العدد السابع والاربعون - شباط

موسى مخول في "الحضارة السريانية حضارة عالمية" يسأل

أين هم مسيحيون اليوم من الريادة السريانية ؟
السبت 20 شباط (فبراير) 2010.
 

بدعوة من مكتب الدراسات العلمية أقيمت في قاعة منصور عازار - بيت الشعار ندوة حول كتاب الباحث موسى مخول عن "الحضارة السريانية حضارة عالمية".

أفتتحت الندوة بكلمة لرئيس مكتب الدراسات العلمية منصور عازار أكد خلالها على اهمية الحضارية السريانية، وجاء فيها:

 بندوتنا هذه نفتتح الموسم الثقافي للعام العاشر بعد الألفين لمناقشة كتاب الباحث والمؤرخ الاستاذ موسى مخول بعنوان "الحضارة السريانية، حضارة عالمية".

فالحضارة السريانية هذه هي حضارتنا، حضارة الهلال الخصيب، هي حضارة سومر، وأكاد وبابل، وآشور وكنعان، هي الحضارة الانطاكية المشرقية بكل تفاعلاتها المسيحية والأممية.

هي الفلسفة الزينونية الرواقية ومسيحية مار بولس رسول الأمم وشاعرية أفرام السرياني وتنسك وطهارة القديس مارون وصوفية وتقشف سمعان العمودي ولاهوتية يوحنا الدمشقي وكل الرهبان والنسّاك.

هذه الحضارة التي وضعت العرب من مسيحيين ومسلمين، كما وضعت الشعوب التي سبقتهم على اتصال بأبعاد شفافية وجمالية جديدة في الحياة، وكانت العامل المؤشّر الأول في انشاء المدارس ومراكز التعليم العالي، حيث برزت مختلف الاتجاهات وتنافست العقائد التي تعرّف السكان اليها بصرف النظر عن انتماءاتهم العرقية والقومية والدينية. وموسى مخول بكتابه الضخم هذا يحاول ان يعيدنا الى جذورنا، الى تاريخنا، الى ينابيعنا الصافية الاصيلة بعد ان غزتنا حضارة المادة العصرية بكل تراكماتها، وقبلها الانحطاط بكل تشوّهاته وتخلّفاته ونال شرف المحاولة. ولمّا يزل البعض يعمل على طمس هذا القبس الحضاري وإطفاء هذه الشعلة، وحجب هذا الشعاع المشرقي العظيم. فقراءة كتاب "الحضارة السريانية حضارة عالمية" تعيدنا الى ذاتنا، الى اعماقنا، ونمسح الغبار عن تلك المرآة، ونعيد صقلها، فتُرينا جميع الأمم التي نظرت اليها بإكبار ورأت صورتها فيها.

 

راجح

وبعد تقديم من الأستاذ سركيس أبو زيد ألقى رئيس الجامعة الأنطونية الأب د. انطوان راجح كلمة جاء فيها:

يستأهل الكتاب ان نهنئ كاتبه مراراً وتكراراً وأن نتوقف مراراً وتكراراً عند قيمته المتعددة الأوجه...

فالحضارة السريانية المشرقية أسهمت الى حد كبير في تقدم شعوب المنطقة، وكان لها الأثر الإيجابي في جميع ضروب النشاط الإنساني: من المعتقدات الدينية واللاهوتية والطب والفلسفة والموسيقى، وصولاً الى الهندسة، والفلك والصناعة والتجارة والزراعة...

من بين الموضوعات التي عالجها الكتاب وأحسن الكاتب إيجازها من دون تشويهها موضوع روحانية السريان. فالروحانية السريانية، بحسب خلاصة الكاتب، ثالوثية بصورة أساسية، وطابعها أسراري وفيها ايضاً مناجاة لحنان الأمومة في الآب. والأبرز قوله إن الحياة الرهبانية كانت في فجر المسيحية الأولى قوّة وراء الكنيسة، ثم صارت قوّة داخل الكنيسة، بل تسلّمت زمام القيادة فيها، وهو قول موجز. ولكنّه عميق كثيف الدلالة، قابل لأن تُنسج عليه مئات الصفحات كما هي حال وصفة الرهبنة بـ"فلسفة الدين المسيحي" وقوله إن الترهّب في الكنيسة السريانية رسالة رعوية: فالرهبان يلتقون الناس ويحملون اليهم كلمة الله، ينشئون المدارس الكثيرة داخل الأديار وخارجها وعلى امتداد بلاد ما بين النهرين وانطاكية، وأشهرها مدرسة الرها التي تضم أنفس الآثار الخطية السريانية القديمة.

يهمّني أن أضيف في هذا المجال ان الحياة الرهبانية رافقت تأسيس الكنيسة السريانية الانطاكية وتفاعلت معها على امتداد القرون منذ بدء "حدث المسيح" الذي اخترق في اول ظهوره، ومنذ عهد الرسل، محيطه الانطاكي ومجاله الآرامي السرياني، تراثاً ولغة وامتداداً. فكان أن طُبعت هذه الكنيسة بسيرة نسكية واصطبغت معها بروحانية واحدة هي عمل الروح القدس في الأشخاص وفي الجماعات. هذه الروحانية عمت الأديرة والمناسك وامتدّت الى الجماعة الكنسية بأكملها.

الروحانية السريانية التي عاشها الأولون هي روحانية كنيستهم العرسيّة، روحانية عشق في العمق. وقد كان التشديد قوياً على هذه الصورة، للتركيز على محبّة المسيح كحبيب أسمى. ان هذه الروحانية عينها لا تزال صالحة بعمقها وبأبعادها لجميع الرهبان والراهبات المشرقيين بل لجميع المعمّدين في عالم اليوم.

في الختام لا يسعني الا ان أشكر الاستاذ مخول على هذه الإضاءات السخية وعلى تجلده العلمي في خدمة التاريخ والحقيقة. وأدعو إلى أن ينتقل بانهمامه بالثقافة السريانية وغيرها من التراثات التي ترفد الوعي اللبناني، أن ينتقل به من البحث التاريخي البحت الى استثمار التاريخ في بلورة تصوّر لإعادة الاعتبار لهذه الثقافات في الإعلام والتربية والاجتماع في لبنان.

د. كلاّب

كما ألقت د. إلهام كلاب استاذة في الجامعة اللبنانية واليسوعية في تاريخ الحضارات والدراسات الإسلامية جاء فيها:

نلتقي اليوم في رحاب الحضارة السريانية مع الباحث الموسوعي موسى مخول الذي أغنى المكتبة العربية بكتبه المعرفية القيّمة آخرها "الحضارة السريانية حضارة عالمية"...

يضع الكتاب بين يديك السجل الذهبي للحضارة السريانية التي ترعرعت في الهلال الخصيب وتمدّدت في المتوسط والشرق عامة.

بالاضافة الى المعلومات القيمة التي يوفّرها المؤلف بعد عناء طويل في البحث والجمع والدراسة، ورغم الاختلاف في وجهات النظر حول بعض المسائل التاريخية التي لا يوجد اجماع علمي حولها وهي ما زالت مفتوحة للاجتهاد والمزيد من البحث. لقد فرض عليّ الكاتب مجموعة من الاسئلة والتحديات منها:

1- اين نحن اليوم في هذه الحضارة السريانية العريضة: السريان فيها يهاجرون خارج سوريا الطبيعية التي كانت أرض تواجدهم وعطائهم، وهم ايضاً مشتتون في بلدانهم الأم التي نشأوا فيها وبنوا حضارة عريقة على ارضها؟ ما الذي جلب على السريان كل هذا الويل؟ هل هي الصهيونية أم المحافظون الجدد الذين يخططون لتفريغ المسيحيين الشرقيين في أرض الآباء والأجداد حتى يتحول المشرق الى ساحة صراع بين أصوليتين يهودية واسلامية ام هي مسؤولية السريان انفسهم نتيجة الاختلافات والانقسامات والعجز عن تجديد دورة الحياة الحضارية فأصبحوا يعيشون على هامش الفعل التاريخي؟

هذا السؤال مطروح على السريان عامة وعلى الموارنة خاصة، وهم جزء من الأزمة السريانية وقد تنكّر البعض منهم لهذه الجذور وأسقط السريانية عن اسم الكنيسة المارونية التي كانت تعرف حتى القرن التاسع عشر باسم الكنيسة السريانية الانطاكية المارونية.

المجمع الماروني الأخير اعاد الاعتبار ولو نظرياً الى التراث السرياني للموارنة، خاصة بعد ان تجاهل بعض الموارنة لهذا العمق الانطاكي السرياني في محاولة لعزل المارونية عن النطاق الانطاكي السرياني الى الحدود السياسية لنفوذ بعض الزعماء.

من الأسئلة التي استخلصتُها من وحي هذا الكتاب القيّم ان السريانية هي حضارة ذات بعد عالمي، وهي ضد التقوقع والانعزال وهي في تفاعلها الحضاري مع الاسلام استطاعت ان تفعل وتؤثر وان يكون لها الدور الفاعل في النهضة العربية ايام الأمويين والعباسيين.

لقد استطاعت المسيحية الشرقية، لأنها متفاعلة ومنفتحة ومتعاونة، ان تكون حاضرة وشاهدة ولها وجود حضاري مميز بسبب دورها الرائد ورسالتها الحضارية. فأين هم المسيحيون اليوم من هذا الدور؟ فهم قادرون بريادتهم الحضارية إثبات وجودهم وحضورهم بينما اذا اعتمدوا منطق العزلة والهروب تخلفوا عن دورهم وتقلص وجودهم. وهذه العبرة يطرحها الكتاب وهو دعوة ولو غير مباشرة الى السريان والمسيحيين خاصة وابناء الشرق بشكل عام، أن يستعيدوا هذا الدور الحضاري الرائد لوحدتهم ونهضتهم.

كتاب "الحضارة السريانية" للمؤلف موسى مخول تحدٍّ ودعوة لنا جميعاً اليوم بأن التمسك بالحضارة هو قوة ذاتية لنا في صراعنا الحضاري ضد المشروع الصهيوني الأميركي في المنطقة الذي يحاول تهجيرنا من أرضنا. والكتاب هو صرخة حتى نعمل من اجل التجديد والإبداع الحضاري وهو الأساس في بناء نهضة تحقق سعادة الإنسان وخلاص الشعب من الخوف والعجز والإحباط.

ثم القى المفكر يوسف الأشقر مداخلة قيّمة نشرت "تحوّلات" نصها الكامل في عددها السابق.