عدد الخمسة والخمسون كانون الأول 2010

ماذا لو اتفقت الأديان على استراتيجية عليا للسلام العالمي؟
الثلاثاء 21 كانون الأول (ديسمبر) 2010.
 
في ميدان البحث عن سبيل يفضي بالأديان إلى الاستواء على دور في سلام القرن الواحد والعشرين، وجدنا أن يكون مبدأ التعرُّف الخلاّق هو المنطقة الوسطى التي تنأى أطول مسافة ممكنة من الانحكام بالجاذبيات السياسية وشروطها في العلاقات بين الدول والمجتمعات. ما يسوّغ مثل هذا المقترح أن دوراً للأديان الكبرى في حفر الطريق نحو سلام عالمي مديد، هو الذي يستلزم مثل هذه المسافة. وهو ما يمكِّن المشتغلين فيها من وضع منظومات معرفية وأخلاقية وعملية لصياغة سلام عالمي قائم على العدل.

ما المتصوَّر من مقدمات لقيام الأديان

بمثل هذا الدور؟

مرّ قبل قليل، أن قاعدة  التعرَّف هي نقطة الابتداء لتشييد مشروع السلام. من هذا النحو تظهر تلك القاعدة بوصفها قضية أخلاقية مركبة. فهي في الوقت الذي تتعالى فيه على التحيُّزات والولاءات الخاصة، تروح تتصل بها في الآن عينه. فمن حيث كون قاعدة التعرف قضية متعالية على الأطر الصمّاء للهويات، فإنها تستمد غذاءها وقوتها من الاختيار الحر والواعي والمدرك، لسماحة مقاصدها والنتائج المترتبة عليها.  أما من حيث هي قضية متصلة بولاء كل جماعة إلى هويتها، فإن التعرُّف هنا يشكل مسعىً خلاّقاً من جانب المتحيِّزين الى دين أو هوية معينة. ولأنه تحيُّز يقوم على‌ الولاء الايجابي، فإنه ينسحب على كل قضية ينظر إليها أصحابها على أنها  قضية عادلة. ومن وجه إجمالي، فإن واقع الولاء أو (التحيُّز) هو قانون ملازم للطبيعة البشرية، مثلما هو ملازم لحاضرية الإنسان في التاريخ. فإذا ما توافر شرطا الإدراك العقلاني والاختيار الحر، توافرت لوازم التعرُّف، واتسعت حقوله، لتشمل ما لدى الغير المختلف من إدراكات ومعارف وقيم. إن مثل هذا الولاء أو ما نسميه بـ"التحيُّز الإيجابي" هو الذي حمل هذه الجماعة الدينية أو تلك إلى التعرُّف على نظيرتها. وبسبب من قيام التعرُّف على هذا الجمع بين المتعالي الأخلاقي والولاء  للهويات، يمكن أن ينفتح السبيل باتجاه تواصل آمن بين الأديان والثقافات على تنوعها واختلافها.

يحملنا هذا الفهم إلى إمكان أن يبدأ التعرُّف من مجال التحّيزُ  الخلاَّق لا من خارجه. إذ العمل من خارج الولاءات والتحيُّزات هو ضرب من المحال ما دام العاملون المفترضون  في ميدان إستراتيجيات السلام هم أهل الأديان أنفسهم.  وما دام اهل الأديان متحيِّزين الى دينهم، آمنين الى الحقول المعرفية التي تؤلف هوياتهم وثقافاتهم . . فأمرٌ بديهي ان يُنظر اليهم بما هم عليه في الواقع، وبالتالي أن يُحاوروا على هذا الاساس. ذلك يعني أن التحيُّز الذي نقصده، هو ذاك الذي يطوي في داخله الاستعداد الطوعي والحر للإرسال والتلقي والتفاعل والرحمانية.

من هذه الرؤية التأويلية، يغدو مبدأ التعرَّف مساراً ينطلق من مجال المتحيِّز نفسه. ذاك الذي يمضي بحُسنِ إقباله على الغير ليفيض بجميله عليه، ثم ليدفع بهذا الغير نحو إفاضة معاكسة هي ادني إلى رد الجميل بالجميل.

في معارف الأديان عموماً، وأديان الوحي الآلهي بخاصة، نجد أنها مأمورة بالأخذ بفضيلة التعرّف كأولوية عظمى. سوى أن الأخذ بهذه الفضيلة لا يتعلق فقط من حيث كونها شعيرة واجبة‌ دينياً، وإنما أيضاً وأساساً بوصف كونها قضية أخلاقية كلية. والقضية الأخلاقية، لو أخذنا فضيلة التعرف كاختبار عملي لها، هي عبارة عن قيمة سامية يعتبرها الشخص الذي يؤمن بها غاية نهائية له، وهي كذلك من اختياره الخاص وحده، كما يقول فيلسوف الأخلاق الأميركي المعروف جوزايا رويس.

أمامنا إذاً، شرطان لبلوغ التعرُّف الخلاّق : شرط المعرفة، وشرط التخلّق. وكلا الشرطان يتصلان إتصالاً وطيداً بما مرَّ معنا من إشارات مجملة لمقاصد الأديان.

كيف تبدو، تبعاً لهذين الشرطين، الاختبارات الحوارية التي نشهدها اليوم، وكنا شهدناها سحابة العقود المنصرمة؟

وجه الأهمية في لقاءات حوار الأديان أنها أطلقت نقاشات نظرية وعقائدية طالت عمق القضايا المطروحة. ربما كان التساؤل المحوري في تلك النقاشات المعمَّقة، هو ما يدور حول إمكان توليد مسافة فصل ضرورية بين الفضاء الإيماني للأديان والتداعيات السياسية والأيديولوجية التي تحتدم بشدة في مطلع القرن الواحد والعشرين.

فالقطيعة الحادة التي تظهر في منعطفات زمنية متعاقبة بين الشرق المسلم والغرب المسيحي بأبعادهما الثقافية والحضارية والدينية، تعود في أساسها إلى الوصل الوطيد بين إستراتيجيات الهيمنة والاعتقاد الديني. ولا أدلَّ على هذا من الشريط التاريخي للأزمات والحروب المفتوحة بين الغرب المسيحي والشرق الاسلامي، بدءاً من الحروب الصليبية الى حركة الاستشراق في بعدها الكولونيالي، وصولاً الى الحروب والمواجهات المعاصرة. غير أن منطقة الإشكال في الاحتدام المشار إليه، نجدها على وضوحها في التأسيس الايديولوجي والثقافي للقطيعة التاريخية بين الإسلام والمسيحية.

مما لا يُشك فيه، ان مثل هذه القطيعة، هي بواقع الحال، حصيلة تغييب شرطَيْ التعرُّف والتخلُّق معاً. واما العوامل الأخرى الناجمة من احتدام المصالح واستراتيجيات الغلبة فإنها تتصل بشكل وطيد بالإقصاء المسبق لهذين الشرطين.

ولسوف نتبيَّن من خلال تداعيات الجدل الإسلامي- المسيحي، كم هي واضحة آثار القطيعة العقائدية والايديولوجية. وبدا واضحاً بسبب من ذلك، ضمور إمكانيات الحوار التعرُّفي، بل واستحالته في ظل سيطرة مناخات القلق على المسلمين، الذين غالباً ما استشعروا الخوف على دينهم ومصائرهم إثر التحولات المدوية في ختام القرن العشرين المنصرم، ومستهل القرن الحالي. ولقد استمر هذا النسق السلبي بألوان شتى، على الرغم من انطلاق سيرورات جديدة من التناظر المتبادل بين المؤسسات الدينية المسيحية والإسلامية، عنوانها المركزي ضرورة الانتقال في العلاقة من طور الجدل والقطيعة إلى طور التعرُّف والتواصل. لعل المقدمة المنطقية التي وضعت لصياغة سبيل الخروج من القطيعة كانت في اعادة رسم صورة الجدل السلبي الذي يحكم مواقع الحوار الاسلامي المسيحي. ولقد بدت الصورة الجدالية التي تشارك في رسمها علماء ومفكرون ولاهوتيون من العالم الاسلامي والغرب، وفق المعادلة التالية: عندما يخاصمك الآخر في دينك وهويتك، مستعملاً دينه وهويته كسلاح يتكئ عليه في حملته عليك، فإن من شأن هذا الاختصام أن يبتعث لديك المنطقة الأكثر حساسية وحدّة في دينك وهويتك، ويقيمها على نشأة متجددة من العصبية والعنف. وإذا كانت الهوية والدين يدخلان في نطاق ما يسميه الاستراتيجي الفرنسي جان غيتون بالميتافيزيقا السياسية، فلا مناص للمسلمين والمسيحيين من التنبُّه إلى النتائج الكارثية المترتبة على توظيف الدين في المصالح السياسية والاقتصادية لهذه الجهة أو تلك.

اختبارات اللقاء الايجابي

اذا كان لنا من شاهد يُبنى عليه في العلاقة بين الاسلام والمسيحية، يمكن الإشارة الى ان المجمع الفاتيكاني الثاني المنعقد بين أوائل ومنتصف الستينيات من القرن العشرين شكل نقطة تحول في علاقة الكنيسة الكاثوليكية بالمسلمين. ففي خلاصات وثائقه ينتهي المجمع الى دعوة المسيحيين والمسلمين لكي ينسوا المنازعات والعداوات القديمة، ويُقدموا نحو التفاهم والتعاون على عمل الخير ونشر القيم الروحية والأخلاقية"... نظير الدعوة الفاتيكانية رؤية موازية من جانب المسلمين تتسم بتظهير فكري عقائدي محوره، مركزية الحوار في القرآن والثقافة الاسلامية. وفي الآيات، ما يدل ويرسِّخ هذه الرؤية،‌ التي عززت ادبيات المسلمين في التحاور مع المذاهب المسيحية. لا إكراه في الدين، وقل الحق من ربكم، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم، ألاَّ نعبد إلاَّ الله، ولا نشرك به شيئاً، ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنّا مسلمون.

اذا كان الحوار المقترح اليوم، يتغيَّا سلاماً عالمياً مسدَّداً بالايمان والاخلاق، فلا بد من ان يقوم على سياق متوازن ومتسامح، وعلى النحو الذي يفضي الى انجاز هدفين متلازمين:

الأول، تعرُّف المؤمنين على ما تنبني عليه عقائد التوحيد في المسيحية والإسلام، بهدف تعزيز قيم الإيمان المشترك بالله الواحد الأحد.

والثاني: إقامة جسور متوازنة ومتكافئة بين الحضارتين الإسلامية والغربية المسيحية، واستبعاد فكرة الهيمنة والتبعية، فضلاً عن إنهاء الشعور بالخوف والريبة، وثقافة الاسلامو فوبيا. وهذا الإمكان من الحوار قائم في الواقع، خصوصاً لدى أهل الفكر والعلم في الغرب. الأمر الذي عبَّر عنه مفكر مثل تيتلر (Teitler) بأن الحوار المتبادل هو طريقة إقناع تشوبها الكرامة في تعامل الأطراف كافة التي وإن اختلفت آراؤها، فإن ثمة مصلحة مشتركة تجمعها، وهي تكمن في البحث عن أكبر قدر ممكن من الحقيقة التي يمكن لعقل أن يتوصل إليها عبر الثقة والاحترام المتبادل.

أممية اخلاقية للتعرُّف

ثمة من يرى أن الحياة الإنسانية اليوم بحاجة إلى حد أدنى من المبادئ الأخلاقية المشتركة تحظى بإجماع عالمي. وأياً تكن الاجتهادات في هذا المجال، فالديانات قادرة بلا شك على توفير المصادر الضرورية لصياغة عالمية جديدة بالتعاون المستمر بين إتباعها، حتى في ظل الانقسام والصراع والعنف والتعصب. كذلك بإمكانها تقديم رؤية شاملة أو ربما عالمية تؤكد على الحاجة للتضامن الإنساني ومواجهة مواقف الانقسام. وإذا توافرت إمكانية واقعية لتطبيقها في سياق المساعي لصياغة أخلاق عالمية جديدة،  يتوجب على عالم الإيمان أن يلتمس التحديات الداخلية الجوهرية.

ويستطيع المسلمون والمسيحيون الوصول إلى ملتقى استراتيجي دائم على المستوى الفكري، يقوم على احترام التغاير العقائدي واللاهوتي والاشتغال الجدي باتجاه بلورة إمكانيات معرفية‌ وعملية لمعالجة إشكالات النظام العالمي الراهنة.

إن صياغة شراكة فاعلة بين الأديان هو الهدف النهائي لعالمنا الراهن. وهو الشيء الذي يؤمن القاعدة الضرورية لأخلاق مشتركة نابعة من روح دينية عالمية. إن رسالة الإسلام التي ترى في الإنسان خليفة الله على الارض، هي في حقيقتها رسالة تغييرية‌ للتراجيديا العالمية الراهنة. أما المسيحية التي تنعقد رؤياتها الايمانية على النشأة نفسها، فترى الى المصير النهائي للإنسان الذي كُلِّفَ وحده بمهمة خدمة الرب، أن يكون عاملا في التحول الروحي لهذا العالم. 

لقد صار من المتيسَّر الآن،  أقله في المجال النظري، وضع تصور إجمالي لإستراتيجيات دينية تستند إلى مفهومين دينيين أساسيين: الأول، التوحيد الذي هو الأساس الوطيد لدين الاسلام، والثاني، الخلافة التي تمثل جوهر صلة العبد بربه وتحمل في ثناياها أعظم وارقى المسؤوليات الاخلاقية. فالله منح الإنسان الخلافة، وعلى الإنسان بالمقابل أن يمضي الى سبيل الاتصاف بالصفات التي ينسبها الله الى نفسه. وما لا ريب فيه في اعتقادات المسلمين والمسيحيين، أن الإنسان هو  أسمى المخلوقات، وقد وضعت كلها في خدمته تبعاً لعقيدة التسخير. ولكن دوره كخليفة ينبغي أن يتجلى في الأعمال الخيَّرة التي يقوم بها، لا نحو الإنسانية فحسب، بل أيضاً نحو كل ما يدبُّ على وجه الأرض. لذا، فإن هذين المفهومين الايمانيين: التوحيد والخلافة، يشكلان أساسا لرؤية تؤدي مباشرة إلى استعادة التوازن لوجوه الحياة كلها.

يعزز مفهوما التوحيد والخلافة، رؤية يمكن ترجمتها إلى هندسة معرفية تنتظم الشؤون الإنسانية المتمركزة على إنجاز السلام العالمي الدائم. فعلى صعيد الاقتصاد العالمي، مثلاً، يقدم مفهوما التوحيد والخلافة فضاءات متعددة الخيارات والبدائل للتوجه الإنساني نحو توزيع عادل للخير العام. وتسعى هذه الرؤية، إلى تحقيق المساواة القائمة على أساس الإيمان بأن جميع البشر يمتلكون حقوقا متساوية في الحياة الكريمة.

لا ينأى الايمان المسيحي فضلاً عن الفكر الفلسفي الاخلاقي في الغرب عما ينطوي عليه مفهوما التوحيد والخلافة في الاسلام. وعلى هذه النشأة المشتركة ينفسح حقلٌ خصيبٌ لإمكان الشروع باستراتيجية دينية لسلام العالم.

عندما كتب الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط مشروعه للسلام الدائم في العالم قبل أكثر من مائة وخمسين سنة، كان مدفوعاً بشغفٍ مرير من أجل أن لا تتحول المدن - كما كان يقول- إلى فراديس مؤقتة تقابلها مقابر أبدية. لم يكن يهم كانط، يومئذٍ أن يسقط فعل الكتابة لديه ليصبح مجرد أحلام كاذبة. وكان يقول: "لا ينبغي أن يكون هناك حرب أصلاً... ولقد أراد أن يتحول بالسلم العالمي من كونه موضوعة رجاء دينية، إلى مشروع فلسفي غايته تهذيب الإنسان الحديث، والارتقاء به من بربرية المتوحشين القائمة على العنف والحرب، إلى ما يسميه ب "الضيافة الكونية".. لقد كانت غايته الكبرى إنجاز مشروع سلام دائم يحلق في أفق المواطنة الكونية. لكن كانط في شغفه بالسلام العالمي الدائم، كان على يقين بأن ما كتبه في ذلك الوقت هو ترجمة فلسفية مستعادة لروح الكتاب المقدس بعيداً من سلطة الكهنوت ولاهوتها السياسي الصارم.

 

 

محمود حيدر