العدد الرابع والخمسون تشرين الأول 2010

لاجراء محاكمات تقطع الطريق نهائيا على المساواة بين الشهداء وبين العملاء الذين تمت تصفيتهم سعادة و جنبلاط والصدر يستحقون تحقيقات اسوة بالاهتمام الذي ناله اغتيال الحريري
الاثنين 13 كانون الأول (ديسمبر) 2010.
 
لا يمكن لأحد التقليل من أهمية رجل بحجم رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري، والتقليل من أهمية انشاء محكمة للتحقيق في جريمة اغتياله، الا انه والى جانب الحريري كان هناك رجالات فكر وعلم وأصحاب قضايا وطنية لها دور أساسي في ارساء اللبنة الاساسية للبنان مفكر ومقاوم في وجه الاعتداءات الخارجية، قضت بعمليات اغتيال واخفاء قسري تستوجب تحقيقاً اسوة بالتحقيق والاهتمام الذي نالته قضية اغتيال الحريري.

لا شك أن رئيس الوزراء الأسبق الشهيد رفيق الحريري كان أحد رجال الدولة اللبنانيين الكبار، وهو قد قدّم أكثر من 30 ألف منحة دراسية لـ 30 ألف شاب لبناني، وساهم في استدراج قروض بأكثر من خمسين مليار دولار لاعادة اعمار لبنان، وفي تأسيس شركتي سوليدير وسوكلين في اصعب الظروف لاجل عصرنة بيروت. وبعد اغتياله تأسست محكمة دولية لمتابعة قضية الاغتيال. واذا كان هناك اختلاف بين الفرقاء اللبنانيين، حول طبيعة المحكمة الدولية وتسييسها واستخدامها لاهداف تخرج عن نطاق نشدان الحقيقة في جريمة الاغتيال، فإنه يوجد اجماع حول ضرورة كشف ملابسات هذه الجريمة الكبيرة بحق لبنان. وبالاضافة الى الرئيس الحريري سقط في لبنان عدد كبير من القتلى من الشخصيات السياسية والدينية البارزة، خصوصا في ظروف الحرب الاهلية. وانطلاقاً من مبدأ لئم جراح الحرب وطي صفحة الماضي، تم شمول تلك الاحداث بالعفو العام. وبالتالي منع اجراء المحاكمات بخصوصها. ولكن هذا المبدأ بحد ذاته ربما هو صحيح على المدى القصير، الا انه مبدأ خاطئ وخطر على المدى الأطول، لانه يؤسس لاستمرار وجود الأسباب التي أدّت الى الحرب ومفاقمتها. ولذلك ينبغي، على الاقل من وجهة النظر الوطنية والقومية المعادية لاسرائيل وللامبريالية الاميركية، اجراء محاكمات حول كل الاحداث الكبرى والاغتيالات التي جرت، لقطع الطريق نهائيا على المساواة بين الشهداء الوطنيين وبين العملاء الذين تمت تصفيتهم على ايدي الوطنيين او في الصراعات الثنائية بين الاحزاب العميلة. ولكن اغتيال رفيق الحريري حظي باهتمام كبير، لبنانيا وعربيا ودوليا، نظرا للحجم السياسي والمالي الذي كان يحظى به. وانطلاقا من هذه القاعدة ـ قاعدة الحجم السياسي الاستثنائي ـ لا بد من التوقف عند المصير المأساوي لثلاثة من رجالات لبنان، كان لحياتهم ومصيرهم اكبر الاثر في حياة ومصير لبنان، وهو ما يجد انعكاسه على الوضع العربي والاقليمي برمته، بحيث يمكن اعتبارهم من اكبر منارات الشرق. ولا ينتقص من مكانة هؤلاء الرجال الكبار كونهم لم ينالوا ما ناله الرئيس الحريري من اهتمام قانوني ـ سياسي لبناني وعربي ودولي. وهؤلاء الكواكب الكبار هم: انطون سعادة، كمال جنبلاط والامام موسى الصدر. اقصاء سعادة وجنبلاط و الصدر أدى الى عكس المراد منه لقد مضى اكثر من ستين سنة على محاكمة واعدام انطون سعادة، واكثر من ثلاثين سنة على اغتيال الزعيم الوطني الكبير المعلم كمال جنبلاط، وعلى تغييب الزعيم الوطني والديني الشيعي الكبير الامام موسى الصدر. ومن الوهم المحض ان يظن اي طرف (شخصية كان او حزبا او دولة او جامعة دول او منظمات دولية او الامم المتحدة) ان جرائم محاكمة واعدام انطون سعادة واغتيال كمال جنبلاط وتغييب الامام موسى الصدر سيطويها الزمان. على العكس تماما: ان لبنان الصغير والفقير والضعيف، الذي كانت اسرائيل وانظمة سايكس ـ بيكو العربية والمؤسسات الدولية التي تقودها وتتحكم بها اميركا، بالكاد تحسب له حسابا، سياسيا واقتصاديا وعسكريا؛ ـ لبنان هذا اصبح اليوم يقف نداً لندّ بوجه اسرائيل، واكبر قوة عربية واكثرها حضورا في الاستراتيجية الدولية. وكل الذين ارادوا ان يتبـّعوا لبنان ويجعلوا منه احتياطا صغيرا يسير في آخر قافلتهم العرجاء، أصبحوا هم مؤخرة للبنان وتابعين وداعمين له في معادلة المواجهة اللبنانية ـ الاسرائيلية، حتى حينما يستأثر بعضهم بالاضواء المسلطة على واجهة المسرح باعتبارهم وسطاء و"حلّالي عقد المشكلات اللبنانية. ولا يستطيع احد، سوى الأعمى او المتعامي (أمثال أبطال سيرك 14 اذار وكل معسكرهم العربي والدولي)، الا ان يرى ان الحالة المتقدمة التي وصل اليها لبنان، ولا سيما حالة المقاومة المظفرة، انما هي نتيجة البذور التي زرعها انطون سعادة وكمال جنبلاط وموسى الصدر في التربة اللبنانية الصالحة. وعملية قطع النبتة قبل ان تكبر التي اعتمدها المجرمون الدوليون الذين غيّبوا انطون سعادة وكمال جنبلاط وموسى الصدر، أدت الى عكس المراد منها، اي أدت الى تقوية وتحفيز الجذور، بصرف النظر عن الشكل المرحلي الملموس الذي اتخذه تطور تلك الجذور. وربما أصبح بامكاننا القول، دون خشية الخطأ، أن انطون سعادة (الذي مزّقت صدره رصاصات عدالة الخيانة) وكمال جنبلاط (المقتول ظلماً وغيلة وغدراً) والامام موسى الصدر (المقطوع عن العالم في احد السجون، او المقتول هو الآخر ظلماً وغيلة وغدراً) قد أصبحوا مع مرور الوقت اكثر حضورا في الواقع اللبناني، والعربي والدولي المرتبط بالشأن اللبناني، أكثر من اي شخصية أو قيادة عربية واسلامية، من الأحياء والأموات، منذ أكثر من ستين سنة الى اليوم. وسيظل تأثيرهم فاعلا لعشرات السنين الى الامام. ان المواجهة بين انطون سعادة والنظام الطائفي ـ الخياني اللبناني لا لبس فيها. وقد لطّخ دم انطون سعادة هذا النظام الى الابد. ولسخرية الاقدار، فإن جوقة فيلتمان الاميركية، المتمثلة في سيرك 14 اذار، التي ـ كما يذكر المعايشون ـ صمت اطرافها صمت القبور يوم استشهاد كمال جنبلاط، بل ان بعض هذه الاطراف شارك في محاولة اغتيال وليد جنبلاط فيما بعد، كما صمتوا صمت القبور واعتبروا ان جبلاً انزاح عن صدورهم يوم تغييب الامام الصدر، هذه الجوقة تقرع الآن كل ما عندها من طبول لأجل كمال جنبلاط ولكن على اساس فردي، وبهدف واحد وحيد هو تحريض وليد جنبلاط ضد سوريا على اساس فردي وشخصي. وبدون اي انتقاص من القيمة الانسانية الفردية لشخصيات تاريخية في حجم انطون سعادة وكمال جنبلاط والامام موسى الصدر، اصبح لزاما، بعد مرور كل هذا الزمن، النظر الى هذه الجرائم الكبرى في الاطار الوطني والقومي العام خارج الدائرة الفردية: فكل من هؤلاء الزعماء الكبار كان يختلف اختلافا نوعيا عن جميع السياسيين اللبنانيين البارزين، ولم يكن لا بيزنسمان، ولا مضارب بورصة، ولا تاجر عقارات، ولا مكتنز اموال، ولا ذا مطامح شخصية من اي نوع كان. بل كان اولا واخيرا صاحب قضية. واذا كان يمكن تلخيص، اذا صح لنا استعمال هذا التعبير، قضية هؤلاء الكبار، فيمكن تلخيصها كما يلي: سعادة أحد أكبر المفكرين وقادة الرأي العرب ـ1ـ كان انطون سعادة احد اكبر المفكرين وقادة الرأي العرب. وقد تمت محاكمته واعدامه على أيدي أرباب النظام الطائفي اللبناني العميل قبل اكثر من ستين سنة. وفي حياته المعطاءة القصيرة كان قد طرح القضايا الجوهرية التالية: ـ أ ـ ان الصراع مع اليهود واسرائيل هو صراع وجود لا صراع حدود. ـ ب ـ رفض تقسيم سايكس ـ بيكو، وضرورة المواجهة مع اسرائيل قوميا لا قطريا. ـ ج ـ ان الدولة القطرية هي دولة الطائفية والفساد. ـ د ـ عدم الاكتفاء بالعمل الدعائي، وضرورة التغيير عن طريق العمل الثوري المباشر. وأسس انطون سعادة الحزب السوري القومي الاجتماعي، الذي يعتبر حتى اليوم احدى اهم ركائز الحركة الوطنية الدمقراطية العلمانية في لبنان، والذي يمتلك امتدادات في بلدان عربية اخرى في منطقة سوريا الطبيعية. وكان سعادة يعتبر ان الحزب اللاطائفي العلماني الذي انشأه هو مجتمع بديل للمجتمع الطبقي ـ الطائفي، القائم على الفساد والخيانة، الذي أنشأته وأخذت تنميه الدولة اللبنانية المستجدة، التي ـ وتحت اسم الاستقلال الشكلي ـ أورثها الانتداب الاستعماري لشريحة عميلة من العائلات والفئات الميسورة والزعامات التقليدية والأحزاب التي أسستها المخابرات الاستعمارية مباشرة وأبرزها حزب الكتائب اللبنانية (حزب الباز نافال base navale، القاعدة البحرية التي كان يمتلكها جيش الاحتلال الفرنسي في منطقة المرفأ في بيروت، والتي لا تزال الى اليوم تأوي البيت المركزي لحزب الكتائب، العريق في العمالة والخيانة، والذي تنقل بين احضان الفرنسيين والاميركيين والاسرائيليين). في أعقاب الاستقلال انتهجت جميع الاحزاب والتنظيمات الوطنية والتقدمية العلمانية، وكذلك الاسلامية، في لبنان، كالحزب الشيوعي والاحزاب العروبية والحزب التقدمي الاشتراكي الذي أنشأه كمال جنبلاط في 1949، ـ انتهجت سابقا خطا اصلاحيا يقضي بالعمل السياسي والثقافي والنقابي من ضمن النظام القائم ذاته لاصلاحه وتغييره وتطويره من داخله. اما الحزب السوري القومي الاجتماعي بزعامة انطون سعادة، فبعد الانتشار الاولي للحزب، فقد انتهج خطا ثوريا ـ انقلابيا بشكل مباشر. وكان سعادة يسمي الصهيونية واسرائيل يهود الخارج والطبقة الكومبرادورية الحاكمة والشريحة الشعبوية المؤيدة لها يهود الداخل. وبعد هزيمة جيوش الجامعة العربية في فلسطين في حرب 1948 ـ 1949، قام الحزب السوري القومي الاجتماعي بزعامة سعادة بانتفاضته الانقلابية ضد السلطة في صيف 1949. ولكن الانتفاضة فشلت بسبب عدم احترافية الهيكلية القيادية للحزب، وبسبب ضعف الحشد الجماهيري حول الانتفاضة لافتقاد وجود جبهة سياسية من مختلف الاحزاب المعارضة الى جانب الحزب القومي. وفي بلد متعدد الطوائف والاحزاب كلبنان يصعب استثناء، كما يصعب تفرد، أحد اطراف التركيبة السياسية ـ الطائفية اللبنانية. ولدى تيقنه من فشل الانتفاضة، ارتكب الزعيم انطون سعادة خطأ كبيراً بالفرار من وجه النظام القطري اللبناني واللجوء الى نظام قطري آخر هو النظام السوري بزعامة الدكتاتور حسني الزعيم الذي كان يجعجع حول قومية المعركة لأجل تغطية انتهازيته وميوله السلطوية القطرية. وفور وقوعه في قبضة حسني الزعيم، تداعى القادة العرب وسفراء الدول الاستعمارية للبحث في مصير انطون سعادة، فتقرر التخلص منه فورا، كي لا تنتشر حركة التمرد الثورية، وقام حسني الزعيم بتسليمه الى السلطات الاستقلالية اللبنانية، التي أرسلت رئيس الأمن العام في حينه الامير حارث شهاب لاستلامه على الحدود وتوصيله الى بيروت؛ وكان مع المير حارث تعليمات سرية (كما يقول في مذكراته الشخصية) بعدم ايصال سعادة الى السلطات اللبنانية، وبانزاله من السيارة في الطريق وقتله بالرصاص، والادعاء من ثم انه اطلقت النار عليه اثناء محاولته الفرار. ولكن المير حارث لم يتحمل ضميره الشخصي وشرفه العسكري تنفيذ هذا التكليف السري، وسلّم انطون سعادة الى السلطات المختصة، فتمت احالته بسرعة الى محاكمة عسكرية صورية قضت باعدامه رميا بالرصاص في خلال ساعات معدودات. وفيما بعد تبارى رئيس الجمهورية بشارة الخوري، ورئيس مجلس الوزراء رياض الصلح في التنصل من جريمة اعدام انطون سعادة، وفي القاء كل منهما وزر هذه الجريمة على الآخر. لقد تضافرت القوى الامبريالية والصهيونية وانظمة سايكس ـ بيكو العربية والنظام الطائفي اللبناني لأجل محاكمة واغتيال انطون سعادة. ولكن رغم غيابه المبكر، فإن انطون سعادة يثبت حضوره المتجدد في مصير لبنان والبلاد العربية عند جميع المنعطفات التاريخية. اذ انه ـ ومثلما اثبت العلم قانون الجاذبية وكروية الارض ودورانها على نفسها وحول الشمس ـ فإن انطون سعادة، بفكره وبدمه، اكتشف واثبت، بدقة علمية، قوانين تاريخية لا يجوز (ولا يمكن!!) تجاهلها والتقليل من اهميتها مثل: قانون تلازم الصراع ضد يهود الخارج مع الصراع ضد يهود الداخل؛ قانون استحالة الانتصار على الشمولية الحضارية للامبريالية الغربية بدون تحديث المجتمع الشرقي؛ قوانين بناء الدولة الحديثة القوية والعادلة على اساس: اطلاق وصيانة حرية المعتقدات الدينية والفكرية للجميع، ومنع التعديات الطائفية، ومنع الاستغلال السياسي والطبقي والطائفي للدين، وفصل الدين عن الدولة، وبناء الدولة المدنية القائمة على المواطنية الفردية الحرة، ووضع الانتماء الوطني الفعلي فوق اي انتماء فئوي. وتجري بين الحين والآخر محاولات لاحياء ذكر الذين تآمروا لاعدام انطون سعادة. الا انها تبقى محاولات يائسة وبائسة، تحيط اصحابها بالعار لا باكاليل الغار. في حين يزداد تألقا الدور التاريخي للافكار الاساسية التي اطلقها انطون سعادة والتي تنزل في مرتبة القوانين العلمية. لقد تشكلت محكمة دولية لأجل الرئيس المغدور رفيق الحريري. وهذا من اقل حقوقه على هذا البلد، اذا صدقت تلك المحكمة. ولكن كل محاكم العالم لا تكفي لمحاكمة الدولة اللبنانية واسيادها، اي يهود الداخل والخارج، الذين لطخت وجوههم الى الابد دماء انطون سعادة. جنبلاط صاحب قضية وطنية وأممية شاملة ـ2ـ ان كمال جنبلاط كان صاحب قضية وطنية وأممية شاملة، أسس الحزب التقدمي الاشتراكي ثم أسس الحركة الوطنية اللبنانية في انسجام تام مع قناعاته الاشتراكية الانسانية، وطرح ومارس وقاد النضال ضد المعسكر الطائفي العميل للامبريالية والصهيونية في لبنان، وتبنى قضية الشعب الفلسطيني العادلة، ليس من موقع الدعم والتأييد والمساندة الجانبية، بل من موقع المشاركة الكاملة في الصراع ضد الاحتلال الصهيوني لفلسطين واعتباره كاحتلال لبنان سواء بسواء. وعمل كمال جنبلاط على الارتقاء بالحركة السياسية وخصوصا القيادة السياسية الى مستوى من الرقي لجعلها نوعا من الرياضة الروحية بالمعنى الديني الصوفي؛ ولذلك اكتسب بجدارة لقب المعلم واكتسب شعبية من نوع جديد، لا تشبه نظرة الجماهير الشعبية الى الزعماء والقادة التقليديين، بل تشبه نظرتها الى الاولياء والصالحين. ولذلك كان من الطبيعي ان يكتسب كمال جنبلاط العداء المعلن والمضمر لكل الطبقة السياسية المتسلطة اللبنانية والعربية والدولية. لان طريقة زعامته وقيادته كانت موضوعيا بمثابة دعوة صارخة للنزاهة والزهد، ومن ثم لـقطع رزق جميع القيادات الانتهازية. وفي الوقت الذي كان فيه كمال جنبلاط من المؤيدين المتحمسين للعلمانية وفصل الدين عن الدولة لبناء الهوية الوطنية (اللبنانية والعربية) الموحدة، لم يتخلى يوما عن قناعاته الدينية، الدرزية خاصة والدينية عامة، ولكنه كان له مفهومه الخاص للدين، الذي يخترق به حجب الفوارق بين مختلف الاديان، وبين الظاهرة الدينية ككل والفلسفة، وصولا الى الصوفية الهندية من جهة، والفلسفة اليونانية ـ الفينيقية القديمة من جهة ثانية؛ وفي الوقت الذي كان فيه كمال جنبلاط ـ حسب تقديرنا المتواضع ـ من افضل قراء كتب الحكمة الدرزية، كان ايضا من افضل قراء المصلح الديني الكاثوليكي العالمي تيار دي شاردان، ومن افضل قراء الفكر الاشتراكي العلمي المتمثل بالماركسية ـ اللينينية، ويدعو الى اعادة قراءة، علمية ـ اجتماعية، وروحية ـ وجدانية، انسانية شاملة، للماركسية ـ اللينينية وللنصوص الدينية، التي كان يرى انهما لا تتجادلان الا لتتساميان الى اهداف عليا او علوية واحدة. وقد دعا كمال جنبلاط الى ضرورة فصل الدين عن المؤسسة الدينية، وفصل الدين (والمؤسسة الدينية) عن الدولة، ودعا اخيرا لا آخراً الى فصل الدين (والمؤسسة الدينية) وتنزيههما عن الطائفية، وعن قذارات اللعبة السياسية عامة، والى تحويل الدين والفلسفة المتكاملين الى نوع من انواع الرياضة الروحية وطريقة حياة بالمعنى الصوفي وشبه الصوفي. اي انه اذا كانت التجربة قد اعطتنا استغلال الدولة للدين واستغلال المؤسسة الدينية للدين والدولة، وهو ما تجسد في الطائفية عامة والطائفية السياسية خاصة، فإن كمال جنبلاط كان يعمل على تنزيه الدين عن الاستغلال (في اتجاهيه)، اي ان لا يكون لا مستغـِلا ولا مستغـَلا، بل ان يكون في خدمة الحياة واشبه شيء بإرشاد فلسفي ـ روحي لحياة انسانية كريمة وشريفة. وقد لا نبالغ القول ان كمال جنبلاط، سواء اتفق معه اي طرف ام لم يتفق، كان مدرسة كاملة: مدرسة اساسية لتعليم كل الناس بمن فيهم اصغرهم واجهلهم، ومدرسة كلية جامعة لتعليم المثقفين وقادة الطوائف والاحزاب والدول، حتى اكثرهم فهما او ادعاء بالفهم او الفهلوية. وبعض قادة الدولة، او الدول، العظام والخالدين، الذين اعتقدوا انهم بقتل كمال جنبلاط قد ازاحوا عقبة لبنانية صغيرة امام مشاريعهم التسلطية انما زحزحوا صخرة بضخامة جبل لبنان، تدحرجت وسحقت مشاريعهم وقزمتها وقزمتهم، وذهبت وذهبوا وبقي لبنان كمال جنبلاط. وهؤلاء القتلة الاقزام لا يحتاجون الى محكمة دولية، بل تكفي اي محكمة ابتدائية ريفية عادية للنظر في جريمتهم النكراء الواضحة وضوح الشمس. الصدر صاحب قضية وطنية وانسانية مزدوجة وشاملة ـ3ـ وان الامام موسى الصدر، كرجل دين مناضل، متنوّر، كبير وشريف وصادق، كان صاحب قضية وطنية وانسانية مزدوجة وشاملة، هي: أـ توحيد صفوف الطائفة الشيعية الكريمة وشد أزرها وأخذ مكانتها اللائقة في النظام الطائفي اللبناني المركب، الذي أجحف طويلا هذه الطائفة، وأضعفها، مما جعل لبنان كله في حالة ضعف في مواجهة اسرائيل؛ وللوصول الى هذه الغاية الطائفية! أسس الامام المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى وحركة المحرومين وأفواج المقاومة اللبنانية ـ أمل؛ ولكنه انتهج سياسة اللا تسلط والامتيازات الطائفية، على طريقة التجربة الفاشلة للمارونية السياسية المتسلطة، ولا سياسة الانعزال وتمزيق لبنان وتقسيمه وفدرلته، كما بدأت تطرحه بعض أوساط المارونية السياسية المهزومة، بل انتهج (بمفاهيمه الدينية الانسانية الراقية) سياسة التفاعل الحضاري بين مختلف الطوائف والعائلات الروحية اللبنانية، وتحويل لبنان الى دولة حضارية معاصرة متقدمة، ليس باستغلال الدولة للدين (كما هي التجربة الفاشلة للدول العربية وغير العربية مدعية الاسلام) وليس باستغلال الدين والمؤسسة الدينية للجماعة الطائفية وللمجتمع والدولة (كما هي التجربة الفاشلة في لبنان). ب ـ ومن خلال توحيد صفوف الطائفة الشيعية وبلورة شخصيتها، طمح الامام الصدر الى رفع مستوى الحضور والفعالية الشيعية في المجتمع، اللبناني والعربي والاسلامي والعالمي عامة. وساعده في ذلك ثقافته الدينية والعامة العميقة، وانفتاحه الانساني، وعلاقاته المميزة بمختلف المراجع الدينية الشيعية وغير الشيعية وبالثورة الاسلامية في ايران في اوج حراكها عشية انتصارها؛ وقد امسك الامام الصدر بالحلقة المركزية للصراع في المنطقة، وهي حلقة الصراع مع اسرائيل والصهيونية، وأعطى الصراع ضد اسرائيل طابعاً ايمانياً وطهرانياً رفيعاً يداني القدسية؛ وهو ما كان الأساس الديني والفكري والاجتماعي والسياسي والعسكري الذي قام عليه حزب الله والمقاومة الاسلامية في لبنان ضد اسرائيل، وهي المقاومة التي قدّمت ظاهرة نوعية جديدة لا مثيل لها في كل تاريخ الصراع العربي ـ الاسرائيلي عامة، وفي الحياة السياسية في لبنان خاصة؛ ان الاداء الرفيع، الذي أذهل الاعداء قبل الاصدقاء، لحزب الله، على المستويات التنظيمية والاجتماعية والسياسية والقتالية معا، والذي يعبر عن تجسيد ملموس للايمان الديني الصادق وحب العلم وادراك اهميته والزهد والتفاني ونكران الذات وعيش البطولة، ـ هذا الاداء هو ـ في رأينا المتواضع ـ تجسيد لارادة وروح الامام موسى الصدر، الذي أراد نقل الحالة الشيعية الى مستوى ديني وحضاري رفيع، ونقل الصراع العربي ـ الاسلامي ضد اسرائيل والصهيونية الى مستوى حضاري ـ ديني ـ علمي تتقزم امامه اسرائيل والامبريالية الغربية التي تدعمها. ومن الواضح ان الامبريالية والصهيونية وانظمة سايكس ـ بيكو العربية الطائفية قد انزعجت جدا من حركة الامام موسى الصدر، فتم تركيب المؤامرة التي أدت الى اختطافه واخفائه في ليبيا بهذا الشكل المشين، الذي يندى له جبين الانسانية، والذي يكشف مدى تفاهة وقزمية الذين اختطفوه وغيبوه. ومن المعبّر ان نذكـّر هنا انه حينما تم اعتقال الفريق الطبي البلغاري في ليبيا قامت الدنيا ولم تقعد، وتحركت الامم المتحدة ومنظمة الوحدة الافريقية والاتحاد الاوروبي وجامعة الدول العربية لاجل الافراج عن افراد الفريق. والشيء ذاته يقال لدى اغتيال المرحوم رفيق الحريري. اما اختطاف وتغييب الامام موسى الصدر ورفاقه، فقد عومل كمسألة خلاف سياسي او طائفي عادي بين الشيعة في لبنان ونظام معمر القذافي، واعطي، حتى عربيا، اهتماما اقل من الاهتمام الذي اعطي للخلاف على كرة القدم بين مصر والجزائر. ولكن هذا الاستهتار بأسس العدالة الانسانية والحقوق الدولية لم يمنع ان المدرسة الدينية ـ الفكرية ـ الاجتماعية ـ الكفاحية التي وضع اسسها الامام موسى الصدر لا تزال تشق طريقها بقوة، وهي ستساهم في تغيير اوضاع المنطقة، وربما اوضاع العالم ككل. اغتيال الحريري جاء اثر تخليه عن الاضطلاع بمهمة مخلب قط ضد المقاومة اننا نعترف انه، للاسف الشديد، ان مختلف القوى الوطنية والتقدمية والقومية والاسلامية المناضلة، التي واجهت ولا تزال تواجه ظروفا سياسية معقدة للغاية، نشبت بينها خلافات حادة في مراحل مختلفة، وانها، للاسف الاشد، لجأت احيانا كثيرا الى حل الخلافات بالسلاح، حتى احيانا داخل الحزب الواحد او التيار الواحد او التنظيم الواحد؛ ومع ذلك فاذا استثنينا بعض الحالات الفردية والفئوية والطائفية الملتبسة، فإن كل اعداء قضية انطون سعادة وكمال جنبلاط والامام موسى الصدر يتجمعون الان ـ بحكم الضرورة لا الصدفة ـ في جوقة 14 اذار ومن لف لفها. في حين ان كل مؤيدي القضية الوطنية الكبرى، لهؤلاء الثلاثة الاقمار اللبنانيون الكبار، يلتفون حول المقاومة بقيادة حزب الله والسيد حسن نصرالله. وستكشف الايام ان الذين اغتالوا رفيق الحريري هم أنفسهم اعداء القضية الوطنية، حينما تخلى عن الاضطلاع بمهمة مخلب قط ضد المقاومة، كما تريد ولا تستطيع جوقة حسب الله في سيرك 14 اذار.

جورج حداد كاتب لبناني مستقل