العدد السابع والاربعون - شباط

مؤلف "الشيعة السعوديون" ابراهيم الهطلاني لـ "تحوّلات":

التسلط الديني والسياسي يمنع التقارب بين السنّة والشيعة في السعودية
السبت 20 شباط (فبراير) 2010.
 

مجازفة قام بها الكاتب والصحفي السعودي إبراهيم الهطلاني حينما قرر الكتابة عن "الشيعة السعوديون". هو موضوع ملتبس، يسوده الغموض، وتحكمه خلافات بين السنة والشيعة عموماً تعود إلى عصر الخلفاء الراشدين. لكن الهطلاني حاول من خلال كتابه تقديم رصد موثق بالأسماء والتواريخ والوصف الدقيق للتاريخ الشيعي في المملكة العربية السعودية بعيداً عن أية مقاربة سياسية.

"تحوّلات" التقت إبراهيم الهطلاني وكان معه هذا الحوار حول كتابه "الشيعة السعوديون: قراءة تاريخية وسياسية" الصادر عن دار رياض الريس.

  قدمت في الكتاب عدداً من التنميطات السائدة بين السنّة والشيعة في السعودية. هل المشكلة هي خلاف مذهبي بين السنّة والشيعة أم مشكلة مجتمع "مغلق"؟

 المشكلة في كليهما معاً. وبرغم أن التباينات الفكرية والاختلافات المذهبية التاريخية تمثل أصل المشكلة، وهي تعيق أي تقارب بين الغالبية السنية والأقلية الشيعية، إلا أن التنوع المذهبي في حد ذاته لم يكن مانعاً لأي تقارب سواء كان الاختلاف بين المذهبين السني والشيعي أو بين المدارس المتعدّدة داخل المذهب الواحد، لولا حالة التسلط والانغلاق السياسي والديني المتبعة في المنطقة! وسواء أكان الدافع لوجود تلك الحالة بحسن أو سوء نية، فإن النتائج التي أفرزها ذلك التوجّه أصبحت واقعاً ثقافياً وسياسياً كبّل حركة المجتمع ومنع تواصله الداخلي وانفتاحه الخارجي.

  تقول في كتابك إن إخضاع الدولة السعودية لمناطق الشيعة لم يختلف عن إخضاع المناطق الأخرى أثناء تأسيس دولة آل سعود. هل يعني هذا أن الشيعة لم يُستهدَفوا بسبب مذهبهم بل لأنهم رفضوا الخضوع للسلطة؟

رغم إقراري باستخدام العامل الطائفي لتأجيج بل لتأسيس المشكلات البينية في تاريخ الجزيرة العربية، إلا أن قصدي من ذلك التوصيف هو أن مناطق الشيعة سواء أكانت في شرق الجزيرة العربية أم في غربها، لم تكن تُستهدف لان أصحابها ينتمون للمذهب الشيعي، بل لأن منطق القوة كان هو القانون السائد في الصحراء العربية قبل انتشار مفهوم القانون والدولة ومصطلح الكيانات السياسية.

  تعتبر الثورة الخمينية التي تسلمت السلطة في إيران الحدث الأبرز في التاريخ الشيعي المعاصر. إلى أي حد أعطت هذه الثورة زخماً ودفعاً للشيعة في السعودية؟

الرتابة والتعوّد وفقدان الأمل لدى كل الأقليات، خاصة الشيعة السعوديين وغياب الاستراتيجية والجدية في طبيعة التعامل مع مطالب وحاجات المحرومين سواء أكانوا شيعة أم سنة من قبل السلطة المحلية في المنطقة الشرقية بقيادة بن جلوي أو السلطة المركزية في الرياض، كانت السمة الغالبة والسياسة المتبعة في العلاقة بين الحاكم والمحكوم آنذاك. وبرغم المحاولات التي بذلها بعض المتأثرين بالتجربة الناصرية، لم يكن لها تأثير وإيحاء جمعي للتجربة الخمينية التي برزت وسادت نتيجة ثورة شعبية قامت على فكرة انقلاب الشعب على فساد القصر وليس انقلاب مجموعة من الضباط على سلطة القصر. وأعتقد أن التأثير الحقيقي للثورة الخمينية في المشهد الشيعي وعلاقته بالسلطة بدآ من عقلية الفرد بتنشيط فكرة الممكن والصوت الجمعي في التعامل مع التسلّط والإجحاف. ولا أشك في أن نجاح الثورة الخمينية ووصولها للسلطة في إيران جعل الشيعة السعوديين يجدون فيها ملجأ استخدموه، فيما هي استخدمتهم ضد حكوماتهم.

  تقول إن هناك تفاوتاً في المشهد الشيعي السعودي على صعيد الولاء الداخلي والخارجي. ماذا تعني بذلك؟

كما أن المشهد السني السياسي والديني متعدّد التوجهات والرؤى، فمنهم السلفيون التقليديون والسلفيون الحركيون والجهاديون والقوميون والليبراليون، كذلك المشهد الشيعي. وتبعاً لهذا التنوع الفكري يكون الولاء الشخصي. فمثلاً ابن القطيف الليبرالي لا يهتمّ كثيراً بتوجيهات خامنئي، ومن هم على خط الإمام المؤمنون بولاية الفقيه يعتقدون أن طاعة الولي الفقيه واجبة بل ومقدّمة على طاعة الحاكم الوطني العربي.

  هل هناك هوة بين الشيعة كمذهب ديني، والتشيع كممارسة وطقوس دينية واجتماعية وسياسية؟

تاريخياً، كان التشيّع السياسي سابقاً للتشيّع الديني. فالتشيّع السياسي انطلق في أصله خلال القرن الأول الهجري من موقف سياسي يعبر عن مناصرة الحق السياسي المفترض لعلي بن أبي طالب في الخلافة. ويمكننا القول بأن التشيّع بواقعه الحالي عبارة عن عملية تحوّل أو تطور من تموضع سياسي إلى مذهب ديني وعقائدي عبر مراحل دموية بدأت في القرن الثاني الهجري. وفي هذا الإطار طرحت قضية التفريق بين التشيع العلوي "العربي" وهو الأصل، والتشيع الصفوي "الفارسي" الطارئ الذي أضاف الى المذهب ممارسات وأفكاراً جديدة مثل بعض المسيرات الإيرانية في موسم الحج تحت شعار البراءة من المشركين.

  ما هي انعكاسات خيار المصالحة الوطنية بين السلطة السياسية والشيعة في السعودية؟ وهل كانت خطوة أولية لدمجهم سياسياً في المجتمع السعودي؟

المصالحة التي تمّت بين الحكومة السعودية والمعارضة الشيعية في بداية التسعينيات من القرن الماضي كانت لها انعكاسات عدة: فعلى المستوى الخارجي نجحت الحكومة السعودية من خلال المصالحة في سحب ورقة ضغط كانت تستخدمها أنظمة إقليمية.

 أما على المستوى الداخلي فقد ساعد قرار المصالحة على البدء في تنمية وتطوير المناطق التي كانت تعاني من التهميش خاصة في القطيف، كما ساعدت المصالحة وعودة قيادات المعارضة الشيعية على فتح آفاق للتواصل الثقافي والشخصي المتبادل بين الفعاليات الشيعية في الشرق والغرب من جهة، وبين باقي التجمّعات السعودية. وكان التحرك الأبرز عندما قام وفد قطيفي شيعي بزيارة لمنطقة القصيم وهي معقل التيار السلفي السعودي، وتمّ استقبالهم بحفاوة برغم الاختلافات الفكرية الحادة بينهما.

 

أسماء وهبة