العدد الرابع والخمسون تشرين الأول 2010

الخطايا الشائعة...أين حدثت؟
الاثنين 13 كانون الأول (ديسمبر) 2010.
 

صدرت رواية الخطايا الشائعة للأديبة فاتن المرّ عن دار النهار، وفي هذه الرواية، تستمرّ المرّ في حمل قضيّة المقاومة، ومعالجتها في بنية روائية متينة، تعبّر من خلالها عن كلّ ما يرتبط بها بغية إيصالها إلى المتلقّي. وفاتن المرّ أديبة كبيرة، لأنها تحمل ثقافة كبيرة، وهَمًّا كبيرًا. أمّا ثقافتها، فبالإضافة إلى تحصيلها الخاصّ، فإنّ حَمْلها لثقافة النهضة القومية الاجتماعية، جعلها تحمل صفة الكِبَر، وأمّا الْهَمّ الكبير، فقد حَمّلتها إيّاه تلك الثقافة، المبنية على مسائل كبيرة عدّة، المجتمع والمواطنة، حركة الصراع والوحدة، المقاومة والتحرير... أمّا الخطايا الشائعة، كما رواية الزمن التالي (التي صدرت للأديبة عام 2008)، فإنهما وليدتا تلك الثقافة وذلك الهمّ. ولكن، أين حدثت الخطايا الشائعة؟ تدور أحداث الرواية في ثلاث دوائر مكانية: بريطانيا، ولبنان، وفلسطين. وقد حصل اختراق للحدود بين الدوائر الثلاثة. في البداية عندما وصلت مارغاريت، والدة ماري-كريستين، من بريطانيا، إلى لبنان، مع جمعية أطباء بلا حدود، وزواجها بمازن الكوثري، الذي ستحمل منه وتسافر قبل الولادة. الاختراق الثاني عندما تسافر ماري - كريستين من بريطانيا إلى لبنان أيضًا، بعدما عرفت بأنها ابنة اللبناني مازن الكوثري، وبأنّ الاستشهادية زينة الكوثري شقيقتها، فأرادت أن تتعرّف إلى عائلتها، وإلى تفاصيل حياة زينة، فجاءت بصفتها صحفية تُجري تحقيقًا عن العمليات الاستشهادية. يحصل الاختراق الثالث عندما يسافر كلّ من أنور، حبيب ماري - كريستين، إلى بريطانيا للقائها، وعندما تسافر سهاد، صديقة أنور وزينة، إلى بريطانيا أيضًا، لقضاء فترة من الراحة مع ماري - كريستين. أمّا الاختراق الرابع، فهو عندما تسافر ماري-كريستين إلى فلسطين، حيث يكون مقدّرًا لها أن تستشهد كشقيقتها، عندما تحاول إيقاف جرافة عن هدم بيت فلسطيني، فتدهسها وتهدم البيت. ولكن، ما دلالة هذه الاختراقات الأربعة؟ لقد أدّى اختراق الحدود بين الدوائر المكانية إلى خلق ثلاثة أنواع من المكان، داخل المكان الواحد، بالنسبة إلى الشخصيات، وتحديدًا شخصيّة ماري-كريستين الإشكالية. هذه الأنواع هي: المكان الأيديولوجي، والمكان الهوية، والمكان النفسي. فالمكان لا يقتصر دوره على تقديم الاستراحات الوصفية، ولا هو مجموعة شرائح جمالية، ولا هو مسرح محايد تحصل عليه الأحداث وتتنقل داخله الشخصيات، وإنما هو، فضلاً عن ذلك كلّه، علامة تتضمن مدلولات أيديولوجية ونفسية وغيرها... كانت ماري - كريستين تظنّ أنها تنتمي انتماءً تامًّا إلى بريطانيا، إلاّ أنها لم تكن تعرف، أنّ سفر والدتها إلى لبنان، سيكون سببًا في تشتّت هذا الانتماء وضياعه فيما بعد، وأنّ ما كانت تؤمن به من قضايا ومواقف، سيجعلها سفرها هي أيضًا إلى لبنان، تؤمن بمواقف وأفكار أخرى، بعد لقائها بعائلات استشهاديين، قدّموا أنفسهم دفاعًا عن وطنهم، بل أكثر من ذلك، فإنّ اختراق الحدود بين بريطانيا ولبنان، جعل ماري - كريستين تأخذ موقفًا أيديولوجيًّا بامتياز، وهو سفرها إلى فلسطين، وهنا أرادت الكاتبة أن تحمّل الشخصية موقفها بشكل غير مباشر، وهو اعتبار فلسطين جزءًا من الوطن الأكبر، فانتماء البطلة، أرادته الكاتبة انتماءً قوميًّا لا لبنانيًّا، وهذا ما تمّ التعبير عنه بشكل واضح حين تستشهد البطلة على أرض فلسطين. أمّا المكان الهوية، فقد أدّى اختراق الحدود إلى جعل ماري-كريستين تعيش أزمة هوية، منذ معرفتها بأنّ والدها لبناني، وبأن شقيقتها استشهادية، بل كما كانت تفكر، انتحارية، فبريطانيا ما عادت وطنها، ولا عادت تنتمي إليها لكونها ولدت وعاشت وعملت فيها، أمّا هويتها الحقيقة، فهي ما اخترقت من أجله الحدود بحثًا عنها، ووجدتها، لكنّها ظلّت في حالة صراع انتماء مع الذات، ولكنّ الهوية الأساسية هي التي ستنتصر، فهي عندما أرادت الاستقرار في بريطانيا بعد تشوّه فخذها وبتر ثلاث أصابع من قدمها، إثر إصابتها بشظايا قذيفة في حرب عناقيد الغضب، نجدها بعد فترة قصيرة، تسافر مع حملة صديقها تييري إلى فلسطين، للتعرّف عن كثب إلى أحوال ومعاناة ذلك الشعب. موافقتها على السفر، ثمّ سفرها، جاءا نتيجة لانتمائها إلى ذلك الشعب، وإلى معاناته، وهذا ما أدّى بها إلى التضحية بنفسها من أجل ذلك الشعب/شعبها. أمّا المكان النفسي، وهنا سنتحدّث عن البعد النفسي الذي أدّاه اختراق الحدود، فها هو المكان يؤثر على نفسية الشخصية بحسب تنقلها ووجودها، وبحسب الأحداث والمواقف الناتجة عن وجودها في المكان. فالجنوب اللبناني مثلاً، لم يحمل لماري-كريستين تبدّلاً بمواقفها الأيديولوجية، واكتشافها لهويّتها وانتمائها، بل حمل لها أيضًا علاقة حبّ كبيرة، أثرت كثيرًا في نواحي عديدة من شخصيّتها... فإذًا، لقد اتخذت فاتن المرّ من دائرة لبنان المكانية، فضاءً، أدى اختراقه دورًا نفسيًّا شكّل محورًا هامًا في حركة تشكّل النصّ، من خلال حركة تشكّل شخصية ماري - كريستين. لقد أدّى المكان الدور الذي أرادته الكاتبة، فهو بوصفه الأرض والوطن، في رواية كانت العمليات الاستشهادية المحور الأبرز فيه، كان لا بدّ من أن يحمل على كاهله همّ القضيّة التي تحملها الكاتبة، والتي حمّلتها نصّها الروائي، فالدفاع عن الأرض وتحريرها، للوصول في النهاية إلى وحدتها، وهو ما بدأه أولئك الاستشهاديون، وما يجب علينا أن نكمله، وهذا محور آخر من المحاور المنتمية إلى انتماء الكاتبة النهضوي، والذي نقرأه في الخطايا الشائعة.

منير الحايك