العدد السابع والاربعون - شباط

الأحزاب العقائدية وضرورة النقد الذاتي والتجدد

د. غالب نور الدين
السبت 20 شباط (فبراير) 2010.
 

لا شك في أن الفكر النقدي وممارسة الحرية النقدية هي حجر الزاوية في كل عمليات التجدد والنهضة، فمن دون الممارسة الفكرية النقدية للأفكار والسلوكيات على ضوء المستجدات والظروف والتحولات، فان العقائد تتحجر ويتوقف التطور وتستكين المجتمعات فتتخلّف وتضمحّل.

إن العملية النقدية لا تصبح ذات قيمة إن لم تبدأ بالنقد الذاتي، على ضوء الحقائق والتطورات والحاجات الاجتماعية، وبهذا تتحوّل التجارب والممارسات السابقة إلى ثروة علمية ذات قيمة هائلة في استشراف مسيرة المستقبل وطرائق النضال المتجددة.

إن توماس أديسون قام بـ 5220 محاولة فاشلة لإضاءة المصباح الكهربائي، وقال معلقاً على ذلك: "إنني تعلمت أن هنالك 5220 طريقة غير ناجحة لإضاءة المصباح".

هنالك قول مأثور يقول إنه من رحم الهزائم تنبع الانتصارات أحياناً. هذا إذا توافر الفكر النقدي لمعرفة أسباب الضعف والهزيمة، وإبداع وسائل الانتصار، أما في التعنت ورفض النقد، فإن الهزائم تستمر في سياقها ويتراجع فعل أصحاب العقائد والمبدعين إلى أن يزولوا من ساحات الصراع.

إن المفاصل التاريخية تتطلّب من أصحاب العقائد الحية دائماً إجراء تقييم أدائها ومهامها ورؤيتها إلى تحولات المجتمع والأمة والعالم. وهذه المفاصل تكون إما هزائم أو انتصارات أو تطورات كبرى على الصعيد الاجتماعي. فالمبادئ النهضوية التحريرية ليست قوالب جامدة، كما أنها في ذاتها، ليست غايات مقفلة، بل وسائل تتطور كقواعد للفكر والإبداع، فإذا تحجّرت في رؤيتها وأساليبها ومهامها تتحول الى "طواطم" لا قيمة لها، وقد تكون معيقة ومعطلة للنهضة في أحياناً.

في أعقاب هزيمة حزيران 1967 قامت بعض الأحزاب بعملية نقد ذاتي على ضوء الأحداث فنقدت ممارسات سابقة وتبنت نهجاً جديداً ورؤيا متقدمة، ومنها: مؤتمر الحزب الشيوعي اللبناني العام 1968 الذي أحدث تحولات كبرى باتجاه الانخراط الفعلي الرائد في الصراع ضد الامبريالية والصهيونية واعتبار التحرر القومي مقولة ثورية في الصراع ضد الامبريالية، مجدداً نفسه بذلك، على أنقاض الرؤيا الخاطئة بـ "الترفع عن مهام الصراع القومي" في السابق..

وبذلك انطلق الحزب الشيوعي وتوسّع الالتفاف الجماهيري حوله، ولعب دوراً مهماً في النضال الوطني والمقاومة استناداً الى رؤيته المتجددة وأدائه آنذاك.

أما الحزب السوري القومي الاجتماعي ففي مؤتمر ملكارت العام 1969 أدان نهج الخمسينيات من القرن الماضي وتبنى الكفاح المسلح كطريق وحيد للتحرير، والكفاح ضد الامبريالية والصهيونية وكل أشكال القهر والاستغلال. هذا المؤتمر أحيا الحزب السوري القومي الاجتماعي من كبوته فانتشرت قواعده في كل المناطق، ولعب دوراً رئيسياً في ساحات الصراع والمقاومة. كما أن قوى عديدة قامت بنقد ذاتي أهمها حركة القوميين العرب في منتصف الستينيات، وتجلّى أداؤها الجديد ورؤيتها بتأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين واليمن وغيرها من الأقطار ولعبت دوراً مهماً في الساحة.

من هنا يتضح أن ممارسة النقد الذاتي لا تضعف الأحزاب الحية بل تطلقها وتجددها وإن تضررت بعض الشخصيات المتعنتة فيها، كما أن تجاربها وتعثراتها تتحول بواسطة النقد الى تجارب علمية تستفيد منها، بدلاً من ان تبقى عبئاً على تراثها ومصداقيتها أمام الشعب وعصياً في دواليبها.

نقد "أمل" أنتج حزب الله

العام 1982 خرج تنظيم حزب الله من رحم النقد الذاتي الذي عصف في مسار حركة أمل وخياراتها حيال متابعة النهج المقاوم والأداء السياسي. هذا الخيار المقاوم أبدع نماذج رائعة من الإنجازات، وصولاً الى هزيمة العدوان الاسرائيلي في حرب تموز 2006 ومفاعيله الممتدة على المنطقة والعالم كأول انتصار ونموذج رائد سوف يتوسع على امتداد الأمة والمشرق بأكمله. وقد تأسس بذلك مفصل تاريخي جديد مختلف عن مفصل 1967 وعهد الهزائم، الى مفصل 2006 وبداية عهد الانتصارات.

ان نهج الكفاح المسلح الذي تبنته الأحزاب القومية واليسارية في أعقاب هزيمة حزيران 1967 هو نفسه الذي حقق التحرير في أيار 2000 والانتصار في تموز 2006 على يد حزب الله.

أحزاب مقاومة اغتالت تاريخها

ولكن هذه الأحزاب التي كانت رائدة في مقاومة الاحتلال عام 1982 تراجعت لاسباب لا أدري اذا كانت ذاتية او خارجية (هذا الامر خاضع للبحث الموضوعي في عملية النقد الذاتي). هذه الاحزاب أخذت تلهث في متاهات السياسة اللبنانية وابتدعت مبررات كثيرة لانخراطها في لعبة السلطة وزواريب النظام كعملية تكتية استثنائية للولوج عبر الدولة ومؤسساتها الطائفية نحو الإصلاح السياسي المنشود. لم تتمكن هذه الاحزاب التي شاركت في السلطة والمجلس النيابي من احداث انجاز يذكر في التغيير، لا بل ان آليات السلطة ومحاصصاتها الطائفية طوّعتها في كل أدائها كوزراء ونواب، فالعبرة ليست في البيانات الاعلامية التي صدرت، بل في الأداء حيال تمرير القوانين والمشاريع وتمكين نهج الحريرية السياسية والاقتصادية من احتواء الدولة والبلاد. هذا النهج (الاستثنائي في رأيهم) جعل مؤسساتهم ومجالسهم تضيع وقتها في زواريب الاعتبارات الضيقة بدل الاهتمام بالنهج الحزبي الأساسي والمهمة الاستراتيجية. إن الأداء أخذ يتناقض مع المبادئ والأهداف الأساسية، مما جعل هذه الاحزاب تضحي بمصداقيتها على مذبح فتات من السلطة غير الفاعلة. هنا نتوقف امام النتائج: هل مشروع الدولة الذي انخرطت فيه الاحزاب أنتج معبراً للاصلاح أم انه وضع البلاد مرهونة مفلسة وعلى ابواب الفتن والويلات؟ هل استطاعت بعض هذه الاحزاب احداث انجاز واحد حيال العدالة الاجتماعية وتجاوز الطائفية ومحاربة الفساد؟ ماذا كان أداؤها في مواجهة رهن لبنان على مذبح مصالح النيوليبرالية؟ لماذا تخلت عن نضالاتها في السلطة باتجاه قانون انتخابي نسبي غير طائفي، لا بل انها صوتت في البرلمان ضده لمصلحة قانون 2000 (ما سُمّي بقانون غازي كنعان).

بعض مسؤولي الاحزاب يجيبون حيال ذلك جواباً سريعاً متهرباً وعاماًَ: "ظروف استثنائية". ان الظروف الاستثنائية تكاثرت لدرجة انها طبعت الأداء الحزبي في السلطة، والخوف انها تحولت عند بعضهم الى ظروف طبيعية.

اليسار صدّر مستشاري الحريرية

اما الاحزاب اليسارية الاخرى التي لم تشارك في السلطة فلم يكن حالها أفضل من تلك المشاركة، بل انها عاشت في حالة من التعطيل والإحباط وضياع وحدة الاتجاه، فلم تمارس معارضة حقيقية لمشاريع النيوليبرالية الحريرية، ونظرت الى المقاومة نظرة امرأة تغار من ضرتها فتقذفها بشتى الاتهامات (ظلامية، متخلفة، الخ..)، وكأن المقاومة وكالة حصرية لها، حتى وصل الأمر ببعض قياداتها السياسية الى الوقوف مع أخصام المقاومين في النيل من المقاومة سياسياً وفكرياً واعلامياً. والمؤسف ان صارت احزاب بعض اليسار اكبر مصدّر للكوادر الإعلامية والحزبية والمستشارين في تيار المستقبل وجرائده ومؤسساته الإعلامية وغيرها، وبعضهم جهابذة 14 آذار، ومن المعيب انهم ما يزالون يتغنون بانهم يسار.. اما التردد في اتخاذ موقف سياسي حيال الاحداث التي عصفت بلبنان في اعقاب اغتيال الرئيس رفيق الحريري العام 2005، فقد وضعهم في حالة من الشرذمة والضعف، فبالرغم من موقفهم الواضح ضد العدوان والمؤامرات، الا انهم انعزلوا في بعض الاحيان عن مواقع مهمة ونضالات مما يدلّ على تخبط كبير في اتخاذ الموقف الموحّد والخيار. ونتائج الانتخابات الاخيرة العام الماضي اكبر دليل على حالة الضعف التي وصلوا اليها، مما يستدعي البحث وإعادة النظر.

ان الاحزاب الوطنية اللاطائفية انتقلت في سياق العشرين سنة الاخيرة من حالة الفعل والتأثير الى حالة المواكبة، مواكبة القوى الفاعلة، وتلعب بذلك دوراً ثانوياً في الحراك الشعبي، السياسي، وهي تعاني من تزايد انفضاض التأييد الشعبي لها بالاضافة الى نزيف هائل في الكوادر الجيدة التي وجدت ان الاطارات التنظيمية لهذه الاحزاب لم تعد مجدية او صارت معيقة للنضال الابداعي والتطور.

ان ازمة الاحزاب لا تحظى بإعطائها ادواراً سياسية ورافعات، اذا لم تنطلق هي من ذاتها في عملية نقد ذاتي وتجديد، ويشارك فيها الشعب لأنه موضوعها وغايتها في مهمة التغيير. ان الدور التاريخي للاحزاب لا يعطى من قوى اخرى عبر ادوار امنية او سياسية محدودة بل دورها تأخذه هي اذا صحت رؤيتها والتزمت بالأداء الصادق. فالمسألة اكثر من مواقف واعلانات انها مهام ونضالات صادقة في ساحات الصراع.

تموز 2006 مفصل الانتصارات

صراع أمتنا ضد المحتلين والغاصبين اشبه بصراع جسد الانسان ضد المرض المهدد لوجوده، فانه عند الاصابة يعمل بكل قواه لدفع المرض، وقد يفشل في صراعه مرات عدة بسبب الضعف في المواجهة، او التخلف، او قوة المرض، وفي سياق الصراع تستطيع بعض الخلايا هزيمة المرض في احد المفاصل، نتيجة تطور نموذج مجابهة له. إن الجسم الحي يتبنى نموذج الخلايا الشافية في ساحة صراعه، فيحميها ويرفدها بالقوة وينتجها للتكاثر، ونتيجة ذلك تحدث في كل أعضائه وخلاياه تحولات كبيرة لمصلحة الانتصار في معركة مجابهة المرض، وهو بذلك يتطور ويتغير في كل جوانب الحياة. ان الخلايا الحية التي هزمت المرض تبقى يتيمة بل تصبح نموذج خلاص للجسد يتطور به ويطوره. ان اعضاء الجسد تقوم بنقد ذاتي تتخلى فيه عن عوامل الضعف وتلتحق بعوامل القوة وتراقبها وتطورها وتدعمها.

ان انتصار تموز 2006 يمثل اول انتصار حقيقي لشعبنا على الأعداء الصهاينة وحلفائهم في العالم كله منذ عقود كثيرة ويقدم نموذجاً متقدماً حياً قابلاً للانتشار والرسوخ والتطوير، وتغيير مصيرنا، اذا ما احتُضن ورفد بالمنعة وتحولت الثقافة التي انبثق من رحمها، اي المقاومة المقاومة، الى ثقافة شعبية اجتماعية عامة ترفده بالقوة والتطور، عبر إحداث تغييرات جذرية في خلايا الامة ومؤسساتها واقتصادها وكل نواحي الحياة فيها. من هنا فالصراع ضد الصهاينة والامبرياليين لا ينفصل عن الصراع ضد حالات الفساد والتخلف والاستغلال والتآمر في داخل مجتمعاتنا. فالمهمة هي تحرير الارض والانسان.

الاهتراء الاجتماعي صنو الفساد

 إن الاهتراء الاجتماعي والقومي والضعف كان دائماً عاملاً اساسياً في هزائمنا ومتقاطعاً مع توغل الأعداء في داخل امتنا. هنا يكمن دور القوى الحية المؤمنة صاحبة البرامج والرؤى لتنخرط في ورشة تأسيس عصر الانتصارات، بتنوعاتها وإبداعاتها المختلفة، عندئذ يمكن القول إن تموز 2006 استهل زمن الانتصارات. أما إذا تخلت القوى الحية عن مهامها في ذلك، فيصبح انتصاراً يتيماً بسبب كسلهم وخنوعهم وضيق آفاقهم.

لم نقصد في هذا المقال المتواضع التجريح بالأحزاب، بل أردنا أن نساهم في مهمة إلقاء الضوء على أهمية النقد الذاتي، بغية التجديد والتطوير، فالأمة بحاجة الى هذه القوى العقائدية لتلعب دورها الطبيعي في إنقاذها ونهضتها على لبنة بداية الانتصارات.

النقد دعوة للانخراط في الانتصار

ان النقد من موقع المناضل يختلف تماماً عن النقد من موقع المراقب او المترفع المتعالي. فمن موقع المناضل يصار الى اغناء التجربة وتطويرها وتعميمها وبالأخص اذا كان الموقع النضالي هو خندق مواجهة تاريخية كبرى ضد المغتصبين والامبرياليين، أي معركة مصير تتحدد على نتائجها مصائر الشعوب.

ان النقد من موقع المراقب له اهميته، ولكن ليس عند احزاب التغيير ورجال النهضة، بل عند آخرين لا يرون في مواجهة الصهاينة والامبرياليين معركة مصير.

من هنا نقول ان الامة بحاجة الى القوى العقائدية النهضوية وان مسيرة التحرير تدعوهم جميعاً للانخراط الفعلي، كي تتطور في انجازاتها على جبهات الصراع وفي داخل المجتمع، والمطلوب من هذه الأحزاب تجديد نفسها بالنقد الذاتي والرؤيا الاستراتيجية والممارسة الرائدة المنسجمة مع حقيقتها ومصداقية مبادئها.