العدد الرابع والخمسون تشرين الأول 2010

حتى لا تتكرر الحروب الصليبية السبع:الإسلاميون والمسيحيون مدعوون لإعلان عروبة القدس وفلسطين
الاثنين 13 كانون الأول (ديسمبر) 2010.
 

لمناسبة يوم القدس العالمي دعا مركز دلتا للصحافة والابحاث ومنتدى تحولات إلى ندوة فكرية تحت عنوان "موقعية القدس في الوعي الديني المسيحي والإسلامي، قدمها الإعلامي معمر عطوي وحاضر فيها الدكتورة نشأت الخطيب والدكتور ميشال السبع.

وفيما يلي نص محاضرة الدكتور السبع:

موقعية القدس في المسيحية عنوان مفخخ، فإذا قلنا أنه كثير الاهمية ويجب الدفاع عنه اعطينا التبرير للحروب الصليبية وبيضنا صفحات سوداء في تاريخ السلطة المسيحية المدنية والدينية. وان قلنا لا اظهرنا وكأننا لا نأبه لرموز المكان التي فيها وجدانيات المسيحية. لهذا اقول انه مفخخ. اولاً في القدس: القدس مدينة قديمة والبعض يعتبرها الاقدم في التاريخ، وهي مدينة مقدسة اسوة بكل المدن القديمة لأن كل المدن القديمة كانت تشيّد تحت حماية اله أو على اسمه. وفي العصر اليوناني تداولها المؤرخون كمدينة لايلياه أو بيت الاله ايل وبطبيعة الحال ليس في الآلهة اليونانية اله يدعى ايل بل هو اله كنعاني بامتياز، وصار اسمه معرفة لكل الآلهة الاخرى أو ملحقة بصفاته وشيدت مدن كثيرة على اسمه اسوة ببعل وهناك قرى كثيرة في لبنان تحمل اسم ايل أو بعل في اولها أو آخرها. ورغم ان الابحاث الاركيالوجية لا تذهب اكثر من 3000 ق.م. لترى ان الكنعانيين سكنوها مما يعني انها كانت قائمة قبلهم الا ان الكنعانيين هم الذين اطلقوا عليها اسم الاله ساليم أي اله الشفاء والتجديد حيث لفظة سليم تعني صحيح الجسم والشفاء يعني تجديد الجسم والعمر، وكلمة شلومو العبرانية تقابلها شلونو بالآرايه، وما زال ينطق بها اهل الشمال السوري أي ما هو لونو أي كيف صحتو لأن اللون يدل على الصحة اصفراراً أو احمراراً أو باهتاً. وهذا ربما لموقع المدينة ذات المناخ الصحي كما وجوده. فصار اسم المدينة اور سليم ولفظة اور في الاكادية تعني مدينة بالمطلق كما ان اور هو اسم مدينة في الشمال الغربي من العراق التي خرج منها ابراهيم واخرج منها الى منطقة فلسطين. وقد ظلت بيد الكنعانيين حوالي 1500 عاماً الى ان احتلها المصريون لكنها سرعان ما وقعت تحت ايدي قبائل البدو الذين يطلق عليهم (الخابيرو) واعتقد انها لفظة تعني العابرون ومنها اشتقت كلمة العبرانيون وليس انها اشتقاق عبرهم البحر الاحمر الغير مقبولة كثيراً لأن اليهود لم يُعرفوا براكبي الامواج. وظلت المدينة تحت ايديهم ودعيت بلغتهم اورشليم أو مدينة اله سالم أو الصحيح والجديد والمتجدد وبما ان من طبيعة اليهود انهم لا يعرفون السلام وليس في منطقهم ولا عقيدتهم ولا تاريخهم فأعتقد ان اورشليم تعني مدينة الاله الثاني والمنقذ المصحح والمجدد وبالتالي تعني كلمة اوشليم اور الجديدة اسوة بالانكليز المشبعين بالعهد القديم الذين بنوا مدينة في بلاد ليست لهم واطلقواعليها يورك الجديدة أو نيويورك. عملياً استطاع اليهود ان يؤسسوا مملكتان شمالية دعيت مملكة افرائيم أو اسرائيل وجنوبية ودعيت مملكة يهوذا التي تنتمي الى داؤود وابنه سليمان اللذان بنيا فيها الهيكل الشهير واطلقا على اورشليم اسم المدينة المقدسة أو البيت المقدس. استمر حكم اليهود حتى سيطر عليها البابليون ثم الفارسيون ثم اليونانيون ثم الرومانيون وفي عهدهم قامت المسيحية ثم المسلمون وفي الارقام حكم القدس الكنعانيون 1500 عاماً، المصريون مئتا عام، اليهود 600 عاماً البابليون والفارسيون مئتا عام اليونانيون 400 عاماً الرومانيون 700عاماً والعرب حكموها منذ القرن الاول الهجري أي السابع ميلادي حتى اليوم تخللها فترات قصيرة نسبياً بيد الغربيين تحت اسم الحروب الصليبية أي ما يقارب لليوم بألف و 300 عاماً. فإذا كانت (الغلبة للارقام) تكون القدس بكل بساطة كنعانية عربية. ثانياً في المسيحية: مسيحياً، القدس أو اورشليم كانت احدى الاماكن الاساسية التي عاش بها المسيح الفلسطيني والتي كانت فلسطين بعهده تضم الاردن وجنوب لبنان ابان الحكم الروماني. وقد كانت نقطة انطلاق تلاميذ المسيح بعد رحيله عنهم للتبشير به وعندما قام خلاف بينهم على اثر تبشير اليهود أو تبشير الوثنيين اقاموا مجمعاً دعي بمجمع اورشليم وهو اول مجمع مسيحي حل الخلاف والذي انتصر فيه بولس ذات الفكر اليوناني على بطرس الصياد الامّي واقنعه بضرورة تجاوز اليهود الى الامم الاخرى. وقد استمرت البشارة زهاء 300 عاماً بشكل سلمي وقد مات آلاف المسيحيين لمجرد انهم اعتنقوا ديناً هو غير دين الدولة الرومانية الى ان قام امبراطور روماني اسمه قسطنطيوس فقلب المعادلة واستعمل المسيحيين جنوداً في الصفوف الامامية واقنعهم ان البشارة بالمسيح لا يمكن ان تبقى سلاميه بل يجب ان تكون عنيفة وان المسيح طرد تجار الهيكل واعلن انه جاء لا ليلقي سلاماً بل سيفاً متى 10/24/ مما دفعهم للقتال حتى الموت لانهم جنود المسيح أو جنود الله أو فرقة الله أو حزب الله وعندما اعلن قسطنطين ان الديانة الرسمية للامبراطورية هي المسيحية بتأثير من امه المسيحية سارع الى بناء كنيسة القيامة وجعل القدس مدينة المسيحية بامتياز. وصارت عند المسيحيين تدعى اورشليم الجديدة تماماً كما كانت في الماضي اور ثم صارت اور الجديدة. منذ - القرن الخامس صارت قوافل الحجاج المسيحيين تأتي من كل المناطق لتتبارك بمكان ولادة المسيح وصلبه وكنيسة القيامة وزيارة الاماكن التي جرت فيها احداث الانجيل كبيت عنيا وسواحل صيدا وصور وظلت هكذا حتى دخلها المسلمون عام 636 علماً انه في التقليد الاسلامي ان النبي محمد زارها اسراءً عام 621 كما يذكر التقليد ان الخليفة عمر بن الخطاب عندما تسلم القدس من يد البطريرك صفرونيوس كتب له العهدة العمرية وغيّر رسمياً في الوثائق اسم اورشليم وايلياه الى القدس.ثم بنى الامويون مسجد قبه الصخرة عام 690م. لكن سيطرة المسلمين على المدينة المقدسة مسيحياً اثارت حفيظة المسيحيين فراحوا يرفعون الصلوات لاعادتها اليهم ثم ما لبثت ان تحولت صلواتهم الى دعوات للحرب فقام الباباوات يدعون للحروب تحت راية الصليب لتحرير الاراضي المقدسة دعيت بالحروب الصليبية وبطبيعة الحال فإن حروبهم لم تكن تهدف فقط الى السيطرة على القدس أو حتى على فلسطين بل الحرب على الدولة الاسلامية التي هددت باجتياح اوروبا ولولا شارل مارتل في معركة بواتية عام 732 لكان الجيش الاسلامي دخل اوروبا. وفي عام 849 جهّز البابا لاون الرابع اسطولاً ضخماً لمحاربة المسلمين لكنه تحطم في عاصفة عام 882 ارغم المسلمون البابا يوحنا الثامن من دفع جزية وابتداءً من عام 900 بدأ الفساد يدب في الاوساط الباباوية وانتشرت الحروب المحلية والعائلية فكان ان اعلن البابا اوربانوس الثاني الحرب الصليبية الاولى عام 1095 ليوحد الجميع ضد المسلمين ورغم الخسائر الاجمالية للحملات الصليبية فقد ظلت هاجساً للباباوات خوفاً من احتلال المسلمين لروما نفسها وقام البابا كاليستوس الثالث عام 1455 بتخصيص املاك عائلته من آل بورجيا ومداخيل كل الكرسي الرسولي واوقف الاعمال العمرانية وبنى اسطولاً بحرياً ضد المسلمين الاتراك لكنه فشل. مما دعا البابا للاكتفاء باعادة اسبانيا من العرب المسلمين عام 1492. ثالثاً في الوجدان الديني: في دراسة معمقة للاستاذين د. حسين حداد ود. سليم مجاعص يريان ان الاديان التوحيدية الثلاث اليهودية والمسيحية والاسلام تتمايز عن غيرها من الاديان كونها تتفق على ان الله يفعل في التاريخ أي يصبح التاريخ الانساني مقدساً كونه فعلاً الهياً وبالتالي فإن الشخصيات كي تكون مقدسة بالفعل الالهي يجب ان تكون تاريخية وواقعية وحقيقية من هنا ثبتت شخصيات موسى والمسيح ومحمد واعتبرت الشخصيات الاخرى خارج هذه الاديان لا تاريخية وبالتالي غير مقدسة ووثنية. وتاريخية هؤلاء الاشخاص تأتي من علاقاتهم المباشرة مع الله في زمن معين ومكان معين، لذا كان تاريخ ميلادهم مقدساً والامكنة التي عاشوا فيها مقدسة وكل حركاتهم وافعالهم مقدسة وبالطبع فموتهم مقدس ايضاً حتى انه عند المسيح بالنسبة للمسيحيين كان انتصار المسيح على الموت بالموت هو انتصار على حتمية التاريخ نفسه. لكن كون هذه الديانات تقسم الى قسمين قسم مسيحي هو ديانة المدن وقسم اسلامي وموسوي وهما ديانتا القبائل والصحراء فإن اله الصحراء هو اله مقاتل جبار منتقم للحق والله يسحق الاعداء دون رحمة في حين ان اله المدينة هو اله رحوم ومحب لا عداوة عنده ولا انتقام. من هنا كانت مقاومة اليهود بالسيف ومقاومة المسلمين بالسيف اما المسيحيون فقاوموا بالموت طوعاً ودون مقاومة وذبحوا كالخراف واشعلهم نيرون كقناديل اضاءت ساحات روما. وعندما انتشرت الديانات الثلاث في بلاد الشرق تفاعلت مع المفاهيم الدينية الميتولوجية ذات الاصول الاسطورية فتداخلت الاحداث ببعضها فقامت الديانات الصحراوية بقتل كل من يقول بغير ما تقول أو يشارك أو يشرك بغير ما تعتقد أو تضعه في خانة القصاص أو الدونية في حين حاولت المسيحية ان تمسحن وتعمد كل ما هو وثني معتبرة أنها ليست ديانة لاحقة بل هي في البدء والآن وعلى الدوام والى الابد. من هنا دخلت الطقوسيات الوجدانية القديمة وخصوصاً الكنعانية في المسيحية بشكل اسهل وصارت الادبيات المستعملة خصوصاً في الموت والقيامة شبه متطابقة مع موت تموز وقيامته. ولأن الوجدانيات المشرقية كانت غير تاريخية كونها اسطورية تداخلت مع الايمان المسيحي المؤرخ صارت الامكنة ثابتة والزمن متواتر ومعاد بحيث ان العادات والتقاليد الوجدانية تعاد كل سنة انما في مكانيتها التاريخية وتفاصيلها الارضية الجغرافية. من هنا تصبح القدس خصوصاً وفلسطين عموماً ذات اهمية اساسية في الوجدانية المسيحية المشرقية خصوصاً - تتمايز عن وجدانية المسيحي الغربي الذي يفتقر الى العمق الوجداني الديني - الميتولوجي الكنعاني القديم. من هنا كانت الصعوبة عند الغربيين أن يقبلوا بالموت والقيامة فصار شعارهم الصليب وهو رمز الموت والفداء اما الشرقيون فالمسيح لديهم هو القائم من الاموات والحي الدائم وفي كل الاتجاهات كون الامكنة تاريخية مرتبطة بالحدث التاريخي فإن الوجدان ينصب على زيارتها والتبرك منها وكل مؤمن يعتبرها ارضه المقدسة وملك له لذلك لا يمكن للمسيحيين ان يتصوروا ان الاراضي المقدسة وخصوصاً القدس هي تحت الوصاية الدينية لغيرهم وتشهد كنيسة القيامة معركة حقيقية كل عام بين القساوسة المسيحيين انفسهم حول اولوية اضاءة شمعة النور يوم عيد القيامة . لكن قدسية الموقع التاريخي للحدث ثم استغلاله عند السياسيين خصوصاً الكرسي البابوي وهذا ما برر الحروب الصليبية لدى الكرسي الباباوي وهذا ما لعب اليهود على وتره عندما دعوا الى اقامة دولة في ارض آبائهم واجدادهم غير عابئين بسكان فلسطين الحاليين ويشهد المسلمون من كل عام ملايين الحجاج الى الاماكن المقدسة لديهم. وعندما لا يتمكن الحجاج من الحج الى الاماكن المقدسة يذهبون الى اماكن يعتبرونها مقدسة بتقديس المقيمين فيها كما فعل الحجاج المسيحيون عام 1600 فحج منهم ثلاثة ملايين حاج الى الكرسي الرسولي في عهد اكلمنضوس الثامن الذي اعتبره الناس اب الفقراء. رابعاً - هل يخدم موقعية الاراضي المقدسة في القدس القضية الفلسطينية؟ الدين المسيحي دين شمولي وكذلك الدين الاسلامي في حين ان الدين اليهودي يختلف عنهما فهو دين شوفيني عنصري لأنه موجه فقط لاولاد الامهات اليهوديات وهو بالتالي ليس ديناً تبشيرياً اذ لا دخول في اليهودية لكن اليهودية السياسية المتمثلة اليوم بالصهيونية استعاضت عن التبشير باليهودية الى التبشير بالاحقية اليهودية وتسخير قدراتها لشحن عقول المسيحيين الغربيين بالتعاطف مع هذا الدين انطلاقاً من ترسيخ الاصول المسيحية في اليهودية وقد كان لانجيل متىوهو الانجيل الاول من الاناجيل الاربعة تأثير كبير على اعتبار يهودية المسيح وانحداره من سلالة داؤود مما يعني تعاطفاً مع الاصل وقد استغل ذلك اليهود الصهاينة وراحوا يبثون هذا التعاطف من خلال المزامير بحيث راح يتشبه المغامرون الجدد الذين ذهبوا لاستعمار العالم الجديد بالشعب اليهودي التائه الذي يبحث عن ارض ميعاده واليوم يثبت الصهاينة عواطف المسيحيين الاميركيين تحديداً تجاه الاراضي المقدسة كارض ميعاد يهودية عاش عليها المسيح مما يعني قبول المسيحيين المتصهينين الجدد بأن تكون اسرائيل اليهودية هي صاحبة الارض وعندها يكون الحج المسيحي لأماكن عاش عليها المسيح لكنها ارض ابراهيم وموسى وداؤود. مما يعني عملياً ان مطلب المسيحيين هو الحج واشباع الوجدان المكاني بالزيارة وهذه النتائج تخدم اسرائيل بشكل كامل ولا تجعل المسيحيين معنيين بالشعب الفلسطيني بالذات. لذا، فإن التركيز الديني على الارض هو صناعة يهودية اليوم في حين ان المطلب الحقيقي لنا هو اقامة الوطن الفلسطيني لا المسيحي ولا الاسلامي وحكماً لا اليهودي . ان اعطاء أي طابع ديني لمدينة القدس لا يخدم ابناء فلسطين ولا يتصورن احد ان شعار اسلامية القدس يخدمها امام العالم لانها ستواجه بيهودية القدس الذي يراه الغرب المسيحي اقرب بكثير من اسلاميتها. لذا، فالمسيحيون في البلاد العربية والاسلاميون في البلاد العربية مدعوون لاعلان عروبة القدس وعروبة فلسطين وان قدسية المكان متحف محنط خارج الانسان وان الانسان وحده يضع التاريخ ويقدسه وان كنيسة المهد والقيامة وقبة الصخرة وكل المعالم الدينية لا تساوي طفلاً فلسطينياً واحداً يضحى به من اجل هذه الشعارات الدينية.