العدد الرابع والخمسون تشرين الأول 2010

لعبة المصالح والتوازنات الدولية الجديدة
الاثنين 13 كانون الأول (ديسمبر) 2010.
 

هذا العالم الذي نحيا فيه، عالم متغير، وتتحكم فيه موازين قوى عالمية تفرض نفسها في حركة الواقع العالمي على كل المستويات الاقتصادية والسياسية والعسكرية وغيرها، لذا لا بد من فهم واقع هذه التوازنات المتغيرة في كل مرحلة، والبناء عليها في وضع الاستراتيجيات والخطط التي تعتمدها الأمم والشعوب والدول في عملية حماية مصالحها الوطنية والقومية، اي مصالح شعوبها في التنمية والحرية والسيادة والتقدم. مازال المشهد العالمي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ونهاية الحرب الباردة يشغل المفكرين والباحثين، فقد كانت التحولات لغير صالح أمتنا والمسألة الفلسطينية، ولكن من إبجابياتها تشكل وعي شعبي يسعى للمشاركة السياسية، وقد سمحت حرب الخليج الثانية للولايات المتحدة بأن تتحول إلى الدولة القائدة وإلى بناء نظام عالمي أحادي القطب، ولكن أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001 أظهرت هشاشة الأمن القومي الأميركي، فقد أمكن لمنظمات صغيرة أن تهدد هذا الأمن. ولكن الأحداث أعطت الغطاء "الشرعي" للولايات المتحدة الأميركية لتحقيق جدول أعمالها والانتقال نحو نظام كولونيالي - استعماري جديد، ولتوطيد هذا النظام ظهرت فكرة "الحرب على الإرهاب " التي تخفي وراءها الحرب الفعلية على كل حركات المقاومة لشعوب وأمم هذا العالم المقهورة والمغلوبة والمستضعفة في نضالها من أجل الامساك بقرارها ومصالحها الحيوية بعيدا عن الارتهان والهيمنة الأجنبية، أي تصفية كل جيوب المقاومة. كل هذه التحولات في موازين القوى العالمية والتي بدأت عملياً مع انهيار الاتحاد السوفياتي لم يكن في صالح شعوب العالم العربي تحديداً، وشكلت ثغرة كبيرة في التوازن الدولي. وكل الوضع العربي الحالي هو محصلة خسارات متعددة دبلوماسياً وإستراتيجياً نتيجة اختلال الموازين الدولية، وايضاً نتيجة عوامل داخلية مختلفة ومتعددة، وتكمن المشكلة في الأنظمة السياسية العربية التي ما زالت بعيدة عن المصالح الوطنية لبلادها، فالشعوب العربية تشعر بأنها من دون قيادة، وأن الفرص لإقامة تكتل عربي يجد مكاناً في الخريطة العالمية التي تتشكل اليوم تقضي عليها الأنظمة السياسية بغيابها الكبير عن الهموم والأولويات الوطنية والقومية. بدت الولايات المتحدة الأميركية في هذا المشهد، وقد تحولت إلى إمبراطورية يقودها تيار يميني أصولي متطرف، وجاءت أحداث 11 سبتمبر لتوفر مناسبة وغطاء لتنفيذ خطط كانت معدة من قبل لتفكيك العالم العربي وإعادة تركيبهمن جديد. ولكن المشهد العربي والعالمي الجديد وبالرغم من كل السوداوية المحيطة من كل صوب، أظهر نماذج من مقاومة الاحتلال والاستبداد مازالت على قدر من الأهمية والفاعلية جعلت فرص النهوض والتحرر والإصلاح ممكنة وواقعية. لقد تعرضت عملية اتخاذ القرار السياسي الأميركي لحالة اختطاف، قام بها مجموعة من حوالي 30 شخصية يمثلون النواة المركزية لدائرة صنع القرار السياسي الأميركي، وتتركز برامجهم ومصالحهم في زيادة الإنفاق العسكري واستثمار التفوق الأميركي الراهن في قمع الدول والمجتمعات بالقوة العسكرية، ومنع ظهور أي فرصة لنمو قوة منافسة جديدة. وتعبر عن هذه السياسة المطبقة اليوم وثيقة وضعت في البنتاغون عام 1992 بإشراف وولفويتز الذي عين فيما بعد نائباً لوزير الدفاع ثم رئيساً للبنك الدولي، وتشير الوثيقة إلى تطويق روسيا ومنع الصين من تحقيق موقع إقليمي كمقدمة لموقع دولي، وتوسيع حلف الأطلسي إضافة إلى ضبط المحاولات الفرنسية الألمانية لتشكيل محور مؤثر. وهكذا فإن الولايات المتحدة والعالم بطبيعة الحال قادتها لسنوات وما زالت متحكمة بدوائر القرار الكبير فيها تركيبة من المحافظين الجدد والرأسمالية المتوحشة ونزعة عسكرية متعجلة ووساوس دينية في حالة تشبه التأزم الذي سبق الحرب العالمية الثانية، الذي بدأ بتشكيل تحالفات عسكرية ظهرت بوادرها في الحلف الفرنسي والكتلة العسكرية لروسيا مع ما يسمى بدول الجوار القريب. ويقابل هذه الموجة صعود لدول واعدة في أميركا اللاتينية، وكذلك الصعود الصيني وتنامي الآليات الرأسمالية في بنية الصين الاقتصادية، وتحولات في بنية سلطتها السياسية من الشكل الأيديولوجي إلى الشكل التكنوقراطي، وهناك تحول أيضا في شبكة العلاقات الدولية، ومع ذلك لا تعمل الصين على طرح نفسها قوة عالمية بل تسعى إلى تحقيق نتيجة محددة قوامها تأكيد الشخصية القومية داخلياً، وضمان توفير مركز إقليمي متفوق. لقد نشأت اذاً عن نظام القطب الواحد وتفرد الولايات المتحدة بقيادة العالم مشكلات وأزمات كثيرة أدت بالعالم إلى حافة الهاوية، كما حدث في غزو العراق عام 2003 دون غطاء من الشرعية الدولية، وهناك من يرشح قوى جديدة صاعدة قد تنافس الولايات المتحدة على القيادة أو تشاركها في ذلك، فيرشح جوزيف ناي مثلاً الصين والهند واليابان، ولكنه يستبعد قدرتها على ذلك في المدى المنظور. وبالطبع فإن العالم في سعيه لإعادة صياغة التوازنات العالمية يحتاج إلى إدماج الشعوب والأمم المتخلفة تقنياً ضمن دينامية تنموية مفتوحة على قيم التقدم والتحديث والديمقراطية وحقوق الإنسان، وتسخير المعارف والعلوم والموارد المتاحة لصالح تنمية إنسانية عالمية مستدامة وتضامنية تنبذ العنف وتسعى لتحقيق السلم الحقيقي. ومن أهم ملامح المشهد العالمي الجديد تقدم القوى السياسية والمعارضة للولايات المتحدة الأميركية في بعض دول أميركا اللا تينية، وتعرض عملية اتخاذ القرار السياسي الأميركي لحالة اختطاف، قام بها مجموعة من حوالي 30 شخصية يمثلون النواة المركزية لدائرة صنع القرار السياسي الأميركي، وتتركز برامجهم ومصالحهم في زيادة الإنفاق العسكري واستثمار التفوق الأميركي الراهن في قمع الدول والمجتمعات بالقوة العسكرية، ومنع ظهور أي فرصة لنمو قوة منافسة جديدة. وتعبر عن هذه السياسية المطبقة اليوم وثيقة وضعت في البنتاغون عام 1992 بإشراف وولفويتز الذي عين فيما بعد نائبا لوزير الدفاع ثم رئيسا للبنك الدولي، وتشير الوثيقة إلى تطويق روسيا ومنع الصين من تحقيق موقع إقليمي كمقدمة لموقع دولي، وتوسيع حلف الأطلسي إضافة إلى ضبط المحاولات الفرنسية الألمانية لتشكيل محور مؤثر. وبالطبع فإن العالم في سعيه لإعادة صياغة التوازنات العالمية يحتاج إلى إدماج الشعوب والأمم المتخلفة تقنيا ضمن دينمائية تنموية مفتوحة على قيم التقدم والتحديث والديمقراطية وحقوق الإنسان، وتسخير المعارف والعلوم والموارد المتاحة لصالح تنمية إنسانية عالمية مستدامة وتضامنية تنبذ العنف وتسعى لتحقيق السلم. وتقدم دول أميركا اللاتينية تجربة مهمة للعرب، لأنها كانت السباقة في الحصول على الاستقلال وتداول السلطة عن طريق صندوق الاقتراع مرات عديدة، بينما لم يحصل ذلك بعد في أي بلد عربي. ولكن هذه الدول تعاني من الأزمات الاقتصادية حينما حاولت الانتقال إلى إنتاج الآلات عن طريق التعاون مع الشركات الدولية، فقد اقتضت هذه السياسات والتحولات الاقتصادية الحصول على رؤوس أموال كبيرة، وكان هذا سبباً في أزمة المديونية، ما أتاح الفرصة لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي للتدخل في إعادة تشكيل نمط اقتصادي سياسي فيها، ووقعت اتفاقيات للتثبيت ثم للتكيف الهيكلي مع البنك والصندوق الدوليين. وتمثل الهند قوة إقليمية واعدة، فهي سابع دولة في العالم في المساحة، وثاني أكبر دولة في عدد السكان، وتمتلك مساحة واسعة من الأراضى الزراعية والقابلة للزراعة، وموارد طبيعية هائلة من الفحم والبوكسايت والحديد الخام، وموارد بشرية هائلة مدربة تدريبا عاليا، وصناعة متقدمة، وتكنولوجيا معلوماتية ونووية وفضائية متقدمة، وهي بلد ذو نظام سياسي ديمقراطي، ولكنها تعاني من تحديات حقيقية وكبرى، منها تصاعد التيارات الأصولية وتصاعد الحركات الانفصالية وتدني المستوى الاقتصادي وسباق التسلح مع باكستان الذي يكلفها الكثير. وبعد الحرب الهندية الباكستانية تبنت الهند دورا جديدا يقوم على فكرة أن الهند هي أكبر دولة في جنوب آسيا، وهي حامية وبانية التوازنات، وتسعى إلى تحديد التوجه الإستراتيجي الأساسي لدول جنوب آسيا، بل وتسعى الآن إلى دور آسيوي، وتطمح إلى توظيف التحالفات العالمية كي تكون هي ركيزة التوازنات الآسيوية. أما روسيا فقد مرت بعد انهيار الاتحاد السوفياتي بأزمات وتحولات كبرى، فقد استقلت الجمهوريات الإسلامية وغيرها، وامتد حلف الأطلسي إلى الشرق متوغلا في مناطقها، وتحولت إلى دولة مأزومة هشة التكوين متعددة الأعراق والقوميات، ولكنها بقيت بعد كل عمليات التفكيك والانهيار قوة عسكرية ونووية هائلة. وتشغل روسيا موقعاً في الدول السبع الصناعية، ولكن صادراتها قليلة جداً بالنسبة للولايات المتحدة، وبدأ اللوبي الإسرائيلي بالسيطرة على كثير من مفاصل السياسة والإعلام والاقتصاد، ولكن ثمة صراع خفي لاعادة بناء واقع روسي جديد يفرض نفسه في الواقع الدولي، ثمة سعي لكشف كل المحاولات من جانب قوى ضغط داخلية مرتبطة خارجياً للامساك بمفاصل القرار الروسي الجديد وتفكيكها وصولاً الى اعادة التقاط القرار الروسي المستقل الذي يطمح لصياغة دور روسي عالمي جديد يتناسب والقدرة الروسية والامكانات وترسيخ النفوذ الروسي التقليدي في دائرة المصالح الروسية المباشرة في دول المحيط الأروروبي وفي نطاق آسيا الوسطى والقوقاز والشرق الأوسط. خلاصة القول، ان التوازنات الدولية دائماً متطورة وهي محكومة بالقدرة والمصالح والتناقضات، ولا بد لشعوبنا وأممنا أن تنفذ من خلال هذه التناقضات وصياغة تحالفات دولية، والاستفادة من تقاطعات مصالح قائمة، لترسيخ قدراتها في عملية الصراع الذي تخوضه من أجل التحرر والتنمية والحفاظ على الوجود.

زهير فياض