عدد الخمسة والخمسون كانون الأول 2010

الفطنة!!
الثلاثاء 21 كانون الأول (ديسمبر) 2010.
 

يحيلنا مصطلح الفتنة المتداول بشدة  هذه الأيام الى التصنيف التراثي لمعناها، الذي يحيلنا بدوره شئنا أم أبينا الى تصنيف ما ورائي  يقينا شر مواجهة الأسباب وليس إستدراكها، حتى ولو كانت هذه المواجهة  خاسرة على جميع المستويات والأطراف، ليتحول  هذا المصطلح الى  كلام جزافي يضمن للأطراف المنفذة لإستحقاقاتها الجنة على الأقل  بينما يبتلي موقظ الفتنة بلعنة الله في حال تم تحديده  وهو في الغالب من الطرف الثاني، إذ أن  للفتنة طرفين فاعلين، أم الطرف الثالث الموقظ لها فهو إحتمالي مخفي سرّي  يلعب من وراء الحجب ولا يمكن ضبطه أو محاسبته دنيويا مع أن الفتنة ونتائجها دنيوية خالصة.

والفتنة مصطلح توفيقي وفي الكثير من الأحيان تلفيقي، يعتمد تمام على تأخر العلم بالأخبار والمعلومات وما يتلوها من إستنتاجات وتصرفات تجعل من الغريب أو الحقير أو صاحب المصلحة يستطيع  التخطيط والتأليب وإنجاز الوقيعة دون أن يعرفه أحد أو ربما عرف ولكن المسافات تجعل منه بمنأى عن العقوبة  وكل هذا (حكي فاضي) أمام حصول الفتنة نفسها، ولكن الآن والمواصلات والإتصالات والإعلام والتجسس على أعلى مستوى  فما الداعي عقليا لحصول الفتنة؟

يضمن مصطلح الفتنة  لطرفيها المتصارعين (طبعا بالدماء وليس أقل) أن الطرفين على حق وذلك بموجب المفهوم التراثي لها، وبما أن كل طرف على حدة على حق فالباب مشرع على أمرين، الأول هو إعادة الآخر كل آخر الى جادة الحق، أما الثاني فهو قتل الآخر حتى لو أدى ذلك الى خراب البصرة، والبصرة في المنظور البشري هي مكان الإجتماع الإنساني  الذي نسميه عادة وتجاوزا مجتمعا، أي ما يعرف في مسيرة التطور البشري  بالتجمع على قاعدة السلام والقانون، بحيث يستطيع هذا التجمع  البشري التحول والإرتقاء والإنجاز والإستمرار، ولكن الفتنة (ويا للمصادفة !!) تعيدنا الى أسفل السلم  من أجل (إحقاق) (الحق) أولا ومن ثم نعيد أو نحلم بإعادة البناء (على نظافة) ومع فشل جميع (الفتن) في تحقيق  الحق، يعود المفتتنون الى لعن من أوقظ الفتنة والى إدعاء التعلم منها.

الفتنة مصطلح وهمي، فبالإضافة أن الزمن قد عفا عليه، أي أنه ملغى  بحكم التقادم التقني على الأقل، إلا أن نتائج التفكير ببدائله  تدلنا على الخراب ـ كأناس ندعي عيشنا في مجتمع ـ فكيف يستوي هذا التفكير المنطقي كمقدمات مع النتائج الواضحة سلفا، وكيف لنا الذهاب بأقدامنا الى التهلكة، ما دمنا نعرف النتائج، وهل يكفي الإحالة الى (مصطلح !!) فتنة كي نعفي أنفسنا من جريرة دماؤنا ؟؟

ليست هناك فتنة أو فتن ، إلا إذا حملنا منجزنا البشري من قنابل وبنادق وعبوات ويممنا شطر الماضي وعشنا فيه، بل هناك فعل فاعل نحن نشاركه تماما من خلال تفعيل ثقافة إجتماعية  ترحب بالموت والدماء ترحب بالعزلة والإنعزال والتمايز الحقوقي، ثقافة إجتماعية ترفض المنجز البشري  كما صنعه بني الإنسان وجربه  ونجح في الحصول على فوائده ومنتجاته، الفتنة هي نحن بالتحديد، ونحن نشهر الجهل  (جكارة بالطهارة) في وجهة المعرفة والعقل، خالطين بين الحق والصواب والحلال، فمن يكن على حق فليقتل ومن يكن على صواب فليقتل  ومن يعتبر تصرفه حلالا فليقتل، والدماء في رقبة موقظ الفتنة  المسؤول الوحيد  أمام الله فيما بعد، والذي لا دالة لبشري عليه في حال تم التعرف عليه لاحقا أي بعد السفك لا بعده، وعندها يكون جبل الأحقاد قد كبر وتضخم، وأصبح الإتفاق البشري على التسالم من أجل العيش في مجتمع في خبر كان، وبعدها نتنادى من أجل الإستفادة من دروس الفتنة فنختلف عليها ولا أحد لديه من الفطنة ليتلفت باحثا عن موقظ آخر لها... لإنه وعمليا غير موجود  و(الفتنة) بأسبابها كامنة فينا، ليس كمصطلح تراثي، بل كوجود دنيوي مرتبط بأفعال الحياة من عيش وفكر وسياسة  وإقتصاد التي تحتاج جميعها الى فطنة، نستبدل طائها بحماسة بتاء رجيمة  قادتنا دوما الى الجنازات الحامية.

 

 

نجيب نصير