العدد السابع والاربعون - شباط

تبادل الخدمات بين الثقافة والسياسة

مدينة طرابلس نموذجا
السبت 20 شباط (فبراير) 2010.
 

عاطف عطيه

 تعمل هذه الورقة على اظهار العلاقة بين الحاكم و المحكوم عن طريق البحث في رموز التبادل بينهما لتأمين المصالح التي تسمح باستمرار هذه العلاقة و تمتينها، وإن كان ذلك بتغير أشخاص الحاكمين أو تزايد أعداد المحكومين أو نقصانهم. وتختصر الورقة هنا هوية الحاكم بالسياسي الذي يتخذ من السياسة مهنة له تؤهله ليصير نائباً في البرلمان أو عضواً في الوزارة، أو ليقترب من هذا الموقع، أو على أمل أن يكون من عداد الحاكمين. أما المحكوم هنا، فهو الناخب الذي يعتبر نفسه، وينظر اليه من قبل الحاكم، أو من يلوذون به، حلاً وربطاً وسلطة وجاهاً، على أنه موصل الحاكم إلى حكمه و النائب إلى برلمانه، والوزير إلى وزارته.

 

 وعليه، ينحصر هذا القول في العلاقة بين رجل السياسة والناخب وكيفية تبادل الخدمات بينهما بالاستناد إلى العامل الثقافي الذي يتحدد بأصول العلاقة، إن كان بطريقة واعية تتمظهر بالتوجه نحو نصرة هذا السياسي، أو ذاك ، واتخاذ الموقف المؤيد والداعم لهذا السياسي لا لذاك؛ أو بطريقة فيها الخلط من الوعي واللاوعي تجعل من الناخب المدافع المستميت عن السياسي الذي يؤيد، ويعمل بالإخلاص والتفاني من أجل حشد الأنصار والمؤيدين، أو تجعل منه الخصم اللدود لمن يقف في الموقع المقابل، حاكمين ومحكومين، دون أن يذكر أحد من الجميع المصالح التي تجمع أو تفرّق[1] .

 يتأسس العامل الثقافي الذي يوجه متبادلي الخدمات على عاملين اثنين لا ينحصران في تأثيرهما على المدينة فحسب، بل يتجاوزان الإطار المديني إلى الريف و المناطق التي تتأرجح في نمط معيشتها بين الريف و المدينة. هذان العاملان هما: الانتماء الديني المذهبي والانتماء العائلي مع كل ما يرتبط بهما من الارتباطات الأولية للانسان. يشجع هذين العاملين ويعمل على ترسيخهما، مهما تغيرت الأقوال والأفعال بما يتناقض مع ذلك من ممارسات يومية توحي بتغير الأحوال أو بما تفرضه انشغالات العصر الحديث و همومه، نظام سياسي - اجتماعي لا يزال ينظر إلى الناخب على أنه واحد في رعية، وإلى السياسي على أنه ممثل للطائفة - المذهب أو الدين، ومرسل من قبلهما، هكذا، ليصير، من بعد، ممثلاً للأمة جمعاء.

 تضافر العامل الثقافي بعناصره الأساسية، مع النظام الطائفي و مع قانون الانتخاب في كل تعديلاته، والمحاولات، أنتجت نمطاً محدداً و شبه ثابت من التعامل بين الطرفين. ويحصر هذا التعامل بين شخصي السياسي المرشح و الناخب بصرف النظر عن عدد المرشحين وعن عدد الناخبين أيضاً. و شخصانية العلاقة هذه تفرض نوعاً من تبادل الخدمات تبقى في كل الأحوال محصورة بين الناخب كشخص يزيد وزنه أو ينقص بالنسبة للسياسي على قدر ما يستطيع تقديمه من الأصوات. وهذه الإستطاعة لا تتحدد بالشكل الدقيق إلا بقدر ما يكون التبادل من الجهة المقابلة. وغالباً ما يكون عنصر التبادل المقابل هذا، دعماً للدخول إلى وظيفة أو إخراجاً من السجن، أو تبوّءاً لمركز هام من مراكز السلطة في الدولة. و تبادل المصالح هذا، يفيد المتبادلين؛ فيعطي للسياسي، أولاً؛ مراكز ادارية ومواقع سلطة في الدولة يستطيع من خلالها مدّ نفوذه الى أماكن قصيّة يعمل من خلالها على زيادة خدماته، وبالتالي نفوذه؛ ما يؤدي، بالممارسة والمثابرة، على جعل موقعه في السلطة السياسية، على أي مستوى كان، من الثوابت. ويعطي المستفيد من الخدمة، ثانياً؛ موقعاً يميزه عن الأقران، ويصيّره من ذوي النفوذ، فيزيد، بذلك، مؤيدوه والواقفون على رأيه، ويزيد بالتالي وزنه لدى السياسي وتنتقل عمـلية تبـادل المصالح إلى مرتـبة أرقى وهكـذا. ولا أجـد تعبـيراً عن هـذه العـلاقة أفضل من: "حكّ لي لأحكّ لك". وهو تعبير شائع يصف نوعية العلاقة السياسية على مختلف مستوياتها في لبنان. وهو ما اصطلح على تسميته مؤخراً في قاموس السياسة اللبنانية بالزبائنية السياسية.

 لا يختلف الوضع في طرابلس، على صعيد العلاقات وتبادل المصالح بين الحاكم والمحكوم، عن الوضع اللبناني عامة، وإن كان لكل مجتمع محلي مقتضياته وظروفه المخصوصة التي تسهم في إظهار التميز والاختلاف ضمن إطار منطق التوجه نفسه. فالمجتمع المحلي الطرابلسي ينتمي في أكثريته الساحقة إلى الإسلام السني، مع وجود أقلية مسيحية أرثوذكسية، مارونية ، كاثوليكية تتراوح في أوقاتنا الحاضرة بين الثمن والعشر(1/8، 1/10) من الطرابلسيين، ويزيد هذا العدد قليلاً لدى العلويين[2]. ومع ذلك تتمثل الأقليات الدينية في المدينة بنسبة 37,5%. والنواب السـنّة هم الـذيـن يفـوزون عـلى أقرانهم المرشحين من الطائفة نفسها بعد خوض "معارك" تبادل الخدمات والمصالح مع الناخبين، ويجلبون معهم أصحاب الحظوة من الطوائف الأخرى الذين لا حول لهم ولا قوة إلا باعتبارهم محط الاختيار من قبل أصحاب الحل والربط في هذا المجال، أو باعتبار قدرتهم على دفع مصاريف اللائحة، أو حصولهم على التزكية من مواقع أخرى، غير ذات توجه سياسي من داخل المدينة، أو ذات توجه سياسي، وغير سياسي، من خارجها، تحصل بالمقابل على ما تطلب من أصوات الأقليات في دوائر انتخابية مغايرة في انتمائها الطائفي أو الديني، قريبة أو بعيدة ، انطلاقاً من مقولة تبادل الخدمات والمصالح إياها.

 اعتمدت طرابلس في انتخاباتها النيابية قبل 1975 على عناصر أساسية، أهمها شيوخ الحارات وقبضاياتها ورؤوس العائلات المعتبرة في المدينة، بالاضافة إلى براعم متفتحة حديثاً فرضتها الأحزاب السياسية ذات التوجه القومي، وبدرجة أقل ذات التوجه "الأممي"، الموصولة بصلات بدت متينة مع بيروت ودمشق والقاهرة، أو أبعد. هذه العناصر مجتمعة أنتجت ما أطلق عليه المشتغلون في العمل السياسي اسم المفاتيح الانتخابية.  

 لم يظهر هؤلاء من فراغ. بل اشتهروا في المدينة، قبل ممارسة النشاط السياسي المبني على العمليات الانتخابية، بجرأتهم وشجاعتهم وشدة بأسهم. وانتزعوا محبة رجالات المدينة المتنورين وعطفهم[3] لما كانوا يقومون به من مقارعة للأجنبي المحتل. وقد اشتهروا بتجارة الممنوعات وأعمال التهريب، وفي الوقت نفسه بالتصدق على الفقراء وحماية الضعفاء . دخل الكثيرون من هؤلاء باب السياسة ليكونوا السواعد القوية والمفاتيح الانتخابية لمن اهتموا ببناء زعاماتهم في المدينة.

 وجد القبضايات والمتنفذون في مسؤولي المدينة ورجالاتها الذين توجهوا الوجهة الحديثة في العمل السياسي، ملجأهم الجديد. فهجر الكثيرون منهم أعمال الفتوة والبلطجة، ودخلوا في خدمة السياسيين الجدد يتبادلون معهم المصالح والخدمات: حماية المسؤولين والدفاع عنهم، مقابل تأمين أكلاف معيشتهم، أو حماية تجارتهم، أو المساعدة في تأسيسها، أو فك أسر أحدهم، أو أحد أتباعهم، في حال ألقي القبض عليه من قبل رجال السلطة. وفي هذه الحال كثيراً ما كان يتصارع هؤلاء ويتقاتلون في سبيل مآرب سياسية يجنيها من صراعهم وتقاتلهم كبار المدينة وزعماؤها السياسيون.

 وتبقى مهام هؤلاء ، في كل الأحوال، حماية الزعيم والعمل على زيادة نفوذه، وهم عادة ما يتفانون في خدمة زعمائهم، لأن مهامهم هذه تزيد من نفوذهم، وتمتـّن حظوتهم لدى هؤلاء من ناحية، وتعزّز سطوتهم تجاه العامة من ناحية ثانية. هذا طبعاً، بالاضافة إلى العمل على الحد من نفوذ وسطوة كل من هم خارج دائرة التبعية والولاء[4]

 كان هؤلاء المتنفذون ينشطون، يصولون ويجولون في المواسم الانتخابية عن طريق الاحتفالات والمهرجانات الانتخابية، وترتيب اللقاءات الشعبية في الحارات مع المرشحين. وكانوا غالباً ما يكتفون بما تقدمه هذه الأدوار من شهرة وجاه وحظوة عند المرشحين، واعتبار وتميز لدى العامة. وغالباً ما يحصلون أيضاً على مكاسب وخدمات من الفائزين من المرشحين، وحتى الخاسرين منهم، يستأثرون بها، ويوزعون شيئأ منها على المقربين منهم من أصحاب الحظوة والنشاط، ونادراً ما يصل شيء من هذه المنافع والخدمات إلى العامة. وهؤلاء ما كانوا يرضون بما حصل عليه غيرهم ولم يحصلوا عليه هم، إلا لأنهم كانوا يكتفون بما يقدمه شيوخ الحارات وقبضاياتها ومتنفذوها لهم في مناسبات أخرى، أكثر ما انحصرت في المناسبات الدينية ومناسبات الأعطيات الشرعية التي كانت توزع عليهم إما على سبيل الزكاة أو الفطرة، أو بما تجود به أراضي الأوقاف وأبنيتها.

 أفترضُ في هذا المقام أن المتنفذين وشيوخ الحارات كانوا منذ أزمنة موغلة في القدم صلات الوصل بين أغنياء المدينة وفقرائها، وخصوصاً في ما يتعلق بالفرائض الشرعية. من هنا، بتقديري، جاء احترام الخاصة لهم بالإضافة إلى محبة العامة. وهم المهيأون للعب الدور السياسي في خدمة متزعمي المدينة، كما للعب الدور المناوئ للسلطة ممانعة وتهريباً وتجارة بالممنوعات. فكان هؤلاء، بحق، خير من يمكن أن يلعب دور المفاتيح الانتخابية. ينضاف إليهم مخاتير المحلات ورجال الجهاز الديني ممن يدخلون في إطار الوظائف الدينية والشرعية التي يشرف عليها دار الافتاء، وعلى رأسها المفتي بما يمثل على صعيدي الشرع الديني والوزن السياسي.ِِِِِِِِِِِِِِ

 وهنا لا بد من التأكيد أن العنصر الديني المشكـّل الرئيسي للبنية الثقافية يبقى المسيطر الأساسي على توجهات الحكام والمحكومين، والموجه الأول لتبادل الخدمات فيما بينهم. من هنا نفهم حرص رجال السياسة على بناء أمتن العلاقات مع رجال الدين إلى أي طائفة انتموا. ينضاف إلى ذلك، هذه العلاقة المفصلية بين الشأن الديني والشأن السياسي؛ هذه العلاقة التي زاد في بلورتها تقاسم الحصص في لبنان الاستقلال، وما بعده، على الأساس الطائفي، في الداخل، والنظرة إلى العروبة باعتبارها رديفة للاسلام السني، في الخارج. والمثال الساطع على ذلك، وفي طرابلس بالذات، خروج مشروع زعامة عبد الحميد كرامي السياسية، ومن ثم ترسّخها، من عباءة الدين، باعتباره مفتياً لطرابلس والشمال، قبل أن يصير نائباً ومن ثم زعيماً. وقبل أن يطلق قولته المدوية: " ما من قوة في العالم تجبرنا على الاعتراف بلبنان إذا لم يكن عربياً ومن صميم البلاد العربية"[5]

 إذا كان العنصر الديني الأساس المشكـّل للعامل الثقافي؛ وإذا كانت المدينة المنتجة لزعامتها السياسية باعتبارها مدينة مسلمة سنية بأكثرية أهاليها الساحقة، فإن وهج هذا العنصر لا بد له أن يخف ويبهت طالما المنافسة الشديدة تحصل بين المنتمين إلى المذهب الديني نفسه. هنا، ينتقل الوهج إلى العنصر الثاني المشكـّل للعامل الثقافي، عنصر الانتماء العائلي والقرابة المتأتية من رابطة النسب الدموي ومن المصاهرة أخذاً وعطاءً. ما يعني أن حجم العائلة وامتداداتها القرابية تشكل عنصر التبادل الأساسي بين زعيم المدينة، أو مشروع زعيمها طالما له سلطة تزعّم اللائحة أو تشكيلها، وبين المرشح لأخذ مكانه في اللائحة قبل أن يصير مرشحاً لتمثيل الناخبين في المجلس النيابي. وهنا، على المرشح نفسه أن يلعب اللعبة ذاتها في علاقته مع الناخبين، وفي عملية تبادل الخدمات والمصالح معهم.

 إكتفت طرابلس، قبل التسعينيات بهذا النوع من العلاقات بين الحكام والمحكومين. وبقيت هذه العلاقات في إطار استمرار زعامة المدينة بين رجال سياسة من هذه العائلة أو تلك، تغير من وجوههم، أو من وجوه بعضهم على الأقل، الرياح السياسية التي عادةً ما تهب على المدينة من بيروت والقاهرة ودمشق، أو من بغداد وفلسطين بمنظمة تحريرها ومقاومتها. ولا مقابل لاستمرار هذه الزعامات، أو مشاريعها، أو هذا النفوذ الموصل إلى الندوة البرلمانية، إلا ما تقدمه، أو ما يقدم باسمها، من خدمات إلى القاعدة الشعبية وإلى المتنفذين فيها، إن كانت تكريساً لمشيخة موجودة في الحارات، أو وظائف ومناصب في دوائر الحكومة، أو مؤسسات القطاع الخاص في المدينة وخارجها.

 وبقي منطق المدينة هو الغالب بالاستناد إلى العنصرين المشكـّلين لبنيتها الثقافية: الدين والقرابة النَسَبية، مع محاولات أخذ عناصر أخرى مكانهما، أو على الأقل بجانبهما، في البنية ذاتها. وقد كان نجاح هذه المحاولات محدوداً. وتجلى ذلك إما في إيصال نائب إلى مجلس النواب على غير الطريقة التقليدية، وهي طريقة الانتماء السياسي، وتغليب العقيدة القومية على أي اعتبار آخر، مع لحظ عدم التناقض بين اعتبار القومية العربية واعتبار الدين لدى الأكثرية الساحقة من مسلمي المدينة. هذا طبعاً، بالاضافة إلى المواصفات الشخصية والخدمات الطبية التي كان يقدمها هذا النائب الجديد دون تفرقة بين محازب ومناصر وخصم. إلا أن هذه الحالة بقيت يتيمة[6]. ذلك أن الأحزاب التي تنادي بالوحدة، على أي صورة كانت، بقيت، قبل فلتة الشوط هذه، وبعدها، وحتى أيامنا الحاضرة، على هامش الحياة السياسية في المدينة. وفي الحالات التي دخلت معترك السياسة كانت إما مناصرة لهذا الزعيم أو ذاك[7]

 عندما استأنفت الحياة السياسية اللبنانية مسيرتها الطبيعية بعد اتفاق الطائف سنة 1989 وإجراء أول انتخابات نيابية بعد حرب 1975 بالتعيين والانتخاب سنة 1992 ومن ثم بالانتخاب سنة 1996 وما بعد، دخل عنصر جديد على العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وهو عنصر المال. وقد تأتـّى هذا من رجالات قدموا إلى الحياة السياسية، على الأقل في طرابلس، من المغتربات، ومن النجاح في عالم الأعمال. والأهم من ذلك أنهم من خارج الحياة السياسية المحلية. وساعدهم على القيام بنشاطهم، وإن بحذر في البداية، قدرتهم المادية من ناحية، وضعف هذه القدرة لدى سياسيي المدينة الذين أثر عليهم انهيار العملة الوطنية وتدني مستوى المعيشة الذي طالهم كما طال غيرهم من الأهالي، وإن كان بنسبة أقل. وزاد من تأثير ذلك غياب زعيمي المدينة عن طريق النفي والاغتيال. وسدّت هذا الفراغ مشاريع زعامات حاولت - ولا تزال تحاول - أن تثبت وجودها بالطريقة التقليدية السابقة، إلى جانب مشاريع زعامات مستحدثة أثبتت وجودها بما يتلاءم مع حاجات الناس الضرورية؛ الناس الذين خرجوا، أو كادوا، من حروب محلية طاحنة داخل المدينة، وبين المدينة وخارجها، أبقت الأكثرية الساحقة من الأهالي على خط الفقر أو ما دون. وفي كلتا الحالتين، التقليدية والمستحدثة، أثرت قوى الأمر الواقع في توجهات الناس وفي مصائر المرشحين عن طريق تشكيل اللوائح وانتقاء أصحاب الحظوة.

 جاءت المساعدات المادية والعينية من رجالات المدينة الجدد لتستبدل عناصر التبادل السابقة بين الحكام والمحكومين، إلى عناصر تبادل بين طموح سياسي يحاول أن يجد له مكاناً في سياسة المدينة، وبين طموح أهلي يحاول أن يصعد من تحت خط الفقر إلى سطحه. من هنا، يظهر أن التلاقي بين مصالح المحكومين في أن يعيشوا حياة كفاف وفي أن يبتعدوا عنه صعوداً، وبين طموح من يجد أن من حقه لعب دور سياسي في المدينة بعد شبه فراغ في لعب هذا الدور المحلي والوطني، وإن استعمل رصيده المالي مقابل رصيد الآخرين الشعبي والموروث؛ يظهر أن التلاقي هذا، غيّر مجاري اللعبة السياسية المحلية، كما غيّر مجاري اللعبة نفسها على صعيد أكثر الدوائر الانتخابية من الشمال إلى الجنوب. واستبدل التلاقي هذا، لعبة السلطة والنفوذ والخدمات التي غالباً ما كانت تقام على حساب الدولة، إلى لعبة المال والخدمات الانمائية التي تقام على حساب السياسيين الجدد بانتظار أن تقام على حساب الدولة في لحظات الانتقال من الطموح للوصول إلى السلطة، إلى ممارسة السلطة ذاتها.

 لا بد هنا من القول أن المحدد الرئيسي لهذه العلاقة التبادلية بين المصالح هو مظهر الفقر وضغطه على الأهل وقبوله، بطبيعة وجوده كفقر، بأي نوع من أنواع المساعدة.

 وهنا لابد من البحث في مفهوم الفقر وفي كيفية تمظهره في حياة الناس وفي نمط معاشهم. فالفقر، بمعناه العام، هو عدم القدرة على تحقيق الحد الأدنى من مستوى المعيشة[8] المعقول والمقبول في المجتمع في فترة زمنية محددة[9].

 وإذا أخذنا المناطق الشعبية في طرابلس فإننا نجد طرقاً عديدة في تدبير شؤون الناس اليومية. فمجال العمل في المدينة يمكن أن يكون مصدر عيش يومي للفقراء يصل إلى حد الكفاف والتكيف مع مكانتهم الهامشية في المجتمع. ويتمظهر ذلك في نمط حياة يتسم بمواصفات ثقافية محددة يتبعها الفقراء في أي مكان في العالم وخصوصاً في المدن. أسس للنظر في هذا النمط أوسكار لويس[10]. واعتبر لويس أن النمط هذا، ينبني على ثقافة معبرة عن قيم فرعية داخل المجتمع ظهر أن لها مشكلة نمو بسبب القيم التقليدية وأنماط السلوك التي تعرقل عمليات التقدم الاجتماعي.

 هذا النمط من الحياة يحفظ لثقافة الفقر أهميتها، إن كان بالنسبة لتدبر الدخل اليومي، أو في الطريقة التي تدار بواسطتها عناصر الاستهلاك اليومي بأدنى التكاليف الممكنة. هذا بالإضافة إلى تدبر شؤون الاستهلاك الأخرى، حسب تسلسل أولوياتها وصولاً إلى مناسبات محددة يمكن أن تندرج تحت عنوان "الفرصة الذهبية" التي تسمح للكثيرين من محدودي الدخل أن ينهضوا موقتاً إلى مستوى خط الفقر. وهي الفرصة التي تتيحها عادات وتقاليد شرعية إسلامية تفصح عنها فريضة الزكاة والفطرة بالشكل التي تتوارثه المدينة وتنقله عن عصور سبقت بإجراءات معروفة ومنتظرة يقوم بهام المتمولون من أهالي المدينة بتحديد ما عليهم تقديمه من أرباحهم ليوزع على الفقراء بالأسماء والعناوين التي يعرفها جيداً متخصصون بتوزيعها في أوقات محددة من السنة.

 هذه الطريقة لا تزال معتمدة في إعادة توزيع الثروة باسم الشرع الديني ومتبعة منذ القدم، وإن تمأسست بإنشاء بيت الزكاة. إلا أن التوزيع بقي في جزء كبير منه محافظاً على آليته السابقة، إن كان من جهة تعيين المستفيدين من قبل المكلفين دافعي الزكاة والفطرة، أو كان من جهة المستفيدين إذا أرادوا معرفة مصدر المال. وما زاد من أهمية المال الموزع، كمورد أساسي للفقراء، ما أضيف إليه من أموال توزع مباشرة باسم السياسيين (الحكام) أو الطامحين إلى دور سياسي في المدينة إلى المحكومين (الناخبين) طلباً لايفاء خدمة بخدمة، المال مقابل الصوت الانتخابي.

 ولكن الخطورة، والخطورة القصوى، أن يستسيغ الناس مظهر الفقر هذا، ويقبلون بالتلازم معه وبالتكيف مع شروطه، وبالاستسلام له بحجة أن المساعدات المادية والعينية تغني عن التفتيش عن الرزق الحلال وتجعل الفقراء في حالة انتظار دائم لما يأتي من الرزق ولا يهم المصدر، ما يسمح بانتشار مظاهر النفاق والباطنية والتعامل مع كل من السياسيين باذلي المال على أنه المختار مع من يريد في صندوق الاقتراع. وهنا ظهر الكثير من الشعارات التي تعبر عن احتجاج السياسيين الذين لم يسلكوا هذا المسلك في عملهم السياسي مثل: "الكرامة أغلى من المال"[11] أو "المال السياسي يعطل الحياة الديمقراطية". ووصل الأمر إلى التندر في الشارع الشعبي من خلال تداول أقوال من مثل: "إذا كان معك كلنا معك". "نحن مع فلان لأنه مناولنا ( منـّا ولنا)"، و"هلق وقت الفتّ (الدفع) مش اللت (كثرة الكلام). الخ...

 ما خلفته هذه الطرق في توزيع المال أثرت سلباً على الناس، لأنها ساهمت في ترسيخ ثقافة الفقر وعملت على استمرار هذه الثقافة مع احتمال انتقالها من الآباء إلى الأبناء بالإضافة إلى ما يمكن أن يرافقها من خضوع واستسلام للواقع، ومن ترسيخ للإيمان المطلق بالقدرية، وانقياد لأصحاب النعمة باسم الدين وما تؤمّنه من تبعية للمتمولين، باعتبارهم متمولين، باسم السياسة. وهذا كله يؤدي إلى ترسيخ ثقافة الفقر. وهي الثقافة الأخطر بكثير من الفقر ذاته، باعتبارها ثقافة للفقر من ناحية، ومنتجة لفقر الثقافة وعاملة على تعميم الجهل[12]، من ناحية ثانية؛ وبالتالي استمرارية الفقر وتسويغه ورده إلى مصادر غيبية إيمانية، تؤمّل الفقير بغنى أبدي لا يفنى في الحياة القادمة.

 هذه العلاقة المتبادلة بين السياسيين والناخبين، على المستوى الفردي أثبتت عدم جدواها حتى بالنسبة للسياسيين أنفسهم. ساهم في تغيير هذه النظرة انتشار مفاهيم التنمية الاجتماعية والتنمية البشرية المستدامة، والاقتناع بأهمية رفع مستوى التعليم وتعميمه في المناطق الأكثر فقراً في المدينة وخارجها بالاضافة إلى وعي دور المرأة والعمل على تمكينها وتدريبها لتعرف حقوقها ولتمارس دورها. واعتبر القيمون على شؤون السياسة في المدينة أن أفضل ما يمكن أن يمارسوه لرفع شأنها هو تدريب الناس وتأهيلهم ليحصّلوا رزقهم بأنفسهم، وإنشاء المؤسسات الداعمة لتوجه المدينة الاقتصادي ونموها وتنمية الانسان نفسه فيها من حيث قدرته على إعالة نفسه ومن هم في عهدته. فأنشأوا المؤسسات لتقوم بهذه المهام، وعملوا ولا يزالون يعملون على دعم المؤسسات الصحية والتربوية والاجتماعية والثقافية والدينية لتحل محل المتنفذين والمفاتيح الانتخابية، أو لتكون إلى جانبهم في أضعف الإيمان. وأثّروا على ممارسي السياسة التقليدية فحرفوهم عن مسارهم القديم ليقدموا خدماتهم عن طريق مؤسسات الخدمة والرعاية الاجتماعيين وإن بِشكل أكثر تواضعاً. فظهرت المؤسسات كصلة وصل بين الحاكم والمحكوم، وابتعدت قدر الامكان عن شخصانية العلاقة وفرديتها وإن بقيت تقوم بالدور نفسه الذي كان يقوم به المتنفذون وشيوخ الحارات والمفاتيح الانتخابية مهما كان لون اللباس الذي يلبسونه. إلا أن هذا الدور الجديد لم يقض على دور هؤلاء، بل زادت فاعليتهم بتوفر المال بين أيديهم، من ناحية؛ وباستغلال الوسائل الاعلامية الحديثة الداعمة لتوجه السياسيين، من ناحية ثانية. فالغاية الأخيرة للجميع تمتين العلاقة بين السياسي والناخب، وترسيخ نفوذ الحاكم بتقديم الخدمات للمحكوم ولكن بطريقة أسهل وأحدث، مع ترك هامش من الحرية في علاقة المحكوم بالحاكم.

 إقتنع السياسيون في المدينة، على اختلاف توجهاتهم، أن هذا المنحى هو الأبقى والأدوم من الملايين التي تعطى وتذهب هدراً. وكان هذا نتيجة إفادتهم من تجاربهم السابقة. فبدأت تحل الدراسات العلمية التي يمكن أن تقدر حاجات المجتمع والأهالي محل الإعانات العشوائية والارتجالية. وظهرت الخدمات على الصعيد العام والمبنية على نظرة مؤسسية حديثة على أنها الأفعل والأكثر ترسيخاً للموقع السياسي، والأكثر قدرة على نقل المجتمع من حالته الأهلية إلى حالته المدنية، والأكثر مساهمة في صناعة الحس المدني وشعور المواطنية اللذين يعملان مع عناصر أخرى متناغمة على نقل العلاقة بين الحاكم والمحكوم من تبادل المنافع والخدمات على المستوى الخاص إلى تبادلها على المستوى الوطني العام بقانون انتخاب لا بد أن يكون عصرياً مكملاً لعناصر المجتمع المدني والدولة الحديثة. 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


 


[1] . أنظر في خصوص المؤيدين أو المعارضين لهذا التوجه أو ذاك ذاكرين حسنات من يؤيدونه ومساوئ من يعارضونه دون

 أن  يأتي أحد على ذكر المصلحة التي تربط هذا الفريق مع من يؤيدونه والمصلحة في معارضة الآخر، والعكس صحيح؛

  في :

-  غوردن ميتشل، اتجاهات جديدة في في علم الاجتماع، بيت الحكمة، 2003، بغداد، ص: 635.

[2] . ظهر في لوائح الشطب العائدة لانتخابات المجلس البلدي في مدينة طرابلس سنة 1998 أن نسبة المقترعين حسب 

  انتماءاتهم الطائفية في المدينة هي: 80,1% من السنة، و6,4% من العلويين، و4,6% من الأرثوذكس، و3,1% من

  الموارنة والباقي من الطوائف الأخرى المسيحية والاسلامية وغير المحددة، ما يعني أن 16,1 من الطوائف غير السنية

  الممثلة في المجلس النيابي تحظى ب 37,5% من نواب المدينة. أنظر في هذا الخصوص:

-  عبد الغني عماد، الانتخابات البلدية في طرابلس، جروس برس، 2000، طرابلس، ص: 50.

 

[3] . محمد نور الدين ميقاتي، طرابلس في النصف الأول من القرن العشرين، دار الانشاء، 1978، طرابلس، ص: 140.

[4] . أنظر في هذا الخصوص:

-  سالم كبارة، طرابلس في ذاكرة الوطن، دار النهار للنشر، 2005، بيروت، ص: 140.

[5] . كتبت هذه العبارة على قاعدة تمثال عبد الحميد كرامي في الساحة التي تحمل اسمه، وهي الساحة التي تحولت فيما بعد 

  بحكم الأمر الواقع إلى ساحة النور . وهي تحمل حالياً الاسمين. للتفصيل، أنظر:

-  مها كيال، عاطف عطيه، تحولات الزمن الأخير، مختارات 2001، بيروت، ص:37.

[6] . حصل النائب عبد المجيد الرافعي، الطبيب المعروف بخدماته في طرابلس على 543 صوتاً زيادة على ما أخذه رشيد

  كرامي، زعيم المدينة، في دورة انتخابات 1972. وهي آخر انتخابات حصلت قبل حرب 1975.

  أنظر في هذا الخصوص:

-  الأمن العام اللبناني، الانتخابات النيابية بالأرقام والنسب المئوية 1972، منشورات الأمن العام اللبناني، 1974،

بيروت، ص: 391. وعندما استأنفت الانتخابات مسيرتها بعد اتفاق الطائف سنة 1992 كان كل شيء قد تغير.

[7] . للتفصيل حول هذه المسألة، أنظر:

-  سالم كبارة، طرابلس في ذاكرة الوطن، مذكور سابقاً، ص: 146-147.

-  مها كيال، عاطف عطيه، طرابلس من الداخل، مختارات، 2006، بيروت، ص:38-50.

[8] . تقرير البنك الدولي عن التنمية في العالم، مؤسسة الأهرام، 1990، القاهرة، ص: 41.

[9] . عبد الرزاق الفارس، الفقر وتوزيع الدخل في العالم العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، 2001، بيروت، ص: 21.

[10] . أوسكار لويس( مقتطفات)، في:

-  تيمونز روبرت وإيمي هايت (محرران)، من الحداثة إلى العولمة، الجزء الأول، عالم المعرفة، العدد 309، الكويت، ص: 169-170.

[11] . عبارة كتبها مناصرو عمر كرامي، خليفة شقيقه رشيد زعيم طرابلس، أسفل صورة ضخمة له في وسط المدينة،

  والعبارات التي تلي متداولة بكثرة فيها، وكتب بعضها على يافطات كبيرة في الساحات العامة أو واجهات المحلات.

[12] . روبرت وهايت، من الحداثة إلى العولمة، مذكور سابقاً، ص: 177- 178.