سورية الطبيعية مشروعٌ مغيّب ومطلبٌ لا يمكن تجاهله

عرض:محمد علي شحاده جمعة-العدد السابع-كانون الثاني 2006
السبت 18 آذار (مارس) 2006.
 

قبل الدخول في عرض كتاب سورية الطبيعية دراسة جيوبوليتيكية

جيوتاريخية للعماد أول مصطفى طلاس في طبعته الثانية /2004/

الصادر عن دار طلاس، لابد من الإشارة إلى قلادة جبران خليل جبران التي

زين بها المؤلف كتابه وجعلها فاتحة له والتي يقول فيها: ..

وسورية كرمة قد نمت قُدُماً أمام وجه الشمس.. وأعطت لذيذاً تمجدت

بطعمه الآلهة.. وخمراً سحرياً شربت منه الإنسانية فسكرت، ولم تصح بعد

من نشوتها.

وقد أتبع هذه القلادة بإكليل وضعه على رأس مدخل كتابه وهي

عبارة قالها العلامة توينبي لتلميذه البروفسور ألبرتو حوراني عندما

سأله لماذا السوريون يتعلقون بالوحدة أكثر من غيرهم؟ فأجابه:

يتعلق السوريون بالوحدة أكثر من أي قطر عربي آخر لأنهم القطر

العربي الأكثر تجزئة وإذا كانت هذه العبارة تضع الملح على الجرح

فقد زاد المؤلف على ذلك تأثير المجال الجغرافي المتكامل، ونشوء

الممالك القديمة التي أضحت منارات حضارية ومناطق جذب للهجرات

السامية القادمة من الصحراء العربية القاحلة، أو لغزوات

الأقوام القادمة من الأناضول وما بين النهرين سعياً وراء الرخاء

وقطف ثمار الحضارة السورية، أو للاستفادة من موقعها الاستراتيجي،

على مفترق طرق التجارة بين آسيا وأوروبا وإفريقيا، وكذلك إطلالها

على البحر الأبيض المتوسط، ووجودها على خط التماس بين الشرق

والغرب، ما جعلها محطّ أنظار الدول والإمبراطوريات المتنافسة

ومسرحاً لصراعاتها السياسية والعسكرية وهدفاً لغزواتها

الاستعمارية، قديماً وحديثاً.

ثم بيّن أن هدف هذه الدراسة ليس التأريخ لسورية الطبيعية، وما

تعاقب عليها من أحداث وصراعات وتحولات، وما قام على أرضها عبر

العصور من ممالك قوية أو دول صغيرة متناحرة، وإنما الغرض إعطاء

المدلول العلمي لتعبير سورية الطبيعية وتحديد أصله ومدى اتساعه

ومكوناته الجيولوجية والجغرافية والمناخية والسكانية وموقعه

الحيوي، والانتقال بعد ذلك إلى إلقاء الضوء على الواقع

الجيوبوليتيكي لسورية الطبيعية وتحولاته في مختلف المراحل التاريخية

وإظهار العلاقة المتبادلة بين الجغرافيا والاقتصاد والتاريخ

والتطور الحضاري من خلال استخدام الطرح التاريخي كمدخل لتأكيد

النقاط الخمس التالية:

ـ أولاً: دور الهجرات والغزوات الاستعمارية والاستيطانية في تحويل

سورية الطبيعية إلى بوتقة تمازجت فيها الشعوب والحضارات.

ـ ثانياً: تأثير التنافس الاستعماري على مناطق النفوذ وانعكاساته

على وحدة سورية الطبيعية، فالتجزئة كانت متباينة من حيث الشكل

والأبعاد ومتماثلة من حيث الغرض والمضمون.

ـ ثالثاً: العلاقة المتبادلة بين الوحدة والتحرر، فإذا كانت

التجزئة والخلافات بين الأقاليم السورية قد سهلت احتلال سورية

الطبيعية عبر التاريخ، كما خلقت المناخ المناسب لنجاح الغزوة

الصهيونية، فإن وحدة الأقاليم السورية بالمقابل حصنتها أمام

الغزوات الخارجية وكانت في طليعة العوامل التي أعانت على تصفية

المعاقل الفرنجية وطرد الغزاة التتر من سورية.

ـ رابعاً: الموقع الجغرافي والعامل الاقتصادي وأثرهما على التحولات

السياسية في سورية الطبيعية.

ـ خامساً: تباين التحولات البنيوية الجذرية التي شهدتها سورية منذ

الفتح الإسلامي حيث أصبحت منذ ذلك الحين جزءاً لا يتجزأ من العالمين

العربي والإسلامي، والدور الذي يمكن أن تلعبه في تحقيق وحدة هذين

العالمين في ظل النظام العالمي الجديد.

وقد تم إعداد هذه الدراسة المؤلفة من سبعة عشر قسماً يتمحور أولها

حول التعريف بالمجال الجيوبوليتيكي، ثم توالت الأقسام في دراسة ملامح

سورية الطبيعية وتحولاتها والعوامل الداخلية والخارجية المؤثرة

فيها حسب العصور. مع التمييز بين المراحل التاريخية التي سبقت

ظهور الإسلام، ومرحلة ما بعد الفتح العربي ـ الإسلامي، ومرحلة

الحكم العثماني، وانبعاث القومية العربية من بلاد الشام،

والثورة العربية الرامية إلى تحرير العرب ووحدتهم، ونجاح الدولتين

الاستعماريتين (بريطانيا وفرنسا)، في استثمار تلك الثورة ضد

العثمانيين وإحباط المشروع القومي عبر فرض الانتداب والتقسيم،

ووضع حجر الأساس في بناء الكيان الصهيوني بعد التحولات التي أعقبت

الحرب العالمية الثانية. وأسفرت عن استقلال الأقطار السورية على

شكل ممالك وجمهوريات وبقاء التجزئة وقيام إسرائيل كقاعدة أمامية

للإمبريالية. والتجارب الوحدوية التي شارك أبناء بلاد الشام فيها.

منذ منتصف الخمسينيات حتى أواخر السبعينيات، وانعكاسات سياسة

المحاور العربية وسياسة الاستقطاب الدولي على مسيرة الوحدة

السورية، وصولاً إلى مربط الفرس المتمثل في: واقع التجزئة الذي

تعيشه سورية الطبيعية على عتبة القرن الحادي والعشرين.

والعوامل الداخلية والإقليمية والدولية الكامنة وراء بقاء هذا

الواقع. ومشروع الوحدة السورية وآفاقه وانعكاساته وآلياته

وأشكاله المحتملة، وموقعه بالنسبة إلى المشروع الوحدوي العربي،

وإمكانية تحقيقه في ظل النظام العالمي الجديد المؤمرك وامتداده

الشرق أوسطي المتمثل في السلام الأميركي ـ الإسرائيلي والسوق الشرق

أوسطية الخاضعة للهيمنة الأميركية، من خلال القناة الإسرائيلية.

بناء على ذلك، يتناول المؤلف نبوءة فوكوياما، التي تؤكد بأن

انتصار الديمقراطية الليبرالية الغربية الحاسم في صراع

الأيديولوجيات قد أدى إلى اختفاء الصراعات ونهاية التاريخ

وهيمنة الديمقراطية الليبرالية الغربية وقوانين السوق بشكل لا يمكن

الرجوع عنه في المستقبل. وفي هذا السيناريو الذي لا يعترف

بالقوميات أو الحضارات أو الحدود، ولا يصنف الدول إلا على أساس

قدراتها الانفتاحية. ستكون وحدة سورية الطبيعية متعارضة مع

النظام العالمي وستصطدم بالتالي مع الترتيبات الأميركية التابعة من

منطق لا يعتبر الأقطار السورية أجزاء من مجال جغرافي سوري متكامل،

قوامه وحدة الأرض والتاريخ والقومية والحضارة، بل يعتبرها أجزاء

من المجال

الشرق أوسطي بكل تلوناته القومية والحضارية وبكل ما يمثله من

جدوى اقتصادية.

ولقد بدأت بوادر انعكاس هذا السيناريو على سورية الطبيعية من

خلال المشروع الشرق أوسطي، الذي تحاول الولايات المتحدة تمريره

وتثبيت مرتكزاته، لأن هذا المشروع في جوهره ليس إلا نسخة معدّلة

وموسعة للمشاريع التي طرحتها لندن وتبنتها واشنطن في

الخمسينيات. وإذا كان وجود القطب السوفييتي المنافس قد ساعد حركة

التحرر الوطني العربية على إحباط المشاريع القديمة، فإن وحدانية

القطب الدولي اليوم تمنح الولايات المتحدة فرصة أوسع لفرض مشروعها

الجديد عبر الضغط السياسي والإغراءات الاقتصادية الرامية إلى دفع

الشرق الأوسط والأقطار السورية ضمناً نحو فتح الحدود بين الدول

تمهيداً لاندماجها الأمني والاقتصادي والثقافي.

ومسألة فتح الحدود بين الأقطار السورية (وأقطار الشرق الأوسط

عامة) لها أهمية محورية في هذا المشروع، وهي تحتمل في داخلها أربعة

مضامين:

1ـ قبول الدولة للمتابعة والمراقبة الدولية اللصيقة للتغيرات

السياسية وممارسات أنظمة الحكم القطرية في القضايا المتعلقة

بممارسة السلطة، وحقوق الأقليات، وحماية البيئة وغيرها من القضايا

المعتبرة حتى الآن في عداد الشؤون الداخلية التي يشكل التدخل الخارجي

فيها اعتداء على الاستقلال والسيادة.

2ـ الانفتاح الكلي في المضمارين الثقافي والإعلامي، وإلغاء القيود

على انتقال الأفكار والمعتقدات.

3ـ الإلغاء التدريجي للرسوم الجمركية ولكل القيود الرامية إلى

حماية الإنتاج الوطني، والسماح بحرية حركة البضائع ورؤوس الأموال

والمؤسسات، ومنح الشركات الكبرى مهما كانت جنسيتها حق الاستثمار

في أي قطر، وتهميش دور الدولة في توجيه وإدارة الاقتصاد الوطني.

4ـ إحلال الأمن الجماعي الإقليمي محل الأمن الوطني والأمن القومي

العربي، وخلق مؤسسات وعلاقات أمنية عبر الحدود بغية تحقيق

التهدئة، وإنهاء النزاعات البينية، وحل أي نزاع مستقبلي بالطرق

السلمية، والتعاون على مواجهة التهديد المشترك المتمثل (حسب

التقسيم الغربي المُستحدث) بتصاعد الأصولية الإسلامية والإرهاب

الدولي المنبثق عنها.

وبين المؤلف أنه تحت تأثير هذه المضامين، يمكن أن تتعرض وحدة سورية

الطبيعية لجذب عسكري ناجم عن تراجع العوامل الدافعة في الاتجاه

الوحدوي، وإذا كانت نهاية التاريخ تعني إسقاط العامل القومي

من الحسبان، فإن الدعوة إلى الوحدة السورية استناداً إلى الفوائد

المرجوّة من التكامل الاقتصادي ستفقد زخمها إذا ما أثبت التكامل

الاقتصادي الشرق أوسطي قدرة أكبر على تحقيق الفوائد وتأمين التطور

والازدهار، أما العامل الأمني الدافع نحو الوحدة السورية (أو

العربية) فإنه سيصاب بكثير من الوهن، من جراء نجاح الولايات

المتحدة في فرض سلامها على دول الشرق الأوسط كلها، وتحويل أعداء

الأمس إلى شركاء اقتصاديين، وتجريد شعار الوحدة في مواجهة الخطر

المشترك مِنْ مبرره ومدلوله.

وفي الختام يؤكد أنه كما كان من المتعذر على الباحثين التنبؤ في

السبعينيات بل وحتى أواسط الثمانينيات، بانهيار حلف وارسو

وتفكك الاتحاد السوفييتي وانتهاء عصر ثنائية الأقطاب، فإن من

المتعذر عليهم اليوم رسم صورة النظام العالمي إلا من خلال

الاحتمالات والتوقعات التي لا تخلو من النظرة الذاتية والخلط بين

التمنيات والإمكانات. وإذا كانت تجربة حرب الخليج قد دفعت البعض

إلى تخيّل ملامح النظام العالمي المؤمرك، فإنّ مواقف روسيا

وفرنسا والصين وأوروبا بشكل عام إبان أزمة العراق

والأمم المتحدة في شباط عام 1998، سلطت الضوء على إمكانية

اهتراء الهيمنة الأميركية على العالم، واحتمالات تبلور نظام عالمي

آخر لا علاقة له بالنظام الذي نشهد اليوم بواكيره، ونشوء أوضاع

تدفع مشروع الوحدة السورية إلى الأمام أو تقف حائلاً دون تحقيقه. و

إلى أن تتوضح الصورة الحقيقية للنظام الذي سيسود العالم، ستبقى

الوحدة السورية بالنسبة إلى الغالبية العظمى من أبناء بلاد

الشام أملاً منشوداً وهدفاً مرحلياً وستبقى الدعوة إلى طرح مشروع

الوحدة السورية، المغيّب حالياً، مطلباً يتعذّر تجاهله.