العدد الرابع والخمسون تشرين الأول 2010

حرامٌ عليَّ كلٌ كلمةٍ لا تكونين فيها..
الاثنين 13 كانون الأول (ديسمبر) 2010.
 
كم كانت قاسيةً تلك اللحظات وأنا أخطُّ بغضب دمي على صفحة عرس للكلمة لم يكتمل... من زمان، كنتُ وليدَ الاحلام... أزرع الأرض فرحاً وأملاً. أعانقُ النجومَ وآخذ الشمس الى صدري تنير دروب التائبين... أتأبط أنوار هلال لم يكتمل بدره بعد. اوزّع القرابين على كل قلب يخف لكلمة، لحب وحنان، ولعينين تدمعان فرحا لحال امرأة يساومها العرابيد على ما عندها فتأبى، وتنزفان دما وقهرا لمشهد طفل يتسول الحياة، فلا يجد سوى وجوهٍ يابسة، وأيادٍ قابضة وتمتمات شفاه منكرة... اليوم سكنتني الغربة وأخذتني الحيرة قسراً، فلم اعد أرى في عينيَّ سوى أن الحزن يكبر، فأتيهُ عن المستقبل، وكان ملء اصابعي، شاردا عن دروب العشق الالهي الى الزوايا المنسية... ها أنا يا حبيبة حيث كنتُ أنأى بنفسي عن أن اكون؟! من زمان عشقت الورود والياسمين وكل الرياحين بين يديك... اتوسل اليها ان تقتيني ذلّ اشواك طالما دسّوها في جنباتنا وبين أضلعنا... وتأخذني اليك يا عبقا اشتاقت اليه كل ملائكة السماء.. اليوم، لم يعد في عينيّ سوى بعض من تلك الورود وقد ذبلت تحت اقدام الهولاكيين الذين استفاقوا من قبل الفجر وزحفوا الى حيث صار الوطن، كل الوطن، شواهد مقبرة لاحلام الاطفال، ولكبار ظنوا يوماً ان رجولتهم مانعتهم، وان حصانتهم في عشق الرب، كافية لينالوا عشق الوطن، فصار التراب مقبرة لكل حلم، ولكل حياة... وها انا اليوم، يا حبيبة، أروع الكلمة بكلمة، فما عدت أطيق النطق بكلمة لا تخرج من قلب وعقل ولا تدخل الى قلب وعقل... وأرسم بيديّ معاول ورفوشاً، ما عادت لغير حفر القبور لأناس يفتشون عن الحياة في ظلمة طفاة بأثواب ملائكة الرحمة، فما وجدوها غير مسيرات لموت جماعي.. ها أنا أودّع الكلمة بكلمةٍ.. فما نفع كلمةٍ لا يأبهُ معها الجلاّدون لبسمة طفل انتزعتها عنوة أيدي من صار دم الابرياء لعيق أنوفهم ولا يغادر... ولصرخة أم تناشد الرحمة في عرس ابنها فلا تجد... ولغضب أبٍ يسأل عن الحق والخير والجمال، وقد تسمرّت عيناه وجمد لسانه عند صورة الغادي وقد نال منه غرباء عن القلب والعقل والرحمة والفداء؟! يا حبيبة. سامحيني ان عدت بك اليوم الى درب الآلام، نعيد كتابة حكاية كنا عزمنا على ان لا تعود بغير حلم، وبغير نور وحياة، فإن صمتنا فلا يعني اننا لا نجيد الكلام... ولا نتقن سرد الحكايا. اعود اليك، وليس معي سوى الصمت ازرع به كل لقاء وقضاء، وكل اشتياق ووداع!!. على درب الجلجلة، ها أنا أضع قدميّ. أعرف أنني استأهل ان اكون حيث يمزقون جسدي ويقترعون على دمي ان لم أبصم لهم بملء كفيّ وأعيرهم كلمتي ـ فينثرون ثماري في أربع رياح الأرض الهوجاء. فإن أبيت، فليس لي سوى ان استظل خيمة أودعتني اياها منذ كان اللقاء الأول في عينيّ الله، ولا املك ان أتصرف بها.. هاتي يديك، أضمّهما الى صدري وقد ابتعدا كثيرا... ودعي عينيك تأخذاني الى سرك الرهيب وتقيمان لعيني هناك مقاما أبدياً... فما اردت يوما ان اكون، وامضي العمر، واختصر كل حياة الا بقربك دمعة وابتسامة؟! دعني أُخرج من قلبي كل اشتياق أوزعه، اتركه لنسائم العمر تنزه على دروب اشتاقت الى قدميك... فما قيمة عمر يتيه عنك ولا يأخذني اليكِ، وما قيمة عمر تقتنصه الغرابيب السود توزعه على آكلة لحوم البشر ولا يستحقونه؟! حرام عليّ كل كلمة لا تكونين انت ملْ حروفها ونقاطا وفواصلها، بداياتها وخواتيمها.. حرام عليّ كل كلمة لا تكون إلاّ لكِ، يا كل العشق الآلهي... حرام.