العدد السابع والاربعون - شباط

صقور كوبنهاغن "يتمنون" ألا يرتفع الاحترار أكثر من درجتين

حبيب معلوف لـ "تحولات": "اللوبيات" تقرر كوارث الأرض وتطبخ إعلاناً سياسياً
السبت 20 شباط (فبراير) 2010.
 

كوبنهاغن شدّت انظار مئات الملايين من البشر، الا ان عجز زعماء العالم عن ترجمة الفصاحة الخطابية حول الانحباس الحراري العالمي إلى عمل حقيقي، أفشل القمة التي نظمتها الأمم المتحدة في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن بعد 11 يوما من المحادثات بهدف الاتفاق على تقليص مستوى الانبعاثات الكربونية في الأجواء العالمية، حيث لم يتوافق قادة العالم على نسبة التقليص المطلوبة وتمويل مشروعات الطاقة النظيفة في الدول النامية.

وفي محيط مقر القمة تجمع آلاف النشطاء من مختلف انحاء العالم، يعقدون قمتهم، ليطلقوا حملات متنوعة تتعلق بمشكلات البيئة مثل التصحر وضروة توفير بيئة نظيفة وتخفيض انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون، كما تسلّم المؤتمر عريضة موقعة من عشرة آلاف شخص من سائر انحاء العالم ، موجهة من حملة التعبئة حول المناخ "تك تك تك" التي تضم مئتي منظمة تطالب باتفاق طموح يجنب الكرة الارضية العواقب الكارثية للاحتباس الحراري.

ربما نحتاج الى بحث مضنٍ لإيجاد تسمية لطيفة للفشل الذي شهدته القمة والذي كان متوقعاً، ولكن ما لم يكن في الحسبان "فشل هزيل".

"تحولات" التقت رئيس حزب البيئة في لبنان الاستاذ "حبيب معلوف" وأجرت حواراً تناول القمة وما يتعلق بها، هنا نصه:

 

 

كثر الحديث عن أسباب فشل قمّة كوبنهاغن. برأيك ما سبب هذا الفشل الذريع للقمة؟

 

 

فشل القمة كان متوقعاً بشكل كبير، المتعمقون في خلفيات مواقف ممثلي الدول، كانوا قد توقعوا استحالة ان تخرج القمة بقرارات مكلفة على اقتصاد اي من الدول الكبرى، سواء تلك "المتقدمة" ام التي تسمّى "نامية". لا بل لم يستبعد البعض اتخاذ مسألة تغير المناخ حتى، حجة للانقضاض على الخصوم في الاقتصاد والتجارة والمنافسين في الاسواق. وهذا ما يفسر اصرار الولايات المتحدة على إشراك الصين في الالتزام بالحدّ من الانبعاثات، وذلك لعدم منحها فرصاً إضافية للمنافسة في التصنيع والتجارة.

هذه "اللوبيات" وغيرها من مجموعات المصالح الكبرى المتعددة التي تطال القطاعات الأساسية في العالم، هي التي تُملي مواقف الدول وممثليها، وهي التي تقرّر في النهاية مصير الكوكب. ومن يراجع برامج الدول الإنمائية والاقتصادية والطاقوية المرتبطة بتلك المصالح، مع الاشارة الى ان هذه البرامج المناقضة لما تتطلبه قضية تغير المناخ، هي برامج بعيدة المدى، ويستحيل التراجع عنها في ظل نظام اقتصادي عالمي قائم على المنافسة ولا تحكمه سوى قواعد السوق.

 

الأمم المتحدة... دور هامشي

 

 

اين دور الأمم المتحدة في هذا المؤتمر؟

دور الأمم المتحدة مهمّش بشكل واسع، رغم تمديد اعمال المؤتمر يوماً إضافياً من اجل ايجاد المخارج لم ينفع لإيجادها، مما عرّض المدير التنفيذي للاتفاقية الاطارية لتغير المناخ في الامم المتحدة ايفو ديبوار لأسئلة مُحرجة من الصحافة والتي سألته عما اذا كان يريد الاستقالة بعد هذا فشل دور الامم المتحدة، وبعد الانتقادات التي وجهها بعض ممثلي "الدول الصغرى" للقرارات التي أُسقطت في اللحظة الاخيرة والتي ضربت بعرض الحائط جهود سنتين من التحضير لاتفاقية عادلة وملزمة للجميع ضمن اطار "اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لتغير المناخ" التي وضعت العام 1992. بدا ديبوار مربكاً ومحرجاً جداً في آخر مؤتمر صحافي (بعد ظهر السبت الماضي في 9/12/2009)، في الساعات الاخيرة من اليوم الممدد، بعد تأجيل اكثر من مرة مؤتمر ليل الجمعة لإيجاد الصيغ والمخارج.

 

 

ماذا استطاعت المنظمات غير الحكومية أن تحقق في القمة لا سيما أنها كانت موجودة في مبنى المفاوضات؟

موقف هذه المنظمات أيضاً شديد الحرج، لكونها مفاوِضة وتسووية وغير راديكالية، ولكونها "شريكاً"... فقد تشعر بأنه قد تم استغلالها للتغطية، ولإظهار بعض الديموقراطية الشكلية على آلية المفاوضات... وعلى الأرجح انها في المرحلة المقبلة قد تفضّل اعادة بناء نفسها وتوحيد جهودها مع من كان خارجاً ويدعو الى تغييرات اكثر جذرية في البنى الاقتصادية والسياسية المسيطرة.

 

كيف تقيّم البيان الختامي للقمة والذي وصفه الرئيس اوباما لدى مغادرته العاصمة الدانماركية بأنه "تقدم ذو مغزى وغير مسبوق"؟

 

من المهم معرفة ان 25 دولة فقط، بزعامة الولايات المتحدة الاميركية (بالتفاهم مع الصين أولاً)، "طبخت" البيان الختامي، الذي هو كناية عن "إعلان سياسي"، غير ملزم لأحد، حتى للمتفقين عليه، ولا سيما اثر اجتماع ضم الرئيس اوباما ورئيس الوزراء الصيني وين جياباو، ورئيس الوزراء الهندي مانموهان سينغ، ورئيس جنوب افريقيا جاكوب زوما، بعد أن كان الرئيس الأميركي قد نسق الموقف مع القادة الأوروبيين.

لا يتضمن "الإعلان السياسي" في جوهره سوى تخصيص 30 مليار دولار للاعوام الثلاثة المقبلة للدول الفقيرة لمواجهة مخاطر تغيرات المناخ، على ان ترتفع الى 100 مليار دولار بحلول العام 2020. وذلك ضمن ما سُمّي في الإعلان "صندوق كوبنهاغن الأخضر للمناخ". كما صدرت "تمنيات" بان لا ترتفع درجات الحرارة أكثر من درجتين. وترك للبلدان ان تحدد هي نفسها قدرتها على التخفيض (لآخر كانون الثاني 2010)، من دون تحديد كيفية مراقبة مدى الالتزام بالتخفيض!

كما لم يتم وضع أية اهداف ملزمة لتخفيض الانبعاثات ولا تحديد المستوى والتواريخ ولا قياساً إلى أية معايير، ولم يُعرف ما دور بروتوكول كيوتو وآلياته بعد هذا البيان، حيث لم يتم الالتزام بأي من محاور المفاوضات خلال الأعوام الماضية التي تطلبت مئات الاجتماعات (مع الاشارة الى ان التقنيين انفسهم لم يتفقوا على النقاط الاساسية وتركوا الموضوع للسياسيين). وتكون النتيجة (كما توقعنا) انتصار آراء الاطراف الرئيسية، اصحاب المصالح الاقتصادية والتجارية الكبرى في العالم، وخسارة اي امل بالبدء بالمعالجة الحقيقية لأزمة تغير المناخ. فالولايات المتحدة قد كسبت الوقت في هذه الجولة وأجلت تطبيق بروتوكول كيوتو (الذي رفض التصديق عليه مجلس الشيوخ بالإجماع) لحين الانتهاء من مفاعيله العام 2012، وتكون الدول النامية الكبرى قد كسبت من خلال عدم ابرام اتفاق جديد يلزمها بتخفيض انبعاثاتها بحدود معينة ويضع عليها رقابة معينة كما كانت تطالب الولايات المتحدة لاميركية. وقد رفضت الورقة - الإعلان بشكل مطلق كل من نيكاراغوا وفنزويلا وكولومبيا وكوبا والسودان.

 

أتتوقعون نتائج أفضل في قمم المستقبل؟

كلا، فإذا لم تحصل كوارث كبرى تغير الاتجاهات العالمية الكبرى، فإن مصير قمة المكسيك بعد سنة لن يكون افضل من مصير قمة كوبنهاغن.

 

كيف ستتلافى الجمعيات البيئية فشل قمم المستقبل؟

على الارجح انها في المرحلة القادمة قد تفضل اعادة بناء نفسها وتوحيد جهودها مع من كان خارجا ويدعو الى تغييرات اكثر جذرية في البنى الاقتصادية والاسياسية المسيطرة.