العدد الرابع والخمسون تشرين الأول 2010

ندوة حول أدب سعيد تقي الدين وجهاده: بليغ في معانيه ... مؤمن بالتضحية... ممتهن المروءة... عابق الأحلام
الاثنين 13 كانون الأول (ديسمبر) 2010.
 
لمناسبة مرور نصف قرن على رحيل سعيد تقي الدين ولمناسبة صدور كتاب جامعة بعقلين الأميركية للكاتب جان داية، أقام مكتب الدراسات العلمية ندوة حول أدب سعيد تقي الدين وجهاده شارك فيها إلى جانب جان داية الدكتور حسن حمادة. وفيما يلي نص كلمة د. حسن حمادة في الندوة : ربما كان أكثر ما يحتاج اليه قرّاء سعيد تقي الدين، الحريصين على تعميق فهمهم لهذا الإنسان، المكافح ـ الصادق ـ المتقّد الذكاء، ملامسة ذاك الحزن الصامت الذي لم يفارق سعيد، ولا للحظة واحدة في حياته، منذ أن أصبحت شخصيته الفّذه ممتلئة بقناعات متينة رائدها العدالة والحرية. الشقيقتان التوأم، لا تتعايشان مع الظلم والعبودية حتى صار سلوكه يهدد مباشرة شبكة مصالح طويلة عريضة، ولكن صغيرة بالطبع، من حوله وحواليه، سياسيه، ماليه، لا صلة لسعيد بها لا من قريب ولا من بعيد لأن السياسة الرائجة ليست هي السياسة التي يؤمن بها، وأمّا المال، الخاص فقيمته عند سعيد لا ترتفع عن مستوى موطئ القدم ليس إلاّ. كان يكدح لتحصيل المال من دون ان يكون عنده أيّ احترام للمال ولأصحاب المال. ان صمت الأحزان لا ينفي وجودها ولا يعني أنها غائبة عن عقل وقلب سعيدعلى الرغم من قوله، عند غروب القمر في جزيرة سان اندرس: أنا لهب من حياة وسعاده فأكثر الناس تذوقا للسعادة أسرعهم سقوطاً في لهب الحزن. أدبه كان دوما يبتعد عن دائرة معينه، وهذا الفعل بذاته حديث بلا كلمات، بليغ في معانيه كان محروقا من هذه الدائرة، ملدوغا، هو المؤمن بالتضحية، ممتهن المروءة، عابق الأحلام. هو تلك الدمعة اختصرت الكثير مما احتفظ به لنفسه. الدمعة التي فرت من صدقه وصرخت ضد انعام رعد لحظة الوداع الاخير في مطار مكسيكو فتحدث انعام عنها كتابة وسمعت منه عنها فأعنت لي الكثير عما هو غير معروف من حياة سعيد. معارضه المقربون احترموا على الدوام صمته فلاذوا بالصمت، بدورهم، على غير عاده فهيبة سعيد كان لها وقع المغناطيس على دوائر علاقاته. وربما كان الأديب المرجع، الاستاذ جان دايه، قد شاء بدوره مراعاة مشاعر سعيد، فابتعد عن هذا المجال. هوالاستاذ جان دايه المتخصص في أدب وحياة سعيد وهو العارف والمدقق بتفاصيل التفاصيل. الهيبة هيبة الرجل تطبع نتاجه وظرافته بلا شك طرافه وخفة دم تشرقط ذكاء تضحك حتى الثماله. ظرافة لها خصوصية لها فراده هي ظرافة الرجل المقتدر. من فوق دائما من فوق يتكلم مع حملة ـ سلالم القيم المادية ومنها درجة أو درجاتِ سياساتهم وتقلباتها. واستعطافاتها او تشنجاتها المؤذية. فالشعور بالتفوق مذ كان في مكانه مصدر أحزان عميقة محقة. ترى اسأل نفسي أما كان عند سعيد معنى باطنيا بكلامه انا لهب من حياة وسعاده. أُمي أحياناً الى اسقاط كلمة حياة، وهي تبحر خلفها حرف الـو فتظهر أمامي عبارة تبوح بما في داخل قناعات سعيد وشعوره بالتفوّق على محيطه الحزبي، رغم الحزبي، وكأنه يقول: أنا الاقدر والأكفأ إذا أنا الأحق لخلافة سعاده نعم خلافه تتمثل بتبؤئه سدة الرئاسة في الحزب لقيادته نحو النصر الأكيد. يذكر الاستاذ جان دايه في كتابه سعيد تقي الدين في الحزب القومي (ص 204) ما يؤكد هذا الاستنتاج، فيقول: أما رتبه الامانه التي هدد سعيد برفضها في حال منحه اياها، فهو كان يرغب فيها، كما قال لي عبد الكريم الشيخ. (طبيب ونائب في البرلمان السوري من منطقة وادي النصارى)ورغبته تكمن في أن رئاسة الحزب لم يكن ليصل اليها من أعضاء الحزب الا من كان أمينا. وسعيد كان يطمح في أن يصير رئيسا للحزب. وهو بالطبع كان جديرا بمثل هذا المنصب. القصة قصة أحجام... فعلى الرغم من انضباط سعيد في صفوف الحزب السوري القومي الاجتماعي إلاّ أن شخصيته كانت تخترق جدار الصوت، من حين لآخر، فتمزق باختراقها هذا الضوابط والحواجز الادارية الحزبية. ولعل المثال الأبرز على ذلك ما جاء في بعض المراسلات المتبادله بينه، كعميد للخارجية، وبين الأمين عبد الله قبرصي رئيس المجلس الأعلى. في احدى الرسائل، بتاريخ 16 كانون اول 1956. قال سعيد: كانت هذه العمدة قد وجهت الى حضرتكم رسالة منذ نحو اسبوعين متضمنة اسئلة معينه. وقد شئتم ان تهملوا هذه الرسالة وهذه العمده لن تسمح بهذا الاهمال.... عمليا، هو كان يقول: أنا سعيد لن أسمح بهذا الاهمال. هي اشكاليه مستدامه، ما بين اشخاص معنيين والآلة الحزبية، بيروقراطيتها، وبالقيمين على ادارتها. قصة احجام. قصة آلة ضخمه في حال ركود، آلة مثقلة بالروتين... تختنق من عدم توفر الإبداع الكافي، الإبداع الضروري، لوضع المبادئ الاساسية والاصلاحية موضع التطبيق، واعتمادها دليل عملٍ وبوصلة سياسيه. فالابداع هنا هو كالأكسجين من دونه يلفظ الحزب أنفاسه في عملية احتضار طويلة، مملة، مؤلمة، خيار الموت الفاشل. الموت السريري. أما سعيد فكان على العكس من ذلك تماما، يعرف عن نفسه بـدوامة أعمال أعرض نفسي للأخطار ويتابع: واعتقد أنني سأبقى أبدا مرشحا للاغتيال ولن استعيد هدوء الحياة ورتابتها خوف من الهدوء. فالهدوء رتباة في نظر سعيد. فالذي يغفل عنه الناس، يقول سعيد، أن مثل حياتي الحزبيّه كانت ثورة من جمال ودروس ومسرحيات. صعود فهبوط، فصعود فهبوط، حركة دائمة لا تتوقف. تتجوهر معها هيبة سعيد. يذكر في حديث الـالزوابع: حسرات كثيره، أكبرها اني لست بشاعر. وثانيها اني لم أبلغ من العمر 1500 سنه. هذه الخمسماية سنة التي سأحياها لن تكفي. ان الحياة كلاعب البوكر تمرّ أوراقها ولا تكشفها دفعة واحدة. وانت ابدا تحس رعشة تشوق في نشوة علم انها لن تدوم؟. كيف يمكن لمن لا يستكثر على نفسه التشبه بالآلهة ان يتحمل روتين ورتباة، الآلة الحزبية؟ مع ذلك، تحملها سعيد. وحتى آخر ايامه ظل يفاخر بالحزب، قصته قصة عشق أولها اقتناع بالفيلسوف انطون سعاده. وان كان يتحسر لانه ليس شاعرا، فهو لم يتوان عن عدم الاعتراف لسعاده بالشاعرية، وكذلك نكران اي اثر للشعر في نشيد سوريه لك السلام. وهو النشيد الرسمي للحركة السورية القومية الاجتماعية. من نعم الله علي ان حسراته وقفت عند هذا الحد... فاختطفه ملاك الموت، ولم يعش النكبات الغشيمة، واشباح المسرحيات البهائمية التي اخذت تتوالى بعد رحيله بقليل بغباء ما مثله غباء. رحل. حسنا رحل. قاطعت حفل تكريه في بعقلين، في الصيف الأخير، ولو رأى سعيد الحفل لقال: إذا كان هذا تكريمكم لي، ترفقوا بي، انسوني. أفضل تكريم لسعيد، قراءة سعيد. إنها الطريقه المثلى لمواكبته في عبور الألف وخمسمئة سنة. فكما قال عنه أدونيس: أتريدون ان تصافحوه، أن تصغوا وتجلسو اليه. ان تحادثوه؟ إذن، خذوا اي صفحة مما كتب، وتكونوا في حضرته.