المقامة السمَّانية نجم الدين.. دِكَّنْجِي!.

*نجم الدين سمَّان-العدد السابع-كانون الثاني 2006
السبت 18 آذار (مارس) 2006.
 

زميلنا علي الراعي ـ في العدد السابق من تحوّلات ـ قطَّع قلبي وهو

يرصد في مقالته.. تحوّلات أدباء وفنانين تشكيليين إلى بلاطين ودهَّانين

ومُعقِّبي معاملات وصوَّاجين.. الخ.

ولأن الحياة سلسلة من التحولات الصغيرة، تتحول بالتراكم إلى انحناءات

وانعطافات وتكويعٍ ذات يمين وذات يسار، لم استغرب أن نُكوِّع من

اقتصاد الدولة الإشْ تِرَاكِيَّة إلى اقتصاد السوق الإجْ تِمَاعيْ!.

اطمئنّْ يا علي.. فبعد دخولنا جنَّة (اقتصاد السُوءْ) ـ بتخفيف

قافك: همزة ممطوطة ـ لن يبقى كاتب أو فنان أو صحفي في مهنته، وحتى

لا أُبالغ ـ والمبالغة الفنية ليست جُنْحةً ـ سأقول إن ثلاثة أرباع

هؤلاء، من الزملاء.. سيُغيِّرون مهنتهم، أو.. يجمعون معها مهناً

غيرها: مثنى وثلاث ورُباع.. وما ملكتْ أَيَْمَانُهم، مادامت يُسْرَاهم

خاوية.. قَفْراء.

استثني هنا.. فناني الدراما الرمضانية، مادام مدفع رمضان قد

صارت المحطات التلفزيونية تطلقه.. من الفضاء!.

أستثني أيضاً ـ وتيمُّناً بمانحي الاستثناءات الحكومية ـ شلافين الغناء

ومطربات السيليكون، فَهُمْ أول إبداعاتنا العربية في عصر العولمة.

أنصح ـ والنصيحة بجَمَل.. مُنْقَرض ـ أن يهيئ زملاؤنا الذين على

شاكلتنا: عُدَّة الشغل.. عربات عرانيس الذُرَة، بَسْطات الكَلْسات

والكَلْسونات، طاولات أوراق اليانصيب.. أخمص طيّ، العربات ـ بالجَرِّ

اليدوي الحرّ ـ تبيع كل شيء وأيّ شيء: بخمس ليرات، تعا.. فَرِّحْ

أولادك.. إلخْ، إلخْ، إلخْ.

وإلخْ.. الأولى:

ـ نَغْنِشْ خطيبتك .. بخمس ليرات.

إلخْ.. الثانية:

ـ لا تنام مع مَرْتك، ظَهْر.. بضَهْر!.

وسأتجاوز الثالثة احتراماً لمشاعر المدموزيل: رقابة!.

قبل فترة من مقالة زميلنا علي.. هذه؛ ضبطتُ زميلاً لنا في الجريدة،

يُجَرِّب صوته بمثل هذه النداءات، مُحتجباً خلف باب موصد بالتِرْباس،

وقد طال استرخاؤه في الـ: بُوشْ دبل يوسي، ولن أبوح باسمه، إلا..

إذا طلبه الياس رحباني لبرنامج السوبرستار!.

لماذا لا يفتح تلفزيوننا الشاشة التي تجمعنا.. وتطرحنا مثل هذه

البرامج.. نتدرَّب فيها على ما سنقترفه في أيامنا الآتية، أو نذهب

جميعنا.. لنُطلِقَ العِنَان لمواهبنا في سوق الحراميَّة!.

ظلَّ زميلنا علي.. يُقطِّع قلبي، حتى زَحَطَ في سَهْوةٍ اقتصادية كبرى وهو

يُعِّدد المهن التي اقترفها زملاؤنا ـ هُمُو السابقون ونحنو اللاحقون ـ

فشرح مفردة الدكنجي بمفردة سمَّان.

لماذا يريد هذا الراعي.. أن يتحَرْكَش بي؟!

وقد ذكَّرني هذا.. ببائع الليمونادة أبو سلطان المرابط دوماً

قبالة طَلْعة بازار إدلب، حين مرَّ به أحد جُبَاة المالية، فشفط ما

تيسَّر من كاسات الليمونادة السلطانية المنعشة مجاناً، ثم نَتَرَ من

حقيبته المصنوعة من جلد الجاموس: ورقة تبليغ مالي!.

وحين نترها أبو سلطان وقرأ نوع الضريبة التي ابتلته بها البلدية،

صاح رافعاً الكَفْكِير النحاسي الذي يَغْرِف به ليموناداته مالئاً بها

كؤوسنا:

ـ ضريبة عرصات يا أخو الـ..!.

لم يسمع أبو سلطان بأبي الأسود الدؤليّ الذي وضع الحركات الثلاث،

فقرأ: ضريبة العَرَصَات.. على طريقته!.

بعد شجِّه بالكَفْكِير لرأس الجابي، غرمته بلدية إدلب بـ: شرفيَّة،

تعويضاً عن الدَنْكُورة التي لم تغادر قرعة الجابي، حتى نسي الناس

اسمه الثلاثي، وصاروا كلما رأوه صاحوا: ـ إجاك أبو دَنكُورة.. يا

تارِكْ ضرائب المالية!.

فيا أخي علي، يا راعي الحصان.. أفيدك ـ لوجه الله ـ وبحسب الدؤلي

والأصمعي ونِفْطَوَيْه، بأن العثمليَّة منذ أورطغرل يُضيفون: (جي) إلى

كل اسم أو صفة، وهكذا فإن كل صاحب دكان هو: دكان جي، وتم تخفيف

الألف وحذفها، وصار جدُّك وجدي يلفظها: دكنجي.

وليس كلُّ دِكَّنْجي: سمّاناً، لا يختلف في ذلك الرواة والرعاة.

وإليك قائمةً عثمانيةً من فئة الـ جِيْ:

قَهْوَجي: صانع القهوة، تِفْنَكْجي: حامل التفِنْكِهْ ـ البندقية،

ومعاونه: أَشْكَنْجِي، مَطَرْجي: حامل مَطَرَة الماء، شِرْبَتْجي: صانع شَرْبات

الماء الفخارية، ألتنجي: حيث ألتون تعني الذهب؛ فهو: صائغ

الذهب، تَنَكْجي: وهذه مُستحدثة وتشمل كل من صنعته: التنك؛ تنكات

زين وأباريقَ وقُمُوع ومَزْيَتَه، ثم أخذ يَلْحَم بوابير الكاز.. أُم طعجة.

حمَّامجي: صاحب الحَمَّام، أما المشرف على حمَّام جناب الولاة فهو:

حراماجي، ويهتمّ الشماشرجي بالثياب الداخلية للوالي؛ ويكون من

الموثوقين خشية أن يُذيع عَوْرات جنابه على الناس!.

ولن استمرَّ في هذه الـ جِيْ.. جِيَّاتْ، لأني سأحتاج عندها إلى كامل

صفحات تحولات!.

لكني يا زميلي علي الراعي.. سأُعيدك إلى وزن فَعَّال العربي

الفصيح، يترنمّ به كلُّ ديك ويصيح، وهو وزن صَرْفي من بين دلالاته:

الصَنْعة، فكلُّ من يطحن الحبوب هو: طحَّان، ومن يبيع السَمْن فهو:

سمَّان.. قبل أن يختلط السَمْن في الدكاكين بالعلكة والشيبس، فصار كلَّ

دُكَّنجي سمَّاناً.. والعياذ بالله!.

هل تُريدني يا علي أن أُوقع مقالاتي بـ نجم الدين دكنجي؟!

ألا يكفينا أن صحافتنا دكاكين، ومديري مؤسساتنا الثقافية:

دِكَّنْجِيَّة؟!.

ألم تحضر مؤخراً.. دُكَنْجَهَان دمشق السينمائي ما قبل الدولي؟!

وأظنك سمعت مثلي أن حكومتنا وعدت ـ عَ الوَعْد.. يا كمُّون ـ بتوحيد

دكاكين دوائرها ومؤسساتها في دكان واحد اسمه: النافذة الواحدة!.

هل رأيت في شرقنا كلِّه.. نافذة بَدرْفَة واحدة؟!.

ثم إننا قوم ندخل من النوافذ ونخرج.. حين يسدُّون في وجهنا الأبواب!.

أعذرني يا زميلي علي الراعي، فقد دعتني صحيفة تحولات للكتابة

فيها، ولم أجد ذريعة سوى.. سهوتك الصحفية تلك.

أنت مُلْهمي هاهنا.. لهذا أهديك هذه المقالة!، ومعها نصيحة

أوكازيون:

ـ لا تشتر من أيِّ دكنجي.. على الحساب.

سيشفط في أول الشهر نصف راتبك، انتقاماً من كلّ أستاذ مثلك، لأنه

كان يرسب دوماً في مادة الحساب!.

واطمئن.. سَمْنَاتُكَ هذه السنة، علينا!!.

ها قد التقينا ثانية، ولكن على صفحات جريدة.. استراتيجية.