العدد الرابع والخمسون تشرين الأول 2010

من أسباب العجز...
الاثنين 13 كانون الأول (ديسمبر) 2010.
 

من غير المستغرب ان يشعر اللاطائفيون في لبنان انهم مضطهدون، ذلك ان التركيبة التي يقوم عليها البلد طائفية. فكل نواحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية قائمة على الطائفية، ان لم اقل على المذهبية الضيقة ايضا. لقد اختار البعض في لبنان شطب الاشارة الى مذهبهم على وثائق الاحوال الشخصية بفعل ايمانهم بانتمائهم الوطني فقط. الا ان هذه الخطوة على اهميتها تبقى يتيمة اذا لم تستكمل بقانون مدني للاحوال الشخصية يأمّن حقوق هؤلاء. ولكن اذا بقيت الحال كما هي فلا نعرف على اي اساس يقبلونهم؟ على اي فئة يحسبونهم؟ على لبنان؟ اي لبنان؟ هذا بلد الاوهام، فبركه الاستعمار ليكون كذلك، اي كما اراده ملوك الطوائف. لبنان بلد للطوائف وليس للانسان والمواطن. فلا قيمة للانسان فيه الا تحت مظلّة طائفية، لا احد ينظر الى مواطنية اللبناني بل الى مدى ارتباطه بطائفته وزعيم طائفته. ان الدين هو المؤسسة الوحيدة العاملة في لبنان التي تسيطر على مصالح المجتمع وتمنع تطوره. فاين هي بالتالي دولة المؤسسات التي اشبعونا كلاما عليها؟ لا حل لهذا البلد الا بالخروج من الطائفية المتجذرة ممارسة وقانونا ودستورا. والحال هذه لا تختلف كثيرا عمّا هي عليه في دول المنطقة. لا عجب اذن في اننا عاجزون عن استرداد فلسطين، ولا عجب في ان يبقى الغرب حاميا لاسرائيل ومدافعا عن مصالحها. ولهذا بطبيعة الحال اسباب عدّة، لكن هناك سببين اساسيين نتحمل نحن مسؤوليتهما: ـ الاول هو تركيبة مجتمعنا الطائفية المذهبية المناطقية العائلية ـ العشائرية، ناهيك عن حالات من التمييز العنصري". ان اسرائيل تشبهنا تماما في هذه النقطة، وكلّنا يعلم التمييز الديني والعنصري فيها بين اليهود وغير اليهود وبين اليهود انفسهم، طوائف واتنيات. فكل الكيانات في المنطقة اقامها الاستعمار في خدمة المؤسسات الطائفية: اي اليهودية في اسرائيل حيث حقوق الطوائف الاخرى مهضومة، والمسيحية والمحمدية في دول المنطقة حيث العلمانيون مهمشون. ورغم ذلك يستغرب البعض خيار الغرب بالاصطفاف الى جانب اليهود وليس الى جانب اصحاب الحق. ليس باستطاعتنا استرداد الحقوق التي اغتصبتها اسرائيل الا من خلال وحدة اجتماعية تقوي الداخل وتغير نظرة العالم الذي يعتبر ان مجتمعنا متخلف، وللاسف فهو بالفعل كذلك. ـ والثاني جيوسياسي اذ اصبح ناصعا كنور الشمس ان الغرب رسم حدودنا الجغرافية واسس التقسيمات الكيانية ـ السياسية (معاهدة سايكس ـ بيكو وتقرر لاحقا تطبيقها مع بعض التعديلات في مؤتمر فرساي حيث كانت اللجنة الصهيونية حاضرة) لاخضاع المنطقة واستعمارها بالاضافة الى تهيئتها لكي تهضم جسما غريبا في فلسطين. اذن لكل دعاة الحرية والسيادة والاستقلال في الوطن نقول: لا سيادة اذا لم نواجه ما وضع من مشروع في الاساس للسيطرة علينا والتحكم في مصيرنا، الا وهو مشروع التجزئة. ولكل دعاة تحرير فلسطين واستئصال اسرائيل نقول: لا يمكننا تحقيق ذلك ونحن نقبل بمخطط التقسيم هذا، لانه وجد من اجل التحضير لاستيطان فلسطين. ان القبول بالتقسيم يوازي القبول باسرائيل على ارض فلسطين لان تقسيم المنطقة يجعل المطالبة بتحرير فلسطين حكرا على حملة الهوية الفلسطينية. وبالتالي يجب مواجهة التقسيم من اجل مواجهة اسرائيل. نستخلص اخيرا ما يلي: من الجهة الدينية الاجتماعية لا حل الا بالعبور من الطائفية الى نظام انساني جديد هو النظام الوطني والعلماني. وذلك يكون لخير مجتمعنا ومن اجل انتصاره على الصهيونية. اما من الجهة الجيوسياسية والاقتصادية، فلا دور لنا كجماعة في الحياة الا من خلال دورة اقتصادية واحدة. والا فلا حول ولا قوة لنا في تقرير مصيرنا. كيف يمكن للغرب ان يحترمنا وياخذنا على محمل الجدّ كجماعة بشكل عام، وان يحترم قضيتنا الفلسطينية بشكل خاص، ونحن قد قبلنا بالتقسيم السياسي الذي حضّر لقيام اسرائيل؟ يظهر لنا مما سبق ان بناء الاوطان هو الاجدى لفرض الاحترام واسترداد الحقوق المسلوبة، لا بناء المجتمعات المذهبية. لذلك ان التركيبة السياسية للانظمة الحاكمة في المشرق عاجزة ايديولوجيا واستراتيجيا عن النهضة بمجتمعها وتنميته حتى ينتصر على اسرائيل.

سمير مخلوف تولوز ، فرنسا في 14 ايلول 2010