العدد الرابع والخمسون تشرين الأول 2010

تجعلنا أجمل وتمنحنا إحساس باللذة وأول اعتراف بالرغبة وإعلان بالحب قبلة الروح جعلت فرنسا بلد الجنس والهنود أول من أعطى القبلة معنىً رومانسياً
الاثنين 13 كانون الأول (ديسمبر) 2010.
 

القبلة هي الشيء الوحيد الذي لا تستطيع أن تأخذه دون أن تعطيه أو تعطيه دون أن تأخذه. فأنت لا تقبل بشفتيك بل بقلبك وبروحك وبكل نبضة من جسدك. والقبلة وهي وسيلتك لقول حقيقة إحساسك النفسي والعاطفي للحبيب، للصديق، للابن، للغريب وحتى للعدو. وعلى الرغم من أهمية القبلة في حياتنا إلا أن الإهتمام بتحليل أثره عل سلوكنا العام والعاطفي بوجه خاص لم يحظ بجزء وافر من الدراسة العميقة، بل حصر الإهتمام بها في شقها الجنسي. فهل القبلة اعتراف بالرغبة والحب فقط، أم هي سلوك رمزي طوره الإنسان خلال نموه الحضاري والإجتماعي؟ وكيف قدمت الرواية العربية القبلة؟ وهل كان إطارها الجنسي تعبيرا حقيقيا عنها؟ تروي بعض الأساطير أن تاريخ القبلة يعود إلى اللحظة التي استلقت فيها فتاة تحت شجرة، فحطت على شفتيها نحلة، فأفاقت وابتسمت لتتيح للنحلة المزيد من مص شفتيها. وكان هناك رجل يراقب ذلك المشهد فغار من النحلة وأبعدها عن الفتاة، وحط شفتيه على شفتيها كما فعلت النحلة، فارتاح كل منهما بهذه الملامسة الشفاهية، لتكون هذه أول قبلة في تاريخ البشرية. واعتقد الإنسان القديم أن هواء الزفير فيه قوة سحرية تغذي الروح. لذلك كانوا يتبادلون ما يشبه القبل في احتفالاتهم الدينية لإستنشاق زفير بعضهم البعض. واستخدمت بعض القبائل كلمة شمني بدلا من قبلني، مما يؤكد أن الشم هو بداية التقبيل. ورسم الفراعنة القبلات على جدران معابدهم، حيث كانت الملكة كليوباترا تكافىء جنودها الشجعان بتقبيلهم. وفي روما القديمة كانت القبلة ظاهرة إجتماعية، ووسيلة لتحية بعضهم البعض، ثم تحولت في عهد الإمبراطورية الرومانية إلى تعبير رومانسي من خلال القبلة الزوجية التي كانت تتم في المذبح لتعبر عن تبادل نفس الحياة وصولا إلى الإتحاد الروحي. وفي الدين المسيحي ظهر في العصور الوسطى ما يسمى بـ القبلة المسيحية التي اعتبرت أحد طقوس الكنيسة، حيث جاء في رسالة القديس بولس إلى أهل روما: ليسلم بعضهم على بعض بقبلة مقدسة. وبعد ذلك أوجدت الكنيسة قبلة السلام التي يقدمها الكاهن للمرضى ليمنحهم السلام والتي ما لبثت أن اختفت في عصر النهضة. ولا ننسى قبلة يهوذا لسيدنا المسيح حتى يدل عليه الرومان، والتي باتت رمزا للخيانة إلى يومنا هذا. واستخدم التقبيل في أوروبا في القرون الوسطى في الخفاء. وكان موضع القبلة يحدد مكانة كل من المقبَّل والمقبِّل. فالقبلة على الخد أو الفم تكون بين المتماثلين في المرتبة الإجتماعية. والقبلة على اليد ثم على الركبة ثم على الأرض فتعني التفاوت في المرتبة الإجتماعية بالترتيب نحو الأدنى. من هنا جاء قولهم: قبّل الأرض تحت قدمي السلطان. وفي فرنسا كان الملك لويس الثالث عشر يقبل كل امرأة في النورماندي بحجة منحها البركة الملكية. وبعد ذلك اشتهرت القبلة الفرنسية أو قبلة الروح التي تعرف بقبلة اللسان فكانت السبب في النظر إلى فرنسا على أنها بلد الجنس! في حين مارس العرب في العصر الجاهلي هذا النوع من التقبيل دون أن تصل أخبار عنه إلى الباحثين! وفي العصور الوسطى كان الفرسان الإنجليز يقبلون بعضهم بعضا قبل البدء بدورات القتال، والتي كانت ترمز إلى الثقة بالآخر. وكانت القبلة تعادل البصمة في العقود القانونية التي يبصمها المتعاقد في أسفل العقد عند إشارة X. وفي عصر النهضة كان المضيف يشجع ضيفه على تقبيل أفراد أسرته من الشفتين. أما الهنود فهم من جعل للقبلة معنىً رومانسيا حيث ضمّن كتاب KAMASUTRA رسالة وضعت قواعد الوصول إلى المتعة الروحية والجسدية. فيما يرى فرويد أن منشأ القبلة هو حلمة ثدي الأم طلبا للغذاء والحياة عند الوليد، وحين يكبر يحن إلى هذا الماضي فيحاول تقبيل الآخر. تعريف القبلة من هنا يمكن تعريف القبلة على أنها الحركة العضلية والتلامس البدني الذي يتم بين فم وفم، وبين فم وجزء من الجسم، والتي تحدث بفعل إشارة من الدماغ تنتقل عن طريق الأعصاب لإحداث فعل تلاصق بين شفتين لأسباب لها علاقة بإثارة عاطفية معينة. وتختلف معاني القبلة حسب موضعها: فهي على الجبين تدل على الإحترام والطهارة. وعلى الخد صداقة ومودة، وعلى الأنف تقدير وتبجيل، وعلى الأذن وشوشة حب، وعلى العين تدل على الحنان، وعلى الفم حب ورغبة، وعلى العنق دغدغة، وعلى اليد احترام وولاء، وعلى القدم تذلل وخضوع. كما أكدت قبلة الأميرة للضفدع الواردة في القصص الشعبية على أنها قادرة على إحداث تحول في حياة الإنسان بعد أن أعادت قبلة الأميرة حبيبها الأمير إلى هيئته الحقيقية. فالقبلة رسالة نفسية قادرة على جعلنا أجمل شكلا وروحا، وتمنحنا إحساس باللذة. أي أن القبلة هي أول اعتراف بالرغبة، وإعلان لبداية الحب، وتوقفها قد يكون إيذانا بنهاية الحب. القبلة أهم بنود المتعة وتؤكد بعض الدراسات الخاصة بلغة الجسد أن شفاه المرأة أقدر على توصيل رسالة واضحة من شفاه الرجل، الشيء الذي أرجعه البعض إلى تاريخ منع المرأة من التعبير اللفظي مما دفعها إلى تطوير التعبير البدني، فأجادت لغة التمايل والعيون والشفاه. وهناك اسباب فيزيولوجية تقول أن شفاه المرأة يتغير حجمها وشكلها ولونها حسب إحساسها بالقبلة اكثر من شفاه الرجل، حتى أن بعض الدراسات أشارت إلى أن تقبيل المرأة الحامل في أشهرها الأخيرة يزيد من بعض الإفرازات التي توسع عظام العانة وترخي الرحم مما يجعل الولادة أسهل! وهناك نظرية قديمة ترى أن تبادل النفس عند التقبيل يخلق ارتباطا غريبا بين الطرفين. وبإعتبار أن الجلد هو أكبر عضو جنسي في جسد الإنسان، وهو المستقبل لها فتغدو القبلة أهم بند من بنود الحب والمتعة الجنسية. المرأة... القبلة أولا لذلك للقبلة أهمية اكبر عند المرأة مقارنة بالرجل، لأنها احتياج فطري تفرضه طبيعتها الجسدية والنفسية. فهي تحتاج إليها لإشباع الشاعرية والرومانسية التي تتميز بها أكثر من الرجل. وهي وسيلة ضرورية لتحضير جسدها لممارسة الجنس. وفي دراسة قامت بها مجلة New women الإنجليزية عام 1982 حول القبلة، وجدت أن ربع النساء يرين القبلة أهم من الإيلاج، فيما ساوى ثلثي العينة الباقية أهمية القبلة بالإيلاج. القبلة الدافئة وثمة مثل يوناني قديم يقول: العشاق يعيشون على الماء البارد والقبلة. بمعنى أن التقبيل يخلق عند الإسنان حالة شبع شبيهة إلى حد ما بإمتلاء المعدة بالطعام. فالقبلة تمنح الجسم دفئا، وتحرك الدورة الدموية، وتحرق السعرات الحرارية ما يجعل الطرفان يشعران بسعادة عارمة. وفي هذا السياق يرى شيلدر أن الجسد يبنى انطلاقا من المناطق الإيروسية. لذلك يجب علينا أن نسلم بأن احد صور الجسد تتمركز حول الفم الذي يعتبر من المناطق المحسوسة بشكل خاص. وبما أن احتكاكنا بالعالم يحصل من خلال الفم فمن البديهي أن يكون ذا أهمية على المستوى النفسي. فمن خلاله ندخل إلى جسدنا الماء والهواء والطعام وأيضا المنتوجات الجنسية. إذا الفم ومن ورائه القبلة يعدان نقطة هامة على الصعيدين الوضعي والأيروسي للجسد. اهتمام ديني بالقبلة وأكدت الخبيرة الألمانية في علوم الإجتماع كريستينا كانتاوف بمناسبة اليوم العالمي للتقبيل في السادس من تموز أن تبادل القبلات بين البشر تراجع في الوقت الحالي، بعد أن كان يمثل ضرورة ملحة قبل مئات السنين. كما أن قبلة الفم في العصر الوسيط كانت تعني في الغالب الإلتزام والمسؤولية في الإرتباط بين الرجل والمرأة عند الإحتفال بالخطوبة على سبيل المثال. وأشارت إلى أن تبادل القبلات كان يلعب في الماضي دورا هاما في الإعتداد به كوسيلة لمنح الطرف الثاني حق الإحتفاظ بالهدايا والممتلكات في حال وفاة الطرف الآخر قبل إتمام الزواج. وكذلك أبرزت الخبيرة أهمية القبلات من الناحية الدينية مثل تقبيل تماثيل السيدة العذراء والمسيح والصليب أو عتبات المعابد وقبلة السلام التي تعد علامة للأخوة بين المسيحيين في الكنائس. الرواية والقبلة وانطلاقا من أهمية القبلة في العلاقة الحميمة التي تجمع بين الرجل والمرأة والتي تعد ركيزة أساسية لجعلها أكثر متعة. فلقد اهتمت الرواية العربية بالرمز الأول للحب عبر تخصيص مساحة لها لتكون اختصار لعلاقة الجنسية أو إسقاط لفكرة إجتماعية أو مضمون سياسي حسب السياق الذي توضع فيه. فمثلا رفضت العاهرة في رواية 11 دقيقة للكاتب العالمي باولو كويلو تقبيل زبائنها الرجال، وآثرت أن تمنح شفتيها لحبيبها الذي لم تلتقيه. وفي إحدى روايات الكاتب الإيطالي ألبرتو مورافيا أخذ البطل يقبل قدمي حبيبته ثم يضمهما إلى صدره قبل أن يقبل شفتيها، وكأنه يريد أن يبرهن على قداسة الحب الذي يجمعهما. وجعل غسان كنفاني في رواياته القبلة رمزا للوطن والأرض. وتميزت روايات نجيب محفوظ بتنوع القبلات لديه. فهناك قبلة الجبين للأم، وتقبيل يد الأب، وقبلة الحب التي تكشف عن الحاجة للآخر في مشاهد خالية من الجنس. وهناك القبلة الشهوانية التي تبتغي الجسد لذلك اختصرها محفوظ بالعاهرات. وحاول من خلالها تسليط الضوء على الإزدواجية التي يعانيها الرجل العربي أحيانا. فهو يقبّل العاهرة من أعلى رأسها إلى أخمص قدميها بشهوانية، فيما يرفض تقبيل زوجته ويكتفي بأداء ما يسمى ب الواجبات الزوجية لأنها تدخل الى حد ما في إطار المقدس! من هنا يظهر لنا أن نجيب محفوظ كان من أهم الروائيين العرب الذي وصف العلاقة بين الرجل بالمرأة. ففي روايته بداية ونهاية أشار إلى سقوط بطلته نفيسة في بئر العلاقات الجنسية الشهوانية بسبب الفقر وعدم قدرتها على الإنفلات من أسرتها لتبني حياتها الخاصة، فجرفت في تلك العلاقات تلبية لنداء الجسد. ويقول محفوظ في الرواية: تلمّس يدها في الظلام حتى عثر عليها، ورفعها إلى فمه، فقبلها مرة ومرة، وتناول ساعدها وأمطره قبلات من شفتيه الغليظتين. فقال: أعطني شفتيك أقبلهما، سأقبلهما كثيرا، مائة قبلة أو ألفا، سأقبلهما حتى أموت.. كيف نتعلم القبلة؟ وفي هذا الإطار تقول الروائية الجزائرية فضيلة الفاروق أن بعض الأعمال الأدبية تعلمنا أصول القبلة، كما تكشف المسار الذي تتخذه العلاقة بين المرأة والرجل. وترى الفاروق أن القبلة في الأدب النسوي تختلف عن نظيرتها في الرواية التي يكتبها الرجل. وتتابع: لأن الروائية تجعل من القبلة وسيلة لإحترام الرجل لجسدها. وتصف كيف يقبل النهد والعنق والشفاه. وتختصر القبلة لديها المشاعر والحب. وهذا نجده في أعمال سمر يزبك وعلوية صبح وأحلام مستغانمي، حيث وصفت تلك الأخيرة في ثلاث صفحات من روايتها (ذاكرة الجسد) كيف قبّل خالد بن طوبال حبيبته حياة أمام المكتبة ضمن إطار سردي يجسد الحب الأبدي في قبلة، والذي لا ينهيه موت أو يبدده فراق. أما الروائي الرجل فيوظف القبلة في عمله الأدبي لتكون مقدمة للفعل الجنسي. وهذا واضح مثلا في روايات إحسان عبد القدوس. وهذا كله يؤكد ما قاله وليم شكسبير بأن القبلة هي منزلة العهد أو الضمانة لإرساء دعائم الحب. أو هي باقة ورد يتحول عطرها إلى بلسم لعلاج الروح حسب الشاعر الإغريقي مارتيالس. للقبلة دور عظيم في حياة الإنسان. ولها علاقة بالتواصل بين الناس. وفي الوقت نفسه تبدو شكلا معقدا من أشكال التواصل بين الناس في مختلف الأزمنة والأمكنة، وإحدى أكثر الوسائل خطورة وشفاهية وأهمية في التلاقي والإفتراق على حد سواء، كما في ترسيخ أواصر التقارب أو الإبتعاد بين الكائنات البشرية. ومع ذلك تبدو القبلة مما تنطوي عليه من أهمية في هذا السياق سرا عصيا على اكتشاف كامل أبعاده.

أ.و