الشاعر ـ الرجيم ـ منذر الشيحاوي

فرادة السخرية-العدد السابع-كانون الثاني 2006
السبت 18 آذار (مارس) 2006.
 

قدر المدينة العطشى أن تكون دائماً مفتوحة الورود.. كما النائم

يرتب أحلامه ويمشط شعرها ويخرجها في أبهى ثيابها ليحملها الحداة بين

مشرقي الضحك والبكاء ـ شعراً ـ وحيث يكون حلم الصادي ماءً،

والعاشق أصابع طويلة توسد أنفاسه، والمستوحش غناء.. كذلك

الشاعر يجمع نتف الكلام والوجوه والأحزان فيحلم بالقصيدة.. تلك

القصيدة الماء والأنثى وبلاد بسماء زرقاء ودروب معشبة الحواف.

المدينة العطشى.. بقبائل من الشعراء.. بسلالات من العصاة...

وبدكاكين محشوة بالسكاكر والشعر.. وحيث لن تكون حيادياً إذ تذكر

ـ سلمية ـ ولن تستطيع أن تلبي تلك المدينة دعوة شغفك دون أن

تسحب أبناءها الشعراء.. والعكس جائز.. يحضر كل واحد من هؤلاء

الملاعين سلة من الغبار والبيوت الصفراء والأشجار الكالحة والعطش..

ويقول لك أحضرت إليك معي مدينتي؟!

يتداخل المعنى.. هل المدينة صنعت هؤلاء.. أم هم من صنعها.. وما سر

تلك المواصفات القياسية لتلك القبيلة الشعرية.. أشكال متعددة

للغناء، والمقامات لا راد لتفريخها إلا الله.. ولكل ربابه.. ولكن

مشكوكين بخيط الشعر كحبات المسبحة.

الأسماء كثيرة، وربما نحتاج لسجل مواز لما يسمى بدائرة النفوس لإحصاء

أفراد تلك القبيلة.. وربما يهوي حكم القيمة بركام من الأسماء،

وتذري ريح الذائقة بتلال من التجارب.. ولا يبقى في سماء المدينة إلا

بضع نجوم.. بعضها أشبع درساً وتكريماً وبعضها شغلها الشعر حتى عن

مريديه.

منذر الشيحاوي أحد هؤلاء الباقين في سماء المشهد الشعري لهذه المدينة

بلا أدنى شك.. ولربما سيكون اسمه جنباً إلى جنب مع الماغوط وعلي

الجندي وفايز خضور وسليمان عواد وآخرين..

ذلك الرجل المديد الألم والناحل الأمل.. ولا نتكلم عنه كلامنا عن

تجربة بحد ذاتها ولكن عن ظاهرة بأبعاد المعنى، اسمه في مهرجان البلدة

السنوي الشعري البائس مهرجان آخر.. حيث يغدو المركز ـ المقفر

ثقافياً ـ وعلى امتداد العام محجاً، ففي اليوم الذي يكون فيه

تمتلئ القاعة قبل ساعات ويكون الواقفون أضعاف الجالسين، وقلما

تلتقي بـ سلمي لم يحفظ شيئاً من مرارة أبي عصام وسخريته،

مجموعته الأولى طفريات نفدت كاملة بطبعتها الثالثة وهذا الشيء

وحده وسط الكساد العظيم لسوق الكتاب الشعري خصوصاً في جل ـ بلاد

العرب ـ أمر جدير بالوقوف عنده وقفة متأمل.

منذر الشاعر رجل خمري ـ حتى إفراغ آخر كأس، وكأن عقيدة افراغ

الكؤوس لديه هي حالة متعوب عليها، ابتداء من علاقته بالزجاجة

مروراً بالقصيدة والحبيبة كفردوس مفقود انتهاء بفكرة الوجود

كحالة معيشة، الكاسات المنداة الغبشة هي صلة وصله الحميمة مع

الجمال وبالضرورة مع القصيدة، فعلى الطاولة يفرط في الهذيان، حتى

لتظن أن ذلك الرجل لا يعرف من الكلام إلا ما وزن وأبكى وجرح، وهو

ليس جرح المؤذي، بل جرح الطبيب الذي تسبق أفكاره يديه بحثاً عن

الداء.

ولا يمكننا أن نعرج على شعريته الحقة دون حكها على حجر وصفه الخمر

وحالات النشوة، والتي جاري بها الأقدمين بلا أدنى مبالغة، مستحضراً

أفكاراً لم يسبقه إليها أحد.. جاعلاً من جلسات الشراب مدينة فاضلة

وفردوساً مفقوداً:

اسقني ما شئت حتى الخدر

خمرة مصنوعة في سقر

من كروم أرضعت عنقودها

بلهيب النار لا بالمطر

فرّ بالكأس لكون عاشق

لم يلوث بنزاع بشري

وفي مكان آخر يكون الخمر بيئة اجتراح المعاجز، ومكان الخرافة

الجميلة واللا معقول الفاتن، فيقول حيث لا يسعنا التعليق:

من لي بكأس يستفز جليسا

ويدير بالخمر اللذيذ رؤوسا

كأس إذا دارت على جلاسها

صار الرئيس براحها مرؤوسا

هي خمرة ديمقراطية أبعادها

لا فرق فرعون هنا أو موسى

حتى سليمان الحكيم إذا انتشى

برحيقها لم يحترم بلقيسا

وهو بلا شك كسياق معرفي شعري سليل مدرسة عريقه وذات جذور بعيدة

في التراث، وإن كان نواسي الكأس والهوى إلا أن الرومي الساخر

الهجاء والمتألم من طول قامة الأذى في عصره هو الأب الشرعي لنص منذر

الشيحاوي.. وفي سياق التراث نعبر على العديد من الأسماء وصولاً إلى

الصافي النجفي والشاعر الأردني الكبير مصطفى وهبي التل عرار

والذي كانت شعريته الحقة في مدوناته الراشحة بالمرارة والتهكم

والتي كانت سبباً لمصادرة نصه الذي لم ينصع يوماً لأحد ولم يستطع حلاق

الكلام بموسه ومقصه أن يشذب شيئاً من شعثان شعريته.

منذر يدور دائماً في حلقة النص الذي لا يتحمل مسؤوليته إلا

صاحبه.. لذلك نجد أن ذاك النص لم يصل بمعناه الشامل إعلامياً إلى

مريديه، هذا إضافة إلى بنية شخصيته العبثية التركيب، وذلك

الانصياع العجيب للقصيدة بمعناها المطلق، حيث إن لحظة الكتابة هي

المعنى والمبنى لديه وما يليه يكون من المتممات.

سنحاول أولاً أن نراه في البورتريه الشخصي الذي رسمه لنفسه، فهو

ذلك الصعلوك الهارب من مكان وزمان مختلفين عما نحن فيه.. كائن

نافر ومنطلق لم تلوثه رتابة الحياة ولم تلو عقله روح ولا مادة،

يزهو بالقدوم غريباً ومغرباً ويفرح بالرواح غريباً ومغترباً:

أنا جاهلي الطبع لم

تكبح فلاسفة جماحي

مازلت بالعراف محـ

ـتكماً وفي رمي القداح

ما زلت أحمل في شرا

ييني كريات التسكع في البطاح

من غربتي القصوى أتيـ

ـت لغربتي القصوى رواحي

هذا الخارجي الطبع والخارجي الروي، لا تشغله حاله عن الغوص في

اليومي حتى القاع، تفاصيل حياة سكان هذا القاع شغله الشاغل،

الفقر.. عدوه الأعدى يقلب أسبابه ويمزج الساخر بالجارح ويتماهى

المبهج بالمؤلم، الجاد بالهازل، ولا يوفر جهداً في مهاجمة من يرى أنه

السبب في هذا الحال.. سارقي لقمته وسارقي فرحه من مالكي رأس

المال حتى مالكي العباد.. حربة الكلام مسلولة دائماً والطعن خلساً:

يا نافخاً من تخمة كرشا

سبحان من يعطي ولايخشى

ياعملة ضاعت ملامحها

لا طرة تبدو ولا نقشا

تباً لأمعاء وصاحبها

من لحمنا ودمائنا تحشى

واللافت عند منذر هو هذه المواربة في تحصين الفكرة جيداً من المقص..

فيعمد إلى استحضار حالة الحيوان الناطق، وإذا جاز التعبير فهو ـ

بيدبي ـ في بعض نصه، أي يعيد تراث مخاتلة الرقيب الذي عمد إليه

بيدبا الفيلسوف في كليلة ودمنة، فنرى الهر والفأر والضبع

والعقرب كائنات ناطقة تشكو وتتألم وترى بعينها مالا يراه البشر

الأسوياء مضمناً وعلى لسانها أفكاره المؤلمة والنبيلة، ويوصلها إلى

القارئ بمختلف مستوياته فيكون الضحك معقوداً على راية البكاء. في

قصيدته وصية عقرب على فراش الموت يبدأ كبيرها بسرد تفاصيل حياته

وحياة قومه، ويتكلم عن الظلم الواقع على بني جنسه من بني البشر

الأشد فتكاً وسماً، ويوسع بعدها الدائرة لتصبح القضية أبعد مرمى

وتغدو إنسانية بمعناها الكبير:

أعزائي العقارب سوف نحيا

ونمضع رقبة الباغي انتقاما

بنو الإنسان أسوأ خلق ربي وأخطر كائن يلد الحماما

عصوا رب السماء بكل أمر

وما احترموا الطبيعة والنظاما

وحين يضيق خناق الشر، وتذوي فسحة الكلام، يلجأ شاعرنا إلى الغيب

ـ وحبذا لو كان جاداً في ملاذه ـ فيخاطب الباري كآخر الحلول بتذلل

المتصوف، حيث لا يجد من يشتكي إليه جور الزمان وأزلامه، وما غدا

عليه حال المواطن ـ الموظف ـ من فقر وفاقه وكيف أن أسباب الغنى

المرجوة كاليانصيب والسفر إلى بلاد النفط هي أقسى من الفقر نفسه:

إله العالمين وأنت جاهي

تعير ظروفنا بعض انتباه

حنانك غلقت أبواب رزق

بوجه موظف، ضاوٍ وواهي

رجونا اليانصيب فما ربحنا

سوى عض الأصابع والشفاه

وصحنا: واخليج فلم يلب

عقال في الخليج أخو رفاه

في هذه العجالة، والحديث عن مجموعتين منشورتين هما /طفريات وآخ/ كما

أسلفنا، لن نستطيع أن نلم إلا باليسير اليسير من تجربة هذا

الشاعر، ففي أدراجه تقبع أكداس من القصائد والعشرات من

المجموعات التي حال بينها وبين القراء ظرف مادي وآخر أكثر

بأساً!!؟؟ ويقيني أن تجربة منذر الشيحاوي تحتاج لكتاب خاص يحيط بها

ويضعها في سياقها الحقيقي نقداً وتدقيقاً.. حيث ستكون لدينا

معطيات تكشف بنية نصه وسياقه المعرفي، ويكون الموضوع المهم هو ربط

النص بتلك الشخصية المرهونة أبداً للشعر.. واستقراء هذا الشكل

من الكتابة والذي يكون عادة مرآة صادقة لمرحلة وبشر وظرف معيش.

ولن أقول عن مادتي هذه سوى أنها إضاءة على هذا الشاعر وليست

دراسة حقيقية عنه، وإذ نتكلم عن شاعر من هذا الطراز، فإننا

نتكلم عن جماهيرية عجيبة لنص ممنوع أو غير مرغوب به في أحسن الحالات.

عبد الله ونوس