العدد الرابع والخمسون تشرين الأول 2010

لبنان بلد الاشكاليات التي لا تبني دولة
الاثنين 13 كانون الأول (ديسمبر) 2010.
 

منطق الجدل في لبنان مميز، وتحكمه جملة من القواعد الغريبة عن كل منطق، وخارج قدرة أي عقل على الاستيعاب والفهم والاحاطة. جدلٌ يكاد يطال كل شيئ، والأهم أنه ومنذ نشوء هذا الكيان - الدولة ما زال هذا الجدل يتمحور حول أساسيات مفترضة، وثوابت مهتزة لم تغادر حتى اللحظة دائرة الاشكالية. كيف لا؟ والكيان - في حد ذاته- اشكالية، اذ انه اشكالية من حيث نشوئه، وهو اشكالية من حيث استمراره، ويمثل اشكالية في توازناته الدقيقة، وهو أيضاً اشكالية في مآله والمصير! يكفي أن الـ لا في كل الاتجاهات، كانت الصخرة التي ارتكز عليها البنيان اللبناني الهش، لا للغرب، لا للشرق، لا للوحدة مع المحيط، لا للتماهي مع الغرب، لا .. لا.. لا. الحق يقال، أن الأجسام التي تدور على غير محورها... تجسد عنوان الاشكالية الأولى. والأجسام الانسانية التي لا يدور في شرايينها وعروقها ومسامها دمٌ واحد في دورة واحدة، تصاب بالجلطات، والجسم اللبناني أكثر عرضة لهذا النوع من أعراض الجلطة"، وفي كثير من الأحيان انفجار الشرايين. وبما أن الأساس اشكالية"، فبالتالي كل ما يتبع أو يدور في فلكه يبقى مجموعة اشكاليات. لذا نستخلص أن الدولة في لبنان اشكالية، والعدالة اشكالية، والانسان- المواطن اشكالية، والاقتصاد" اشكالية، والدين اشكالية، والمقاومة التي حررت الأرض أيضاً اشكالية، أي أن الاشكالية تصبح القاعدة، والقاعدة تتحول في أحايين كثيرة الى استثناء. أما الاشكاليات الأكثر حضوراً في الواقع اللبناني اليوم فثلاث: الدولة - المقاومة - العدالة. الدولة - اشكالية من نوع خاص جوهرها الطائفية، أي أن مفهوم الدولة الحاضر في العقل اللبناني بقوة، هو دولة الطائفة، أو الدولة الطائفية، أو الدولة الطوائفية، أي دولة الأجسام الطائفية التي يرتكز اليها الابداع اللبناني، وبما أن في لبنان 18 طائفة، وكل طائفة تسعى وفق منظورها الخاص لتحسين مشاركتها اليومية في الدولة ومؤسساتها الطائفية، فاشكالية الدولة ستبقى الظل الملازم لها في المدى المنظور وأكثر. أما المقاومة - الظاهرة الأكثر اشراقاً في تاريخنا المعاصر، تتحول في واقع لبناني خاص الى اشكالية من نوع أخر. وفي دولة ذات بعد طائفي فاقع، تتحول هذه الظاهرة الخارقة من مقاومة تقارع المحتل وتدافع عن السيادة جنباً الى جنب مع الجيش الى ميليشيا طائفة تسعى من خلال السلاح الى تحسين ظروف مشاركتها في سلطة أشبه ما تكون بحلبة صراع، ينتظر كل فريق اللحظة المناسبة للفوز فيها بالضربة القاضية. أما العدالة، فحدّث بلا حرج، عدالة تقف على رأسها منذ نشأة هذا الكيان - المسخ، الى يومنا هذا، تؤازرها - الآن - عدالة دولية مزعومة لم تحضر يوماً في فلسطين ولا في العراق ولا في أي دسكرة ظلم فيها انسان في هذا العالم، ولكنها تحاول اقناعنا بلسان ممثليها في دولة كونغرس قبائل لبنان انها العدالة المنقذة التي ستنقل لبنان من ضفة الخوف الى ضفة الآمان. ما أردت قوله باختصار، الاشكاليات وحدها لا تبني دولة، وحده اليقين والانتماء الحق الى وطن وأمة يجسد المعبر الى دولة، وهذا تحدي برسم الأجيال القادمة.

زهير فياض