العدد الرابع والخمسون تشرين الأول 2010

الحرب العراقية - الإيرانية أهم ما تناوله الشعر الفارسي بعد الثورة الإيرانية د. سباعي لـتحولات: الثورة الإسلامية الإيرانية حافظت على اللغة العربية
الاثنين 13 كانون الأول (ديسمبر) 2010.
 

لا يمكن الحديث عن تطور الشعر الايراني دون الاشارة الى تأثره بالشعر العربي، لا سيما بعد الثورة الاسلامية، مع التنويه الى ان اختلاف البيئتين الايرانية والعربية ساهم في نشوء نوع جديد من الابداع الايراني على صعيد القصيدة كالشعر الرباعي مثلاً.

يعد الأدب الفارسي أحد أبرز الآداب العالمية القديمة، ومن أقربها إلى الأدب العربي، لا سيما بعد الثورة الإسلامية. وتجدر الاشارة الى أنه وخلال فترة ما قبل الإسلام كان للفرس أدب مزدهر يواكب ما كان لديهم من حضارة ويعبر عنها، ويتجلى فيما بقي من تراث باللغة البهلوية (الفارسية) السائدة في إيران قبل الإسلام. وانطلاقا من التراث الكبير للأدب الفارسي وتأثره باللغة العربية أقيم في العاصمة اللبنانية بيروت مؤتمر حول الأدب المقارن العربي - الفارسي الذي شارك فيه نخبة من المهتمين والمختصين باللغتين العربية والفارسية حيث كان لـتحولات لقاء مع د. هويدا عزت محمد أستاذ ورئيس قسم اللغات الشرقية في كلية الآداب - جامعة المنوفية المصرية، هذا نصه:

* لقد شاركت مؤخراً في المؤتمر الدولي حول الأدب المقارن العربي - الفارسي. فكيف يمكن تحديد الأدب المقارن الذي يجمعهما؟ يمكن تعريف الأدب المقارن بأنه الذي يجمع قضية أدبية متناولة في الأدبين العربي والفارسي مثلاً على فترات متباينة مما أدى إلى حدوث نوع من التأثير والتأثر فيما بينهما ضمن أشكال معينة. وهذا ما حدث بعد دخول الإسلام الى ايران. وقبل قرنين من الزمان كان الإيرانيون يكتبون مؤلفاتهم باللغة العربية ونسوا تماما لغتهم الفارسية. وفي منتصف القرن الهجري ظهرت نزعة شعوبية عملت على إحياء اللغة الفارسية مدموجة بتأثيرات إسلامية والتي كانت نتيجتها اللغة الفارسية المستعملة اليوم في ايران. وتلك الفترة أيضاً ظهر تأثر الشعر الفارسي بالشعر العربي في مضامينه وهيكله وبنائه. إلا أن اختلاف البيئة في كل من المنطقتين العربية والإيرانية اوجد نوعا جديدا من الإبداع لدى الإيرانيين على صعيد القصيدة، حيث ظهرت أنماط شعرية جديدة مثل الشعر الرباعي. * دعينا نتحدث عن المحاضرة التي قدمتها خلال المؤتمر عن البناء الهيكيلي للقصيدة بين العربية والفارسية... هناك عاملان أساسيان يتعلقان بالتأثير والتأثر على صعيد البناء الهيكلي للقصيدة بين الأدبين العربي والفارسي: العامل الأول يتعلق بالموضوعات والمضامين المشتركة، أما العامل الثاني فيطال البناء الفني للقصيدة التي تقسم إلى ثلاثة أجزاء: وهي المطلع أي الفكرة الأولى في القصيدة. والمخلص وهو البيت الشعري الذي ينقل الشاعر من فكرة إلى أخرى، كأن ينتقل مثلاً من الغزل إلى المدح. والمقطع وهو البيت الذي ينهي به الشاعر قصيدته. وبالمناسبة لقد تأثر الأدباء الفرس إلى حد كبير بالقصيدة العربية، وساروا على نهجها خصوصاً فيما يتعلق بالمطلع. إلا أنهم استخدموا مضامين لم يكن لها وجود في الأدب العربي مثل الألغاز والسؤال والجواب وهو ما يعرف بـفن الحوار والمناظرة. * تقول دراسة أميركية إن الادب الفارسي لم يكن ذا قيمة قبل دخول الإسلام الى ايران وباكستان وغيرها من الدول التي تتحدث اللغة الفارسية. فهل هذا صحيح؟ لا يمكن الجزم بهذا الأمر، لأن كل المخطوطات الموجودة لدينا مكتوبة بالخط البهلوي. وبالتالي لم نستطع معرفة مدى النهضة الأدبية التي كانت موجودة في إيران عند سقوط الدولة الساسانية ودخول الإسلام إليها. * لقد أشرت سابقاً أن الشعر الرباعي شكّل نقلة نوعية في القصيدة الفارسية. فهل من فنون أخرى ساهمت في دفع الشعر الفارسي إلى الأمام؟ لقد أتاح الفن الرباعي للشاعر أن يركز على موضوع واحد في قصيدته المكونة من أربع شطرات. ولكن تم استخدام القصيدة المثنوية بكثرة في الأدب الفارسي، والتي تتألف من شطرتين، حيث تحمل كل منها فكرة جديدة مختلفة عن الأخرى. ترجمة الرباعيات أطلقت الاهتمام العالمي * ولكن لماذا تم تسليط الضوء على الرباعيات في الشعر الفارسي دون غيرها من القوالب الشعرية؟ المسألة تتعلق بالترجمة. فلقد شكلت ترجمة فسيغراد لرباعيات الشاعر الإيراني خيان الخطوة الأولى للاهتمام العالمي بالأدب الفارسي، على الرغم من وجود شعراء في إيران أهم من خيان من ناحية الإنتاج الأدبي. * في سياق الحديث عن الترجمة، هل هناك عوائق لترجمة القصيدة الإيرانية قد تكون لها علاقة بشكلها او تركيبتها؟ الترجمة الشعرية بحد ذاتها معضلة، لأننا نترجم القصيدة على هيئة أبيات نثرية مما قد يؤدي أحياناً إلى ضياع التذوق الحسي للقصيدة. ولقد ساهمت حركة الترجمة في ايران في تطوير النثر الذي اتسم لغاية أوائل القرن التاسع عشر بالإطالة من أجل الوصول إلى موضوع النص. ولكن مع بدء إطلاع الأدباء الإيرانيين على اللغات الأوروبية وتحديداً الفرنسية منها وترجمة آدابها مالوا للأسلوب البسيط، وابتعدوا عن الصنعة للوصول مباشرة إلى الهدف الرئيس من الكتابة. * ماذا عن القضايا المشتركة بين الأدبين العربي والفارسي؟ هي قضايا تتعلق بهموم الإنسان المعاصر. فمثلاً اهتمت مصر وإيران في بداية القرن العشرين بقضية تحرير المرأة. وتأثروا في إيران بمؤلفات قاسم أمين التي ترجمت من اللغة العربية إلى الفارسية وأهمها كتاب تحرير المرأة والذي عرف في إيران بكتاب تربية نسوان. الشعر البوحي وحقوق المرأة * ظهر في ستينيات القرن العشرين ما يُعرف بالشعر البوحي على يد الشاعرة الإيرانية: فروغ فروخزاد والتي كانت من ابرز المدافعات عن حقوق المرأة. فكيف وظف ذلك الشعر في خدمة تلك القضية؟ لقد بدأت المطالبة بحقوق المرأة في إيران في أوائل عشرينيات القرن العشرين. ولكن نجحت فروغ في التعبير عن لسان حال المرأة بشكل متحرر بعد أن تطرقت في شعرها إلى حق المرأة في التعليم، وحريتها في إبداء رأيها، وحقها في العمل، ثم انتقلت لمناقشة قضايا تمس الوطن مثل البطالة واليتم، دون أن تغفل التعبير عن المرأة - الأنثى واصفة مشاعرها نحو الرجل الشيء الذي لم تسبقها إليه اي شاعرة في ايران. * ظهر الشعر الحر في إيران عام 1929على يد الشاعر يوشيبح في قصيدته الاسطورة. فهل يمكن اعتبارها أحد نتائج التأثير العربي على الأدب الفارسي؟ يعتبر ظهور الشعر الحر نتيجة طبيعية لتطور الشعر الفارسي عموماً، بعد أن خرج بعض الشعراء الإيرانيين عن الإطار التقليدي للعروض والوزن والالتزام بالقافية، مما سمح لهم بالتعبير بحرية عن آرائهم دون تأثير مباشر للأدب العربي عليهم. الثورة ثبتّت اللغة العربية * بالطبع لا يمكن إغفال أثر الثورة الإسلامية على الأدب الفارسي عموماً: فكيف تغيرت صورة الشعر بعد الثورة؟ قبل قيام الثورة الإسلامية الإيرانية وجدت ثلاث مدارس أدبية: أولها كانت تطالب بطرد الألفاظ العربية من اللغة الفارسية، أي طرد 60% من مفردات المعجم الفارسي بعد أن بدأوا باستخدام مفردات فارسية قديمة مهجورة. فيما ركزت المدرسة الثانية على الأدب الشعبي الذي استخدم اللغة العامية الفارسية إلى جانب اللغة العربية. اما المدرسة الثالثة فحثت على زيادة استخدام اللغة العربية في الأدب الفارسي، والتي لاقت رواجاً كبيراً بعد قيام الثورة الإسلامية الإيرانية، حتى أن دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية نص على الحفاظ على اللغة العربية باعتبارها لغة الدين الإسلامي والقرآن الكريم، مما ألغى كل محاولة لإحياء كل ما هو فارسي أصيل. ولكن استمر استخدام اللغة العامية في فنون مثل القصة والرواية والمسرح في الحوار بين شخوص العمل أما المستوى السردي فكان باللغة العربية الفصحى. * ما هي الموضوعات التي تناولها الشعر الإيراني بعد الثورة؟ كان الحدث الأهم هو الحرب العراقية - الإيرانية، بالإضافة إلى حضور الثورة نفسها في الشعر، والاهتمام بآل البيت ومدحهم. أي زاد الاهتمام بالشعر الديني - المذهبي فيما غاب الشعر الصوفي. ولم تغب هموم المجتمع الإيراني الاجتماعية والسياسية و.لعل من أهم المواضيع السياسية التي تطرق إليها الشعر الإيراني بعد الثورة كانت قضية ميتينوس التي وترت العلاقات الدبلوماسية بين إيران وألمانيا عام 1997 بعد قتل مجموعة من المعارضة الإيرانية في مقهى ميتينوس الألمانية.

أسماء وهبة