العدد الرابع والخمسون تشرين الأول 2010

الثقافة قبل البندقية احياناً
الاثنين 13 كانون الأول (ديسمبر) 2010.
 

قد تأتي الثقافة بالحراك السياسي والاجتماعي وقد يكون العكس. وجمال العلاقة هنا وبألاتجاهين هو خدمة الانسانية وتاريخها. تسبّبت النصوص العملاقة من توراة وانجيل وقرآن بقيام الدولة من حجم الامبراطوريات وجاءت بعض النصوص الوضعيّة بالأتحاد السوفياتي الذي يعجز اليمين الخصم وحتّى يومنا هذا عن القضاء على آثاره الثقافية قبل السياسيّة. الحرب العالمية الثانية قلبت حضارة الانسان وثقافته رأساً على عقب وصولاً الى علوم النفس والمجتمع والفنون فكانت العبثيّة في المسرح والواقعيّة في السينما. تمخّض عن حرب فيتنام حراك اجتماعي فلسفي بانَ في ظاهرة الهبيّة التي ساهمت ولاحقاً بأنهاء الحرب وعودة الجيش الاميركي الى بلاده. حاربت واشنطن الظاهرة ونادتها بأسوأ الاسماء من الاباحيّة الى الاستقالة والشذوذ والانهزاميّة وأخيراً الشيوعيَة. رغماً عن واشنطن وارادتها وحربها، انتجت الهبيّة العديد من المفكّرين والشعراء ومنهم آلن غانزبورغ ورفيقه العازف والمطرب جون لينون اضافة الى المغنية الثائرة جون بايز وباقة لا يستهان بها من مصممي الازياء والمهندسين والرسّامين. اعاد آلن احياء الشعر المسموع واهتمّ رفيقه بنشر الثقافة المعادية للحروب والتفرقة العنصريّة. الحرب على بشاعتها انجبت نَفَساً ثقافيّاً لا يزال فاعلاً حتّى السّاعة. قامت العقيدة الهبيَة على شعار لا تحاربوا بأسمنا ولا تحاربوا لاجلنا فنحن ابرياء من دمِ ضحاياكم وبالموزاة اقدم العديد من الامريكين على الاستقالة من ارفع المناصب الحكوميّة والتوجّه الى مخيّمات الموسيقى والسلام تاركين شعورهم بمنأى عن الممشط والمقص ودائماً بالعودة الى الطبيعة الرافضة بالتعريف والفطرة كافّة اشكال الكراهية والعنف. وفي نطاق اقرب كان الصراع العربي الأسرائيلي، والعائم اصلاً على بحر من الخلاف الديني والثقافي هو اشبه بخلاف النصوص والمقدسات، ولّاداً لحركات نضاليّة طال عمرها واحتوت كافّة التيّارات القوميّة والوطنيّة والاسلاميّة وكذلك حركات السلام من المجتمع المدني المحلي والدولي. واكبت الثقافة هذه المناخات نقداً ودعماً واشتغل فيها نزار قباني وسعيد عقل وطلال حيدر وادوارد سعيد وروجيه عساف ومحمد الماغوط ونضال الاشقر وآخرون، ناهيك عن المؤسّسات الفكريّة والادبيّة التي ابصرت النور كنتيجة وضرورة للنضال الرسمي والحرَكي والشعبي والتي ذكرها هنا يطول ويأخذ القارىء الى غير وجهته. وفي السينما كانت افلام العصفور ليوسف شاهين وكلّنا فدائييون لجابي جارابتيان كما تأثرت سينما السبعينات في سوريا، والمعروفة بتمايزها في حينه، بالحرب العربيّة الاسرائيلية بشقّيها النظامي والفدائي فتحدّثت انتاجاتها عن النصر والهزيمة وعن الاقتصاد والتربية خلف جبل الشيخ وتحته. اليسار كما اليمين كان له حصّته بالتفاعل الفكري سلباً وايجاباً وحيّاً دائماً وهذا الاهم . هو الحال في كلّ الاوطان ومع كل تغيير كبير فليس آدم سميث الّا عرّاباً للاقتصاد الحر والنظام الرأسمالي وصاحب نظريّات اغنت الفكر الانساني وبصرف النظر عن الهوية العقائديّة لتلك المعادلات والنظريات. وما الرئيس الاميركي توماس جفرسون سوى رائداً في فكر حقوق الانسان وفي الحروب ضد التفرقة العنصريّة وكافّة تجلّيات الحرب الاهليّة في بلاده وهو النور الخفي الذي يضيء درب الاشراقات السياسية الاميركية. يبدو انّه من عادة الحروب الكبيرة، التقليدية منها والاهلية، ان تولّد المجرمين من جهة والمثقّفين من جهة اخرى. حارب اليمين الابيض العنصر الافريقي في اميركا فكان توماس جفرسن واعماله الخالدة وكذلك لاحقاً صاحب الحلم الجميل مارتن لوثر كينغ. اشعل الاستعمار البريطاني فتيل الحرب الطبقيّة بين ابناء الوطن الواحد في الهند فجاء طاغور وغاندي. اطلق الفهرور شعار المانيا فوق الجميع فأشرقت ثقافة جديدة عززت التشديد على قيمة الانسان بالمطلق وبغضّ النظر عن جنسيّته وعرقه. جارَ الاقطاع في سوريا ولبنان وتحكم بعامّة الناس لجهة كراماتهم ومصائرهم السياسية والحياتية فقام جبران خليل جبران وكتابه النبي. يحدث ان يتفاوت الفارق بين الحدث والناتج الثقافي فعلاً او ردَ فعل وجواب ذلك انّ الرجالات العظام ينبتون بين البشر على صورة ازهار طبيعية هي حصاد تلك التربة او غيرها في كل مكان وزمان، أوعلى صورة ازهار برّية تنطلق بشكل عفوي لا يحتمل التحليل العلمي ومعاييره المنطقيّة. امّا ان يكون الفارق بين، المقاومة اللبنانية - حزب الله وانصاره - والفلسطينيّة - حماس وانصارها - من جهة وحجم الحياة الثقافية الموازية من جهة اخرى، على قدر كبير ولافت فهذا امر مرفوض ومناسبة ملحّة لمراجعة المشهد النضالي والتوقّف مليّاً عند حالة الرأي العام المؤيد له وعجزه او عجز ذات النضال عن اانتاج الحياة الثقافية الموازية واللائقة.

سمير مكاوي