عدد الخمسة والخمسون كانون الأول 2010

المجتمع الدولي وأكذوبة العدالة الدولية
الثلاثاء 21 كانون الأول (ديسمبر) 2010.
 

يكثر الحديث في هذه الأيام عن المجتمع الدولي، ومنظمة الأمم المتحدة، ومجلس الأمن الدولي ، والعدالة الدولية، باعتبارها تابو محرم ومقدس يمنع منعاً باتاً حتى مجرد الاشارة اليها من قريب أو بعيد.

وتمتلئ شاشات التلفزة الأرضية والفضائية بالمنظرين والمحللين الذين يتحدثون بإسهاب عن هذا المجتمع الدولي المفترض، ويقومون بعملية تسويق لـشرعية ما لهذه البنى والمؤسسات، بما يتلاءم وطابع التابو الذي يحاولون إضفاءه على هذه المفاهيم التي تفرض نفسها في الواقع السياسي المحلي والدولي.

بيد أن الواقع يفرض دحض هذه المزاعم واعمال العقل في محاولة منطقية وعقلانية بعيداً عن كل المحرمات والمقدسات المفترضة لتبيان أو لفهم طبيعة ووظيفة ودور هذه البنى من خلال الأسباب والعوامل التاريخية التي أدت الى نشأتها في الواقع الدولي.

ما هو المجتمع الدولي؟ سؤال كبير. اذا كان المجتمع الدولي يعني مجموعة الدول التي تدخل في نطاق منظمة الأمم المتحدة، فهذا التعريف يشمل كل الدول دون استثناء بمعزل عن حجم الدولة، وموقعها وعدد سكانها وقدراتها الاقتصادية والعسكرية، وهذا المجتمع الدولي - وفق هذا الفهم - هو مجتمع دول تملك مصالح اقتصادية وسياسية وثقافية ومالية تتضارب في أغلب الأحيان، وتتناقض في العديد من الحالات، ولعل واقع التعقيد الذي يحكم العلاقات بين هذه الدول، يدل أن هذه الدول التي تشكل هذا المجتمع الدولي لها نظرات مختلفة في مقاربة العديد من المسائل الدولية وفي كل المجالات، وبالتالي الحديث عن مجتمع دولي ذي مفاهيم قيمية واحدة، ومصالح متطابقة، يغدو نوعاً من الخيال الذي لا يمت الى الواقع والحقيقة بصلة.

أما اذا كان المجتمع الدولي يقصد به، مجموعة الدول الكبرى القابضة على مصير العالم من خلال امكاناتها وطاقاتها وقدراتها العسكرية الهائلة، فهذا المجتمع الدولي بالذات فاقد للأهلية الأخلاقية في طرح مفاهيمه وتسويقها في عالم يعاني ما يعانيه من مشكلات تبدأ بالبيئة والتغير المناخي، ولا تنتهي بالحروب والقلاقل والاضطرابات، التي لعبت وتلعب دول هذا المجتمع الدولي المزعوم دوراً رئيسياً وحاسماً في تأجيجها وصب الزيت على نارها التي باتت تهدد الاستقرار والأمن الدوليين.

اذاً، يتعذر الحديث عن مجتمع دولي يملك سلماً قيمياً واحداً في مقاربة مشكلات العالم، ولهذا السبب بالذات ينتفي واقع وجود عدالة دولية اذ أن الشرط الأساس لقيام عدالة دولية هو أن تتفق كل الدول المنضوية تحت لواء منظمة الأمم المتحدة على تقرير ما هو حق وما هو جمال وما هو خير لهذا العالم، والأهم هو أن يتم السماح لكل هذه الدول سواسية في رؤية هذا الحق والخير والجمال من زوايا مختلفة، والا خضعت هذه العدالة لاستنسابية تضرب مصداقيتها.

وهذا بالفعل ما هو قائم، فما هي المعايير التي تحكم التعاطي مع الملفات الدولية؟ وكيف يمكن الحكم على كيفية التعاطي مع هذه الملفات، اذا لم يتم وضع معايير واحدة لا مزدوجة في رؤيتها؟

مثلاً قضية المقاومة ومسألة الإرهاب، نرى مزجاً وخلطاً متعمدين بينهما، في محاولة لمحاكمة قوى المقاومة التي تناضل ضد الهيمنة والاستعمار.

أيضاً، نجد استفاقة لـالعدالة الدولية في أماكن، وتغييب كامل لها في أماكن أخرى، فكيف يرفض المجتمع الدولي الظلم في يوغوسلافيا وكوسوفو مثلاً، ويرفضها في فلسطين المحتلة.

هل من اجابات واضحة في هذا الشأن؟ كلا، لماذا المحكمة الدولية في دارفور ولبنان؟ ولماذا رفض قاطع لأي محكمة دولية في فلسطين والعراق وأفغانستان؟

في فلسطين ترتكب مجازر وحشية وجرائم موصوفة بحق الأبرياء والأطفال والعزل، وهي جرائم -ترى بالعين المجردة - وليست بحاجة الى برهان، فأين هي المحكمة الدولية لمعاقبة اسرائيل؟

أسئلة يجب التمعن في النظر فيها، لأنها تعطي صورة عما هو المجتمع الدولي وعما هي عدالته المزعومة؟

 

 

زهير فياض