العدد الرابع والخمسون تشرين الأول 2010

جديد الدراما السورية: إبداعها الدائم
الاثنين 13 كانون الأول (ديسمبر) 2010.
 

مما لاشك فيه أن رمضان، هذا الشهر الفضيل يحمل في اطلالاته على المؤمنين كل الخير والبركات، تتوحد قلوب المؤمنين على فعل الخير والكلمة الطيبة. والجميل فيه أيضاً أنه يحمل للمشاهد العربي، عبر التلفاز مجموعات كبيرة من المسلسلات العربية المصرية والخليجية والسورية، ما يهمني في هذا المقال هو الدراما السورية التي قدمت عبر التلفزيون اللبناني والسوري والخليجي، أجمل وأروع المسلسلات الدرامية، أقول هذا لأنني منحاز بالكامل، لهذه الحيوية التي تضج بها الدراما السورية، وخاصة في ما وراء الشمس والتي قدمته الـLBC، أو أهل الراية التي قدمته الجديد أو باب الحارة التي قدمته MTV. لقد سمعت آراء العديد من المثقفين والفنانين العرب، حول ما تم تقديمه في هذا الموسم، وكانت أراءهم في الغالب، على مستوى عالٍ من الايجابية، والبعض بدافع التنافس المهني، أو حتى من باب النقد الفني المتجرّد، أخذ الطابع السلبي، منهم من قدّم المصري على السوري، لجهة العراقة والأقدمية في الانتاج المصري، أو كما يحلو للبعض تسميته، إن الفنانين المصريين أهل صنعة، هذا يعني حضورهم الدائم في تلقي أي عمل فني والتعامل معه بجدية وسرعة مطلوبتين لانجاحه وايصاله للمشاهدين، والبعض كان صادقاً في توصيف المناخ الذي يحيط في الدراما السورية، والذي يضج بالحيوية الثقافية والفنية والذي يحتضنه مناخ متفاعل الى حدّه الأقصى في السياسة والاجتماع، والدعم المالي، ورعاية الدولة ومؤسساتها، ونشاط الكتاب واثبات قدرتهم على كتابة نصوص ابداعية ما وراء الشمس (نموزج) ويبقى أن أقول صدقاً، ان المقارنة مع باقي الانتاجات في عالمنا العربي هو في غير موقعه، كون الدراما السورية تخطت العتبة الشرقية مصطحبة معها بعض الانتاج التركي، أما فيما عدا هذا فهي في حدود العالمية وليس في هذا أي مبالغة ولا غلو. لقد أدهشني ما وراء الشمس، أولاً لأنه تناول موضوعاً، شائكاً وهو ليس من المواضيع المتداولة في عالمنا العربي، وهو الاعاقة فالمجتمعات الغربية، ومن خلال تجربة ما يزيد عن سبعة وثلاثين عاماً من الاقامة الدائمة في الولايات المتحدة الأميركية، ورزمة المشاهدات، والقراءات والمعاينات لبعضها على أرض الواقع، بالاضافة الى ما قرأت وسمعت عن كيفية التعاطي الأوروبي مع الموضوع عينه، وأخذت بالمعيار الأميركي والأوروبي، قياساً بحجم الادعاءات الأميركية والأوروبية حول النجاحات التي تحققت في تلك المجتمعات على الصعد الاجتماعية، والثقافية، والانسانية والطبيعية مع موضوع الاعاقة، ما يهمني هنا الناحية الثقافية، فأقول التالي: لا أعتقد أنه تم تقديم فيلم، أو مسلسل، يعنى بموضع الاعاقة بمثل ما قدمه ما وراء الشمس، ولو يترجم هذا العمل فإنه سيكون مرشحاً لأرقى الجوائز والميداليات، خاصة في المجتمعات الأميركية والفرنسية، والاسبانية، ذلك أنه أقام ثالوثاً رائعاً في مقاربته لهذا الموضوع، وهو: العلم الذي أتاح للزوجة من معرفة الاعاقة في جنينها، المعاينة المتبصرة لصورة معاق في الرواية ذكي، وقَّاد، مرح، محبّ، صادق، طاهر، غضوب، عطوف، اسمه علاء والكشف: الذي عرّى مجتمعنا العربي والشرقي والعالمي، بالكيفية التي يتعامل أو سيتعامل معها من يتعرض لهكذا تجربة في بيته، وعائلته بعضنا جبان في مقاربة هذا الموضوع حدّ التهلكة كما حصل مع الزوج في ما وراء الشمس والذي انتهى الى مجنون بالكامل. وبعضنا منى(الزوجة الحامل) ما وراء الشمس قصة رائعة، ذكية، مركَّبة، جريئة، للوهلة الأولى تعتقد أنها نص غربي، وبالحقيقة قد تخطت العربي والغربي، الحبكة موفقة، الممثلون جميعهم، صف أول، ممثلو بطولة، ولكن لي قول بدور بسّام كوسا، لقد كان نجماً لامعاً فوق الشمس وورائها وأمامها هو النور والدفء، والقوة والضعف، هو الاعاقة المتجسدة في القادر والمتمكن، وهو القدرة المكينة في المعاق المستضعف، وهذا ينطبق الى حدِّ بعيد على علاء. أما دور أبو راتب، وفي خليطها البارز بين الانسانية والانتهازية فقد كانت نقيصة ما وراء الشمس الوحيدة، كنت أتمنى لو تم تجاوزها. أما أهل الراية: فأهل الراية منقسمان الى أهل راية خير وأهل راية شر، في جزئها الأول تجسد الخير في أبو حسن (جمال سليمان) ورضا، وأم رضا، وابنة أبو حسن (قطر الندى)، بالاضافة الى المختار ورجل الدين (الشيخ) وأهل زوبر، وغوطة الشام والذي استمر في الجزء الثاني، مع ذات أسماء الجزء الأول ولو أصبح أبو حسن هنا الفنان عباس النوري عوض الفنان جمال سليمان لا أنكر مدى الاحراج عند المشاهد، ممّا رآه من قدرة عالية للفنان سليمان في دوره في الجزء الأول، والتي لم تصل حدّ الخيبة، وذلك عندما تبين له من قدرة البديل (الفنان عباس نوري) من امتلاك ناصية الدور، حيث بقي أبو حسن، بهي الطلعة، وقوراً وزعيماً لحارة التوته بالصوت والصورة وكل المواصفات الدمشقية القديمة. يضاف لأهل راية الخير في الجزء الثاني الفنانة التركية التي مثلت دور (نور آية) ابنة القائم مقام والتي كانت السبب الرئيس في إنقاذ (رضا) من حكم الاعدام، والقائم مقام نفسه وحتى الصدر الأعظم، وفي هذا لفتة سياسية ـ وتاريخية أجاد الكاتب في إبرازها على أنها إعادة نظر في مسار العلاقة التركية العثمانية مع السوريين والعرب، وربما إنصافها في مكان ما، وهل يعتقدن أحد بقدرته على لعب هذا الدور، بالفاعلية والجدوى أكثر من الدراما السورية. أما أهل راية الشر، فدلال خانم (كاريس بشار) كانت زعيمتهم، جماعة الشر كانوا، تنفيذاً لإرادتها، مطواعين لمشيئتها، جنوداً تحت قيادتها، وأمرتها، هي الآمر والمنقذ والمموّل، وكيف ستؤول إليه الأمور عندما تصبح مطلقة زعيم الحارة أبو حسن، وانكشاف أمرها بالدسيسة والمكر، وإلصاق تهمة الفجور والعيبة على ابنة أبو الحسن الصبية الطاهرة النقية المغلوبة على أمرها. قصي الخوري في دور (رضا) كان مميزاً، أثبت قدرة في التمثيل لم نلحظها في أدوار أخرى، فلا يمكن المقارنة مع الحلاق كشاش الذباب في دوره في رياح الخماسين على ما أعتقد. الفكرةمن أهل الراية كانت رائعة، والممثلون جميعهم صف أول، أبدعوا حدَّ الدهشة، الاخراج كان مميزاً، النص كان سهلاً الوجوه كانت جميلة وجذابة وقريبة الى القلوب، اللهجة الشامية المحببة، دخلت كل البيوت، وحتى الذين لا يطيقون أهل الشام بالسياسة. وفوق هذا فأهل الراية هم المنتصرون. أما باب الحارة: فسأتناول المشهد الأخير، لأنه يختصر كل أمانينا وأحلامنا، في كيفية التعاطي مع ظاهرة العمالة في أمتنا وعالمنا العربي. إنه يأخذنا الى لاهوت التحرير، الى محكمة الشعب بعفويتها وجرأتها، وسلامة وصحة قراراتها. مأمون بيك: عميل فرنسي يحمل اسم نمر، أرسلته المخابرات الفرنسية حاملاً اسم مأمون زيفاً ابناً لرجل محترم في الحارة الدمشقية والذي لم يعرف عنه شيء بعد مغادرتها ليعود ويرتكب كل هذه الأعمال القبيحة، حتى يتم كشفه، وعندما تمّ هذا للجميع وبمن فيهم إمرأته (فريال) أقاموا له هذا المشهد الرائع، للمحكمة الشعبية حيث أطلق الجميع عليه النار، بدءاً من (فريال)، زوجته التي أمرته بإعلان الطلاق، ولما طلّقها أطلقت عليه النار كما الآخرون، حيث أثبت أيضاً الفنان (قزق) قدرة على التمثيل، عالية المستوى، كما أثبت جميع الفنانين في هذا المسلسل المميز، أنهم وبحق صف أول. إنني أهنئ الـMTV على استضافتها للدراما السورية ولعل المشهد الأخير هو خير ما قدّمت لمشاهديها منذ فترة طويلة. أما الدراما السورية فقد كان جديدها هو إبداعها الدائم.

نسيب الشامي