العدد السابع والاربعون - شباط

معلم باق بيننا تتوارثه الاجيال ولا يغيبه قبر، انه في وجداننا وتراثـنا

مزرعة آل يشوع كرّمت ألبير دوميط
السبت 20 شباط (فبراير) 2010.
 

كرّمت بلدية وبلدة مزرعة آل يشوع الأديب الراحل البير دوميط في ندوة أقيمت في قاعة المجمع الرعوي، وذلك بمناسبة صدور كتاب "البير دوميط ثورة أدب وفكر" للأب مارون الحايك الانطوني.

حضر الندوة حشد من الكهنة، والرهبان والراهبات، والقضاة والمحامين والأدباء، والأصدقاء، والذواقة، والمنظمات الرسولية ورؤساء البلديات المجاورة والمخاتير وعدد كبير من أبناء المنطقة.

افتتحت الندوة بالنشيد الوطني اللبناني، وقدّمتها المحامية ريجينا كريمة القاضي البير دوميط، كما تحدثت كريمة المكرم السيدة نهاد، فرحّبت بالحضور الحاشد وشكرت البلدية والرعية وكاهنها ومُعدّ الكتاب والجمعيات والمنظمات والشخصيات التي شاركت في التكريم.

زكا

والقى نائب رئيس البلدية المحامي وسيم زكا كلمة باسم البلدية جاء فيها:

ان تكرم بلدة وبلدية يشوع متفوقاً من أبنائها لدليل ساطع على مواكبة الزمن بالتذكرّ.

وبالتذكرّ نسترجع حضور البير ضوميط مدرساً كاتباً وصاحب استفزاز ادبي مميز.

لم تمحه ممحاة الوقت فاستمرّ وجهاً ساطعاً قسماته منثورة على الأمواج العائدة من قطاف الأعماق والبحر حافل بالغاليات.

 من إيقاع يديه حاك سيرته حريراً في ذهن الزمن وأطلق صراخ حقّ فكسر صمت الصخور.

سعى لمجد الكلمة ازاء اللفظية المتجمّدة فأخاف الادعياء وموهوبي تحويل الذهب الى تراب.

اتّسعت محبرته لزمنه وأشبكت فيها ضفائر ايامه فرسم على اوراق سهره ومعاناته حتى تضوّعت أقباس روحه هديل حمام لا نعيق غربان.

لم يك قطّ مراوغاً في قناعته ولم يمش متمهلاً الى موقف ولا متعثراً الى هدف فظلّ الى يوم غربته وطيد الخطى وترك في معجنه ارغفة العنفوان فاستحوذ على طوبى الصديقين وانصهر في الخير والحق والجمال.

ورغم كتاباته الوفيرة ظلّ يعتبر ذاته أديباً غير ممتهنٍ ولم يمر صوبه غبار صحاري الكلمات.

وكأني به بعد خمس عشرة من سنّي الغيبة يتحرش بالحنين ويستطيب العودة الى جهاده.

خمس عشر من السنين ويسرق البير نفسه من رحيق الكلام متخذاً من شذى الورود محبسةً ومن غيوم احتجابه غطاءً ومن ساعة القلب زهرةً يقطفها الحبّ على هواه، ومن صفاء ذاته تنساب الشفافية نبعاً حتى اذا ما تمعنّ الناظر في سطح مياهه رأى الأعماق وإذا الأعماق تشعّ نبلاً وتواضعاً وطهراً.

عازار

كما القى الأديب المفكّر منصور عازار صديق المكرم والعائلة كلمة تحدث فيها عن علاقته بالراحل ومزاياه، وجاء فيها:

ليست الدنيا موتاً وحياة، انما الدنيا اموات واحياء، فكم بين سكان القبور من أحياء يرقدون، وكم على الغبراء من أموات يدرجون.

البير حي بيننا ولا يغيبه قبر، انه في وجداننا وفي تراثـنا، وهو معلم باق بيننا تتوارثه الاجيال تباعاً، جيلاً بعد جيل وان حاولت الايام والسنون، بما طرأ عليها من تغيرات، محو هذا الارث الغني الذي تركه لنا، فهي عاجزة عن ذلك، لان جوهر الوجود يختزن المواهب والفضائل، لتبقى السلاح الأقوى، في صراع الحق ضد الباطل، والخير في وجه الشر، فينتصر جوهر الجمال في الوجود ويهزم الهوان والقبح.

عندما وصلني خبر وفاته، تأثرت كثيراً وذهبت لتوّي الى مزرعة يشوع ورافقت الجثمان الى الكنيسة، وبعد الجناز وقفت أمام نعشه وألقيت تأبينا بالراحل الحبيب من اعماق قلبي ووجداني غير مدرك أن الكلمات التي خرجت مني كانت ترافقها دموعي الحارة، فارتاحت نفسي، لاني شعرت ان الفقيد الغالي قد حمل دموعي وكلماتي معه الى مثواه الأخير.

  لن انسى البير ضومط ولن ينسى اولادي معلمهم مهما طال الزمن!

الأشقر علم

وألقت صديقة العائلة والرعية صونيا الأشقر علم كلمة تناولت فيها كتابات الراحل وابداعه الأدبي، وجاء فيها:

انه من ذاك الجيل الذي كان يكتب بحبر النفس والحدس، وليس بحبر الدس والرجس بقلم هادر من واقعية مرآة الإنسان، وليس بقلم نازل الى اعماق الخواء. بنغمات تفيض نقاء وعنفواناً وصهيل خيل. وليس بنغمات تنثرنا في أعماق سواد الليل...

إنه الأستاذ.. انه من بلدة بوسع الدنيا أدباً وكهنوتاً وتوجهاً وعطاء وفروسية وشغفاً بالسمو والنبالات.. انه اسطر حضارية لا تجسدها الا اشارات اغرائية من حبر ألبير دوميط، التي حوّلت العشب الأدبي اليابس الى اخضرار.

معلم خفر، ما فلش أدبه طباعة وانتشاراً، الا بما ندر، بل ظلّ في بال الانتظار وأدراج التأمل.. حتى تحوّل بين أيدينا في هذا الزمن، الى مسافات مضيئة من تراثنا. بها نتباهى ونعتز..

ثائر، محلل، صاحب منهجية منمقة ومواقف فكرية ثابتة لا تساوم ولا تهادن.

إنه ألبير دوميط.

فإليه.

رحلت مع الغيب..

وانك باق.. مداه الدهر

فانت نسيم وشهقة حرف

يسافر عبر بلاد الدرر

مكثت زماناً هنا بيننا

حروفك كانت مدار السهر

خرقت وعوداً... رؤاك انتشت

ونحن انتشينا بعطر الزهر

فأشرق علينا من اللاحدود

كومض... يفيض علينا السمر

فأنت المغنّي نشيد الغياب

وإنك رمز بظنّ البشر

فياما وياما.. تعود الينا

لنلقاك حلماً كوهج الصور.

رحمة

وكانت كلمة لصديق المكرم والعائلة نقيب الأطباء الأسبق د. منير رحمة اكد فيها عدم نسيان دوميط الى يوم القيامة، ريثما يبلغ الوطن قيامته من تحت أنقاض المتسلّطين على عنقه، وجاء فيها:

هلقد... طلعت ضيقة عليك الدني؟؟

 عشت الحياة بطيبها وأهوالها

ما قبلت تطلع من بهاء الولدنة

  وتكبر ووتكبّر... متل أبطالها!!

وأنت الطفل ظلّيت... نغمة ودندنة

  وضحكة... وبراءة... والفرح موالها

وجّك عأيام الطفولة ردّني

   مرقوا كتار... وأنت باقي ببالها

وهيدا اللي صوبك يا صديقي شدّني

   وصرنا مراية حي عا قد الزمان

  من حالة فكر تعكس فكر عا لحالها...

الزهوة لي... ولك النشوة...

منك تفتّق البرعم وتضوّع الطيب... فاختلط الفوح

  بالبوح.. والشدو بالشذى!!!!

ولم لا... مر يسوع من هنا... فأعطاك اسمه... ومر بقانا، فتباركت الأجاجين وفاض الحب،

وكانت البداية، وصارت مريم أماً...

مزرعة يشوع... أعطيت ما لم يعطَ لسواك...

فليكن يومك هذا، يوم البير ضومط يوم فرح وحب وايمان... فخذيه وحافظي عليه!!!

ولله أنت... يا سيد الكلمة... أفتح صدري لأنشق عبيرك... أتوغّل في صفاء وجدانك....

الأب الحايك

وختم الندوة مُعدّ الكتاب الأب انطون الحايك بكلمة عرض فيها بعضاً من كتابات المكرم، وجاء فيها:

استاذ البير! أنا تلميذك، تلميذ شعرك ونقدك وقصصك وتفكيرك. فلو أنني كنت من معاصريك، لكنت سعيت الى تكريمك!

لا شك في ان من يطالع أدبك، يتلمّس ثورة وتجديداً ورؤية ونهضة...

ولا شك في أن من يتبصر في نتاجك، يراك توازي أدباء عصرك!

ولا شك في أن المتأمّل في تفكيرك، يعيش في وطن تريده أوتوبياً في أمّة يتعزز فيها الانسان ويعززها، بأفكاره وأعماله ونهضاته ورؤاه، ويعززها بالعدالة والرقي والمساواة ووقفات العز والذود عنها...

أستاذ ألبير! قلمك يستحق الاستحقاقات، وتستحق أنت التكريمات الجلّى!

لك العز في دنيا الأدب، ولقلمك المفن كل تخليد، أنمقه من ريشتي والوجدان:

هوذا السيف لامع في الرقاع   يبرق الفكر من شغاف الشعاع

من رؤاك ازدانت رؤانا، وشلنا من علاها كونا، تلاه يراعي

من عيون الشوق اشتياقاً رشفنا  ردّد الصبح ما أنا للوداع

زلت في أمة تعي من وداعي  أنملت تومي بخصب ابتداعِ

عطّرها النثر ساجعاً من ضلوعي يمخر الشعر، في سناها، شراعي

يا لفذ في عصره لو حضرنا  لنسجنا من العز ومض الصراع!

 

بعد انتهاء الندوة، وقع الأب الحايك الكتاب وتم توزيعه.

كلمة رئيس مركز الدراسات العلمية المفكر والأديب منصور عازار

 

ايها الاصدقاء

 ليست الدنيا موتا وحياة، انما الدنيا اموات واحياء، فكم بين سكان القبور من احياء يرقدون، وكم على الغبراء من اموات يدرجون.

البير حي بيننا ولا يغيبه قبر، انه في وجداننا وفي تراثـنا، وهو معلم باق بيننا تتوارثه الاجيال تباعاً، جيلا بعد جيل وان حاولت الايام والسنون، بما طرأ عليها من تغيرات، محو هذا الارث الغني الذي تركه لنا، فهي عاجزة عن ذلك، لان جوهر الوجود يختزن المواهب والفضائل، لتبقى السلاح الاقوى، في صراع الحق ضد الباطل، والخير في وجه الشر، فينتصر جوهر الجمال في الوجود ويهزم الهوان والقبح.

عرفت البير باكراً، في مطلع الصبا، في الاربعينيات ونشأت بيننا صداقة عميقة امتدت الى يوم رحيله ولما تزل محفورة في وجداني.

ان هذا المربي الكبير والاديب المثقف بذل حياته كلها في سبيل الكتابة والتنشئة والتعليم.

 

  تخرّج على يده عشرات التلامذة من جميع المناطق، خصوصا منطقتنا هذه حيث تربت على يده اجيال تلو اجيال، وكانت تربطنا الصداقة والمحبة والاحترام المتبادل. وعندما كنا في صف البكالوريا الجزء الاول كنا نحضر معاً للامتحانات الرسمية، ويوم الموعد المحدد لها ذهبنا معاً وكانت الحرب العالمية الثانية في اوجها، والقنابل تتساقط على بيروت وكانت رحلتنا بدايتها من بيت الشعار حيث كنا نلتقي لنذهب معاً عبر انطلياس حيث كنا نرتاح قليلاً امام ناعورة انطلياس الشهيرة، التي اختفـت معالمـها، وكانت محطة الوافدين من الجبال والقرى المجاورة.

وما ان ارتحنا قليلا حتى انطلقنا بسيارات الأجرة التي كانت تنتظر الركاب لتنقلنا الى الدورة ومنها الى ساحة البرج بالترمواي لنصل مشياً على الاقدام الى احدى قاعات وزارة المعارف حيث مكان الامتحان. واذكر انه في عودتنا مساء الى انطلياس وكانت سيارات الاجرة متوقفة بسبب انقطاع البنزين، سرنا على الاقدام من انطلياس الى بيت الشعار، فوصلناها عند منتصف الليل، قلت لألبير لينام عندي، فأبى لانه يريد تطمين اهله انه عاد من بيروت سالماً، فلم اتركه يذهب وحده، بل رافقته الى ديك المحدي وتوقفنا عند مكان يطل على مزرعة يشوع اسمه "صنوبر بركات" وقد اندثر عبر الايام والسنين.

وهناك قال لي البير سأذهب وحيداً وترافقني انت بصوتك الى ان اقول لك إني وصلت.

وتوطدت علاقتي مع البير حتى اصبحنا وكأننا شخص واحد في التفكير والتعبير. وعندما كان يكتب قصصه ومقالاته كنا نلتقي ويقرأها لي فأتلمس مقدرته في التعبير واشجعه على الكتابة لانه كان عفوياً ومتواضعاً ولا مبالياً بما وهبته الطبيعة من بيان رفيع وخفة دم.

  وبعد فوزنا في امتحان البكالوريا، اتجه البير الى ممارسة التعليم وكان استاذاً واديباً بفطرته. واتجهت بدوري الى دراسة الحقوق وبعدها سافرت في العام 1945 الى افريقيا، فغبت عن وطني وألبير سبع سنوات متواصلة.

وعندما عدت التقيته، وكان قد أصبح كاتباً معروفاً ينتظر القراء قصصه ومقالاته في صحف تلك الأيام، واول سؤال طرحته: اين اصبحت قصتك يا البير "قبر الست" فردّ بعفويته المعروفة، لا اعرف أين رميتها. فقلت له عليك ان تبحث عنها لأنها تركت أثراً عميقاً في نفسي قبل سفري، واود ان انشرها.

ولحسن الحظ، وعلى الرغم من فوضى البير واهماله أوراقه، وجدها في احد جواريره، فأنكببنا معاً على قراءتها من جديد وتوصلنا الى قناعة ان "قبر الست" ليس هو العنوان المناسب، فقررنا عنواناً آخر يدور حول طانيوس شاهين بطل تلك الحقبة من تاريخنا.

 وولد العنوان: "ثورة في كسروان".

وأول كلمة كتبها البير في مقدمة هذا الكتاب هي "كنت قد نسيت القصة ونسيت صديقي منصور عازار، ولما عاد ذكّرني به وبها وتوافقنا على الطباعة".

 وتجددت صداقتنا بعد غياب، واصبح البير استاذاً لاولادي وترك في نفسي آثاراًَ لا تمحى.

امتاز اسلوب البير الأدبي بالسهل الممتنع وبالصور الأدبية التي لا يمكن الا ان تترك انطباعاً عميقاً في نفس القارئ، فروح النكتة وسلاسة التعبير وعمق التفكير تجعل القارئ أسيراً لكتابات هذا الاديب الفذ، حتى اذا بدأت بقراءة قصة له لا يمكن التوقف حتى تنتهي منها.

  كان البير يتمتع بجاذبية التعبير والادب الرفيع، وامتدت شهرته الى مناطق عديدة والى دنيا الاغتراب، واشتهر بصفة الاستاذ والمعلم الذي خرّج أجيالاً من الأدباء ورجال الفكر وكانت مدرسة المغتربين في ديك المحدي المجال العلمي لبناء الأدب والفكر الذي امتاز به هذا الاديب الكبير من بلادنا.

وفي هذه الاجواء حيث كان يحتدم الصراع الفكري، تأثر البير بعد مطالعاته العميقة والمتنوعة بشخصية انطون سعاده، فحملها في فكره وقلبه ومسيرة حياته وعمل لها من خلال نشاطاته التعليمية والاجتماعية، مؤكداً صدق ايمانه المعلن في تعاليم سعاده.

  وبعد احداث العام 1958 هاجرت من جديد الى القارة الافريقية وبقيت اتابع كتابات البير عبر الصديق الاستاذ جورج مصروعة وأراسله من حين الى آخر الى ان عدت الى الوطن بعد هدوء الاحوال، فقصدت نسيبي ورفيقي الامين رشيد الاشقر وسألته عن البير والذي كان بدوره قريباً منه، فقال لي إن البير تدهورت صحته وأصبح في حالة تمنعه من مغادرة المنزل، فترافقت واياه الى منزل البير فاذا هو ملقىً في فراشه ومرهق وعندما رأني تأثر كثيراً، وقال لي :

  انا مسرور لانك كنت خارج هذه المأساة الوطنية، ولكنك عدت وانا فرح جداً بعودتك ورؤيتك.

وكنت أواظب زياراتي لألبير حيث كانت صحته تتراجع. وترك البير قصصاً ومقالات نشرها هنا وهناك، وظل الكثير منها في عهدة ابنته الوحيدة التي تقوم بما نشهده اليوم بكل ما يمكنها مع الاديب الصديق الاب مارون الحايك، وبالتعاون مع بلدية "مزرعة يشوع" ليعملا معاً لتخليد ذكراه.

  وعندما وصلني خبر وفاته، تأثرت كثيراً وذهبت لتوي الى مزرعة يشوع ورافقت الجثمان الى الكنيسة، وبعد الجناز وقفت امام نعشه وألقيت تأبيناً بالراحل الحبيب من اعماق قلبي ووجداني، غير مدرك ان الكلمات التي خرجت مني كانت ترافقها دموعي الحارة، فارتاحت نفسي، لاني شعرت ان الفقيد الغالي قد حمل دموعي وكلماتي معه الى مثواه الأخير.

  لن أنسى البير ضومط ولن ينسى أولادي معلمهم مهما طال الزمن !