المباشر وغـير المباشر، والناتـج عـن غياب او تـراجـع الـوعـي الـقومي وفعله في الصراع الـدائر، خـاصّة في المسألة الفلسطينية، والنتائج التي اوجدتها " اتفاقية سايكس بيكو" مـن كيانية وطائفية ومذهبية، والتي شكّلت ارضية خصبة لمشروع الشرق الاوسط الجـديد، الهادف لاستكمال السيطرة على المنطقة ومـواردها النفطية لحجم مخزونها الذي قـد يبقى لأكثر من مئة عـام، بعد أن ينضب من العالم.

إن سقوط هـذا المشروع بالممانعة الحكيمة والمتقدمة التي تبوأها نظام دمشق، وثبات المقاومة الاسلامية الوطنية وبطولتها، خاصّة حـزب الله وحماس، أعـادا روحية الصراع القومي الى الظهور، بعد أن تبـدّى ان الانتصار متاح وان ارادة المجتمع قادرة على تغيير وجه التاريخ، بعزيمة صادقة فعلت حين توفرت. فتصدرت ثقافة المقاومة والممانعة وظهر حراك فكري ثقـافي جـديد، طبع المرحلة الراهنة بطابعه، بـعد ان كـان مفهوم الهزائم والاستسلام سـائداً.

لـذلك فإن العصر الجديد، يتطلب تجديد الفكر وتجديد آليات التحليل، لاطلاق الفكر القومي الجامع الموحد على القواعد القومية التي باتت تتطلب حيوية جـديدة، تتبنى اعـادة تقديم وحـدة الهلال الخصيب، كمقدمة لقيام جبهة عـربية مـوحدة تكون سـدّاً منيعاً في مـواجهة اطماع الاستعمار التاريخي، ان في العراق لمنع تقسيمه ام في فلسطين لتحريرها من الاغتصاب الاسرائيلي.

ولأن واقـع الاجتماع لازم البشرية منذ وجـودها المعروف، والتاريخ دوّن الحضارات والقوميات كـافة التي سبقت مرحلة الكتب والديانات السماوية المنادية والمبشرة بالإله الـواحد. كـما في بلادنا السورية، منذ العهد الفينيقي الى آخـر العهد السلوقي.

فالمسألة المطروحة، ان الـدين لم يستطع إقامة دولته الـدينية العامّـة على قـاعـدة الانتساب الديني فقط. وإن كان قد حقق اقامة بعض الدول الدينية الخاصّة هنا وهناك. فـلا المسيحية رغم انتشارها في العالم وقـوّة حضورها، ولا الاسلام المنتشر في رحاب المعمورة، استطاعا اقامة دولة واحدة عامّة دائمة. لأي منهما، لان طبيعة الاجتماع الانساني، غـير طبيعة الدين والايمان، فالمؤمنون من كل دين هم اخـوة بالمعنى الروحي فقط، اما بالمعنى الاجتماعي
-  الاقتصادي فالاخوة هم ابناء المجتمع الواحد الذين الّفت بينهم البيئة وجمعتهم اسباب ومطالب الحياة لا اسباب السماء ومطالب الايمان. وذلك لعدم وجود أصول ثابتة لفكرة الدولة الدينية، لتنافيها مع خصوصية المجتمعات الحضارية والثقافية الناشئة عن دورة الحياة الواحدة. ولهذه الأسباب المجتمعية المتمايزة، أيضاً لم نشهد حتى اليوم قيام دولة عربية واحدة.

لذلك فقد آن الاوان للفكر النقدي العربي، وللمفكرين العرب، ان ينظروا بعين العقل العلمي، لا العاطفة الدينية، والتمييز بين السياسي والفكري، وان يدرسوا المراحل التاريخية والحضارية والثقافية ومقارنتها مع الواقع الراهن. فالعالم العربي بيئات متباينة ومجتمعات متباعدة، وحاجات كل مجتمع ومطالبه العليا ونظرته الى الحياة والكون، تختلف عن حاجات الآخر، وبناء عليه يكون العالم العربي امماً لا امة، وهذه الامم لها صلات لغوية ودينية، توجب عليها التعاون والاشتراك في بعض الشؤون السياسية والثقافية والاقتصادية، وان تنهض كل أمة من نفسها وحاجاتها ومثلها العليا، لتكوّن عروبة مثالية لخير العالم العربي وتقدمه، لا دينية متعصبة ولا راسمالية جشعة ولا سياسية متخاذلة. فوحدة الهلال الخصيب العربي هي لخير العالم العربي وتقدمه واستقلاله.

ان التحولات البالغة الأهمية، الحاصلة على ساحة الهلال الخصيب وساحات العالم العربي، تضع الجميع أمام تحديات مصيرية شديدة الحساسية، مما بات يشكّل حاجة وضرورة لطرح المسائل القومية كاستجابة لتحديات المرحلة القادمة، بنظرة واضحة، تمكّن المجتمع السوري من استعادة دوره الحضاري، ووحدته القومية، ليكون له الدور الفاعل والمؤثر في الاحداث الجارية، وموقع في اعادة التشكل التي بدأت معالمها تظهر وعناصرها تتكون.

فالتحالفات الاقليمية تكون اقوى بعد الوحدة القومية، كي لا يتحول مجتمعنا الى تابع ومتلقٍ، يتأثر بمراكز القوى الجديدة الناشئة في المنطقة، وان صيانة القيم المجتمعية والحفاظ على الحضارة السورية الرائدة والهادية، ووحدة المصالح والغايات والاهداف، والتمسك بالمثل العليا، يؤدي الى تفعيل تحالفات اقليمية هي ضرورة، اذا كانت القوى فيها متعادلة وندّية، كي تسقط التبعية والتماهي مع الواقع الجديد، الذي لم تكتمل معالمه وتشكّلاته بعد، فالحليف التركي يشهد تحولات كبيرة في توجهاته، وصيانة مصالحه التي لا بد من التعامل معها بجدية كبيرة من المنظور القومي المنفتح، وكذلك فان نظرة استراتيجية واعية وفاهمة لما يجري في ايران من حراك. باتت مطلوبة لكونها ايضاً دولة اقليمية لها مصالحها الاقليمية ومن هنا تأتي ضرورة السعي لاقامة حلف استراتيجي، يمكن المنطقة الاقليمية من الصمود في وجه ادهى اشكال الاستعمار وتحقيق التوازن، وحماية المصالح وصولاً الى استقلال ناجز يضمن حرية هذه المجتمعات وكرامتها، العربية والتركية والايرانية، انطلاقاً من وحدة الهلال الخصيب، الذي يجب ان تكون غاية وهدفاً للقوى الفاعلة فيه.

ان تراجع المشروع الاميركي الاطلسي الاسرائيلي، لا يعني الاستكانة، والانبهار بالإنجازات والانتصارات الكبيرة التي حققتها هذه المجتمعات، انما يشكل مسؤولية قومية وطنية، تأخذ بعين الاعتبار وحدة الهلال الخصيب كردّ طبيعي على المشاريع الاستعمارية التقسيمية، فالمرحلة مؤاتية للتقدم بهذا الاتجاه، وهذا يدفعنا لدعوة القوى الفاعلة كافة وفي مقدمها المقاومة الاسلامية، التي تكفلت الحرب القومية وأنجزت اتنصارات حقيقية، شكلت ارضية خصبة وواعدة لهذه التحولات، انما، وصيانة لهذه الانتصارات والإنجازات العظيمة، بات ملحاً واجب القراءة الجديدة للمرحلة، واستكمال التحول الى الوطني والقومي عبر تشكيل او اطلاق جبهة تحرر وطني تضمّ كل الارادات الوطنية والقومية واليسارية والجهادية، متكاملة مع عمقها القومي، دمشق وبغداد وفلسطين، مرتكزة على تحالفاتها الاقليمية تركيا وايران، ومستفيدة من التعاطف الدولي الذي بدأ يتشكل، خاصة في اميركا اللاتينية والصين.

ان حضارة امتنا وتاريخها الجلي الممتد من العصر الفينيقي الى دمشق وبغداد، شكل تفاعلاً حيوياً انصهرت فيه كل هذه الهجرات لتشكل مجتمعاً واحداً له قيمه ومثله العليا وغاياته ونظرته الى الحياة والكون والفن. وإن دورة الحياة التي تشكلت عبر تاريخ طويل لم ترفض الا الهجرة اليهودية الصهيونية العنصرية، التي خرجت بطبيعتها وثقافتها وكنيسها عن هذا المزيج السلالي المتجانس الذي تشكّلت منه الامة السورية. هذه الهجرة التي تشكل على الدوام الخطر الأدهى على وحدة مجتمعنا وبعث نهضتنا وقدرتنا على الخروج من التشرذم الكياني والانقسامات الطائفية والمذهبية الى رحاب الوطن والامة، حتى تزول مسبباتها ونتائجها.

ان وعي هذه المخاطر القومية يتطلب معرفة حقيقة وجودنا كشعب واحد، له قضية واحدة، يلتقي عليها ويصارع من اجلها. ان مسألة الانقسامات والتخبط والفوضى، انما نشأت لتراجع الدور القومي القائم على الوعي والمعرفة ولعدم وجود مدارس علمانية تؤهل المجتمع وتمكنه من فهم حضارته وثقافته التي عمل الاستعمار على تغييبها خدمة لمصالحه وغاياته واهدافه. فالنهوض من السقوط هو مسؤولية الأحزاب القومية من الآن وصاعداً، ومسؤولية المقاومة الاسلامية الوطنية ان تدفع باتجاه عمل جبهوي لبناء حركة تحرر وطني، حفاظاً على انتصاراتها القومية وصيانة لحضارة الامة وتأكيداً لدورها بين الأمم. لأن قوة مجتمعنا بدأت تفعل وبدأت تغيّر وجه التاريخ.