العدد السابع والاربعون - شباط

زاهي وهبي في "راقصيني قليلاً"... احتفاء آخر بالحب

السبت 20 شباط (فبراير) 2010.
 

زاهي وهبي شاعر استثنائي في قصيدته التي تمتلئ بالصور الشعرية النابضة بالحياة. يمتاز بجملة شعرية موسيقية تتنوع بين الهدوء والصخب. ينقلنا من مشهد إلى آخر بخفة ليرسم لوحات شعرية مليئة بالجمال والحيوية. يتمتع بقدرة فائقة على التمرّد على كل ما لا يشبهه. وقادر على مواكبة تحوّلاته الحياتية الخاصة والعامة، الذي كان واضحاً في ديوانه الأخير "راقصيني قليلاً" الصادر عن الدار العربية للعلوم ومنشورات الاختلاف.

إنه ديوان احتفاء بالزوجة وبالأبناء وإخلاص للأصدقاء. حاول زاهي فيه تكريس صورة مغايرة للحب بعيداً عن إطاره الاستهلاكي السهل، مستعملاً لغة شفافة مليئة بالأحاسيس العالية. فنراه مثلاً في قصيدته "مياه طرية" يدوّن لحظات انتظار ولادة ابنته "كنز"، متأملا آلام زوجته أثناء الولادة حتى جاءت لحظة "التقاء الوالدة بالمولودة". وهنا يصف ابنته القادمة من "رحيق العنب" و"زنبقة القلب" و"عطر السحاب"، مصغياً لأنفاسها الصغيرة، فيصلي لله سبحانه وتعالى سراً ليحفظها ويرعاها.

وفي قصيدة "أحبك أكثر" قدّم زاهي صورة مغايرة عما هو سائد في قصائد الحب، حيث يستبق سنوات عمره متخيلا زوجته بعد أن يداهمها العمر، فيتغزل في تجاعيد عينيها، وشعرها الأبيض، ونظارتها السميكة، وحتى حماقتها "المستجدّة بعد الأربعين". ويتابع قائلاً في القصيدة: "كل يشيخ إلا الماء/ وأنتِ كما أنتِ/ جميلة في الستين، في السبعين، في عمر يطول/ وروح لا تعرف الذبول/ جسمك قليل عليكِ/ أنوثتك/ ليست شكلاً/ ولا فستان سهرة/ أنوثتك/ قلب يفيض/ وضحكة تجري من تحتها الأنهار".

ومن هنا يبرز في "راقصيني قليلا" أسلوب السهل الممتنع الذي يتمتع به زاهي وهبي، الموحي بالبساطة والليونة. ولعل من المفارقة أنه لم يحصر نظرته الشعرية للمرأة في جسد طريّ يفوح بالرغبة بل تخطى ذلك ليقول إنها جسد يحمل قلباً نابضاً وروحاً عابقة! ولم يتردد في الحديث بلسان الأنثى في قصيدة "سرة من عدن" قافزاص على معضلة الذكورة العربية، متعاطفاً مع المرأة التي ترفض الخضوع لاستبداد الذكر.

واستطاع زاهي في ديوانه هذا المواءمة بين الفردي والجمعي، حيث لم تغب القضايا الكبرى في قصائد الحب طارحاً إشكاليات الحياة والموت والظلم والحرية.

وعلى المقلب الآخر نراه يواسي صديقه الشاعر بول شاوول بعد إجرائه عملية جراحية في القلب في قصيدة "سجائر بول شاوول". ويرثي الشاعر محمود درويش في قصيدة "أقلام محمود درويش" بنفحات من الحب الممزوج بالأسى على الفقدان.

فديوان "راقصيني قليلا" يتسم بالهدوء، وينادي بالسلام، ويحتفي بالحب مقدساً الزوجة والأبناء بعد أن كتبت قصائده بلغة ملؤها الأمل بتغيير واقع يسوده القمع، ليحملنا إلى فضاء تحلو فيه الحياة.