العدد السابع والاربعون - شباط

نحو شراكة استراتيجية إقليمية فاعلة

زهير فياض
السبت 20 شباط (فبراير) 2010.
 

الشراكة المتوسطية تفرضها ضرورات التقدم والتطور والتفاعل الإيجابي الهادف بين أمم وشعوب المنطقة باتجاه بناء كتلة اقليمية ذات وزن سياسي واقتصادي وعسكري تؤثر وتشارك في تقرير ليس فقط السياسة الإقليمية بل الدولية، بالنظر الى تشابك المصالح والرؤى على مستويات متعددة ومختلفة، وبالنظر الى التحديات المستقبلية التي تفترض تعاوناً وتنسيقاً عالي المستوى لمواجهتها.

بالطبع، ليست المسألة بهذه البساطة، اذ أن الشراكة في المدى المتوسطي والخليجي الجغرافي، مع دول مثل تركيا أو ايران، تستوجب إتمام الحدّ الأدنى من تكامل سياسي - اقتصادي - أمني في المشرق العربي أولاً، أي محور سوريا - العراق- لبنان- الأردن. وهذه المسألة متعثرة بالنظر الى اختلاف الرؤى لدى الأنظمة السياسية القائمة، واختلاف ارتباطاتها ونظرتها الى المسائل المتصلة بقضايا المنطقة، ولا سيما قضية الصراع العربي - الإسرائيلي الذي يشكل مفصلاً، وخطاً يحدّد خارطة التموضع لهذه الدول في ضفة المشروع الصهيوني - الأميركي المتقاطع مع مصالح دولية غربية، وبين المشروع الرافض والممانع له.

في الواقع، ان السعي لاقامة هذه الشراكة المتوخاة لا يمكن لها القفز فوق حقائق الصراع في المنطقة، خاصةً أن الصراع نفسه تترتب عليه نتائج تتجاوز المشرق العربي ودوله، لتعكس نفسها على كل دول المنطقة، وبالتالي، لا بد من اعتبار أن المسائل الإقليمية القائمة تخص كل شعوب المنطقة ودولها وأممها ومجتمعاتها وان بنسب متفاوتة، بيد أن العمل الجدي هو في خلق تقاطعات جديدة اقليمية ودولية لاحقاً، تعيد بناء توازنات جديدة نطمح لأن تأتي متوافقة ومنسجمة مع مصالحنا القومية، ومصالح كل دول المنطقة من تركيا الى ايران الى بلاد الحجاز (المملكة العربية السعودية، اليمن وغيرها)، ومصر والسودان واستطراداً كامل المنطقة العربية والاقليمية.

السؤال الهام الذي يصب في الاتجاه ذاته هو: "كيف السبيل لإقامة شراكة متوسطية حقيقية تكون نصيراً وسنداً لقضايا الحق القومي لشعبنا في صراعه الوجودي ضد المشروع الصهيوني - الأميركي وتقاطعاته الدولية؟".

هل يمكن جذب دولة مثل تركيا الى هذا المحور المتوسطي المناهض للمشروع الأميركي المعبر عنه في المرحلة السابقة بـ "مشروع الشرق الأوسط الكبير أو الجديد"؟ هل الأرضية لإقامة نموذج الشراكة المتوسطية قائمة وموجودة؟ هل يمكن تفعيل أطر إقليمية ما تخدم مصالح شعوب المنطقة المتفاعلة في التاريخ والمتقاربة في الجغرافيا؟

المشروع الصهيوني - الأميركي (بين هلالين) وان استهدف وبشكل أساسي أمتنا على وجه التحديد في فلسطين ولبنان والشام والأردن، بيد أن مفاعيله المتوسطة والبعيدة المدى تطال كامل الخارطة السياسية - الجغرافية للإقليم المحيط بأسره، ولا يمكن لأي دولة سواء أكانت تركيا أم ايران، أم قبرص وأي دولة أخرى أن تنأى عن نتائجه السلبية، فتداعيات هذا المشروع تطال البنى الداخلية لهذه الدول، وتشكل تحدياً لها.

 المشروع الصهيوني هو رؤية للسيطرة على المشرق العربي والهيمنة على الإقليم المحيط به، وكل الدعم الأميركي له يصب في هذه الخانة.

دور تركيا وموقعها أميركياً

السؤال: ما هو دور دولة مثل تركيا وموقعها وفق الرؤية الأميركية؟

تلحّ التطورات الحاصلة في المنطقة، والسياقات التي تجري في إطارها يوماً إثر يوم، على إظهار مدى عمق المتغيرات الجارية في متضمنات الاستراتيجية الأميركية تجاه المنطقة.

فقد بات جلياً أن صانعي تلك الاستراتيجية مزقوا خرائط الشرق الأوسط القديمة وهم بصدد وضع أو تثبيت خرائط أخرى تتفق مع رؤيتهم وتصوراتهم لمصالحهم، إذ كانوا دائماً يشتكون من أن التركيبة الجيوسياسية للمنطقة التي هي إلى حد بعيد نتاج الذهنية الاستعمارية البريطانية الفرنسية باتت غير مجدية، وذات تكلفة عالية لم تعد واشنطن راغبة في دفع مستحقاتها ولا التكيف مع واقعها ومقتضياتها.

لم تبذل إدارة بوش عناءً كبيراً في إخفاء استراتيجيتها هذه، لأنها عبرت عنها في مناسبات كثيرة، سواء عبر طرحها لمشاريع الشرق الأوسط الجديد والكبير، أم عبر طرحها لآليات تشكيل هذه المنطقة وإعادة تركيبها بحيث تتفق خطوط تقسيمها الجديدة مع الأيديولوجية الأميركية (الليبرالية)، ومع مصالحها وقدراتها على الإيفاء بالالتزامات المترتبة على هذا الوضع.

وبناء على ذلك يمكن رسم أهم ملامح هذه الاستراتيجية كالآتي:
1ـ إحداث تغييرات جيوبوليتيكية عميقة في بنية الدول التي تكون الشرق الاوسط، على قاعدة تفتيت هذه الدول الى اتنيات واقليات طائفية ومذهبية، متصارعة في ما بينها، وضرب أي مفهوم قومي لتكوين المجتمعات.

2ـ هزّ التوازنات القديمة، وخلق توازنات جديدة تكون اسرائيل الدولة الأقوى وضابط الإيقاع لتفاعلاتها وعلاقاتها وتناقضاتها.

 3ـ إدخال دول المنطقة في لعبة تناقضات هائلة، سواء من خلال العبث بمكوناتها الداخلية أم عبر توتير الإطار الإقليمي العام.

4ـ جعل الدول في حالة من القلق والخوف على مصائرها ليتسنى بعد ذلك تقليل قدراتها على المساومة.

5ـ إنهاء أو إلغاء سياسة التوكيلات التي اعتمدتها السياسة الأميركية في مراحل سابقة مع بعض القوى الإقليمية، واتباع سياسة تقليص الأحجام.

تدهور مكانة تركيا أميركياً

تدهور مكانة تركيا في المشروع الأميركي الجديد: ما هي الأسباب؟ وما هي التداعيات؟

ان المعايير الأساسية التي - بلا أدنى شك - تحدد طبيعة العلاقات بين الدول هي معايير المصالح في أوسع وأشمل مفهومها، لذا فمصالح المشروع الصهيوني تدفع باتجاه إضعاف الدور التركي الذي فقد مكانته أميركياً نتيجة معطيات جديدة لحقت اجتياح العراق وما تلاه من احداث. 

والواقع أن تركيا فقدت بالفعل جزءاً لا يستهان به من مكانتها ودورها ولا سيما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وذلك بفعل عدة أسباب نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:

1ـ بالنسبة لروسيا الاتحادية، الأولوية تتركز على دول أوروبا الشرقية، فلا تبدو تركيا والحال هذه، مغرية لها بمستوى إغراءات التأثير والعلاقة مع دول بحجم تشيكيا وبولندا، البلدان الملاصقان للعمق الحيوي الروسي.

2ـ في آسيا الوسطى تراجع الدور التركي، خاصة بعد فشل الأطر التي حاولت أنقرة تنظيمها في إطار أخوة الشعوب التركية، وبعد الاختراق الأميركي لأوزبكستان وتركمانستان الدولتين الغنيتين بالنفط والغاز، وفي هذا التراجع مصلحة روسية في إعادة رسم خارطة هذه الدول والمناطق التي كانت تدور في الفلك السوفياتي وفق المصالح والرؤية الروسية، فتبدو تركيا - في هذا المجال - منافساً أساسياً للدور الروسي.

3ـ أما في المشرق العربي فربما تكون تركيا برفضها الطلب الأميركي قبيل الغزو الأميركي للعراق باستعمال أراضيها كقاعدة ومنطلق لضرب العراق، حيث رفضت تركيا آنذاك إنزال الفرقة الرابعة الأميركية في أراضيها قبل الحرب بأيام قليلة، وفي حينها أقسم الجنرال الأميركي الذي قاد الحرب على العراق تومي فرانكس على أن يدفع قادة تركيا الصاع صاعيْن.

كل هذا السياق أدى الى تدهور العلاقة الاستراتيجية بين تركيا والولايات المتحدة الأميركية بسبب عدم انسجام السياسات الأميركية مع مصالح السياسة الخارجية التركية في العديد من الملفات.

رؤية تركية جديدة

ما هو الدور المستقبلي لتركيا في المنطقة؟ ما هي طبيعة هذا الدور المستقبلي الذي يضمن لأنقرة دورا محوريا في تاريخ المنطقة، كما يمنحها حضورا أهم في صياغة تفاعلاتها المستقبلية على نحو يخدم مصالح تركيا الاستراتيجية على الصعيدين الداخلي والخارجي، خصوصا فيما يتعلق بالقضية الكردية، إذ إن واشنطن لم تقدم إجابات صريحة وواضحة عن كيفية المحافظة على المصالح الإقليمية التركية، في الوقت الذي لعبت فيه أميركا دور عرابة "الدولة" الكردية في الشمال العراقي، وهذا ينسحب أيضاً على العلاقات الإقليمية مع دول الجوار.

اذاً، هذا هو السياق المنطقي والاستراتيجي الذي يفسر التحول التركي في التعامل الايجابي مع قضايا المنطقة، والسعي التركي الواضح لاقامة شراكة سياسية تتأسس على شراكة اقتصادية مع دول المشرق العربي، تعيد صياغة الدور التركي على قواعد جديدة تأخذ بالاعتبار كل المراحل السابقة والدور السابق لتركيا - الدولة الحليفة للولايات المتحدة الأميركية، وعضو حلف الناتو.

هذه المتغيرات دفعت بتركيا اليوم الى أداء جديد وسلوك مختلف من المفترض أن يتأسس على رؤية تركية جديدة لحاضر المنطقة ومستقبلها.

 ويرى غراهام مولر نائب رئيس مجلس الاستخبارات الوطنية التابع لـ"سي آي أيه" أن تركيا الجديدة تسعى إلى ترسيخ علاقات جيدة مع محيطها بحيث تشمل جميع الدول واللاعبين، وهي تلعب دور الوسيط في الشرق الأوسط لإدماج الراديكاليين في السياسة.

وقد أدى انتهاء الحرب الباردة إلى إتاحة الفرصة أمام تركيا لأن تتبع سياسة أكثر مرونة تجاه قضايا المنطقة، فكانت فاعلاً دولياً أساسياً في مناطق عدة كوسط آسيا وإقليم البحر الأسود والبلقان إضافة إلى منطقة الشرق الأوسط.

 ويمكن تلخيص نقاط الخلاف في السياسة الخارجية أنقرة وواشنطن في الآتي:
1ـ الخلاف في الشأن الكردي حيث كانت السياسة الأميركية تجاه العراق على مدار ستة عشر عاما الماضية ذات نتائج كارثية على تركيا.

2ـ الخلاف على الإرهاب حيث تسببت السياسات الأميركية في الشرق الأوسط بتحريض العنف والتطرف عبر المنطقة وأتت بالقاعدة إلى تركيا.

3ـ الخلاف بشأن إيران وسوريا، حيث ترى تركيا أن الضغوط الأميركية على إيران تزيد تطرف إيران وعزلتها وهو أمر غير مستحب لدى تركيا، كما أن أنقرة ترفض الضغوط لتهميش سوريا وعزلها.

4ـ الخلاف في الشأن الأرميني، حيث إن السياسات والتصريحات الأميركية ألهبت الجو ضد تقارب محتمل بين الأتراك والأرمن ومنعت طي صفحة الماضي.

كل هذه الهوامش الخلافية، يجب ان تدفع سوريا ولبنان وكل دول المشرق العربي للتقدم خطوة وملاقاة الخطوات التركية في اتجاهها، لأن المصالح الاقتصادية والجوار الجغرافي والعلاقات التاريخية قد تكون قاعدة ومنطلقاً لتطوير علاقة مشرقية عربية - تركية نامية واستراتيجية تشكل سنداً لدولنا في مسائل الصراع الأساسية، خاصةً أن التحول التركي قد طال، وان بنسبة معقولة، الرؤية التركية للعلاقة مع اسرائيل وقد تمظهر هذا التحول في الموقف التركي ابان العدوان على غزة في العام 2008، وفي وقف المناورات المشتركة مع الجيش الاسرائيلي، وفي الانفتاح على حركة حماس وغيرها من حركات المقاومة، اضافة الى الموقف التركي الايجابي ابان عدوان تموز في لبنان.

ولكن، تبقى العبرة في التقاط دولنا لهذه الفرصة التاريخية المتاحة في تنمية العلاقة مع تركيا، واقامة هذا النوع من الشراكة الاقتصادية والسياسية والانفتاح على تعاون مضطرد مع ايران الدولة الداعمة لحقنا القومي في فلسطين، ولعل العلاقة السورية - التركية الاستراتيجية وتوقيع حوالى 52 معاهدة مشتركة في الشهر الماضي، وفتح الحدود، وتنمية المشاريع الاستراتيجية وتشجيع التعاون الاقتصادي وتوسيع المدى الاستثماري مع تركيا، اضافة الى معاهدة الغاء تأشيرات الفيزا بين لبنان وتركيا والتي تم التوقيع عليها هذا الأسبوع، كل هذه التطورات قد تشكل أرضية صالحة لفهم مشترك ورؤية عميقة واعية لمصالح اقليمية متداخلة، تقيم سقف حمايتها الاستراتيجية في وجه كل المشاريع الخارجية والاستعمارية التي تنظر الى منطقتنا وفق رؤيتها ومصالحها ومفاهيمها الأحادية.