عدد الخمسة والخمسون كانون الأول 2010

العـلمانيون مـتى يصبحون قـوة وطنية
الثلاثاء 21 كانون الأول (ديسمبر) 2010.
 

قـوى جـديـدة صاعدة تتشكل في المنطقة، وإجراءات تؤشر الى قيام كتلة سياسية إقتصادية إجتماعية عسكرية ناضجة ومُتطورة، نشأت إستجابة للتحديات التي فرضتها المشاريع الغربية - الاسرائيلية وفي مُقدمها مشروع الشرق الاوسط الكبير. اهمية هذا الواقع انه يُعبر عن ارادات شعوب هذه الكتلة  ويلبي طموحاتها، دول المشرق العربي  وإيران وتركيا، ركائز ثلاث قوية ومُتراصّة ينقصها ركيزة رابعة لتتكامل قواها، مصر ودول الخليج التي لم تحسم خياراتها بعد، ربما لإستمرار تأثرها بديبلوماسية هنري كيسنجر في منتصف السبعينات والتي استهدفت إلغاء نتائج حرب تشرين وفصل سوريا عن مصر وتجلى ذلك بتوقيع اتفاقية سيناء الثانية التي مهدت لاتفاقية كمب ديفيد، واخرجت مصر من الصراع العربي الاسرائيلي وتركت سوريا تواجه الخطر الاسرائيلي منفردة، ولكنها اليوم مدعوة للانخراط  في المواجهة على مستوى شعوبها كحدٍ ادنى.

ان دقة وحساسية وخطورة المرحلة يتأتى من عدة عوامل، اهمها  بداية تحرر الشرق من الهيمنة التاريخية للغرب الذي اوهنت قواه الخسائر المتتالية، وخيبة الامل من سقوط مشاريعه على ايدي المقاومة، وحالة الوعي الوطني التي اوجدتها في الوجدان الشعبي، مما عجّل في تشلّق ووهن امبراطوريته، كأنما هي في بداية تراجع نفوذها.

وعدم قـدرة مشروع الدولة اليهودية على الحياة ، الذي لم تستطع ان تعلنه منذ تأسيسها، ولا حتى في مراحل قوتها وسيطرتها على المنطقة العربية، انه الخوف الوجودي ان تطرح آخر اوراقها في لحظة ضعفها، وامتلاكها القوة  لم يعد يشكل اية ضمانة لخروجها من مأزقها المميت.  فما أُسس له منذ القرن الخامس عشر مروراً بما شهدته المنطقة من اجتياحات وغزوات وحركات استعمارية وصولاً الى اتفاقية سايكس بيكو ووعـد بلفور وزرع الكيان الاستيطاني الاسرائيلي واخيراً مشروع الشرق الاوسط الجديد، الذي بدأ يتهاوى منذ انتصار 2006  اكان في لبنان ام في العراق ودمشق وفلسطين او  في افغانستان. وسقوط المحكمة الدولية الخاصة بلبنان كمشروع استعماري، بسقوط مصداقيتها وتسييسها، ولفاعلية التصدي والمواجهة التي تعرضت لها لافشال مخططاتها الاستعمارية المشبوهة.

هذا ما يضع المنطقة في عين العاصفة ويجعل لبنان في عنق الزجاجة. والخطورة تأتي هنا كون لبنان يختلف عن دول المنطقة، فهو بسبب تركيبته الطائفية لا يستطيع ان يبلغ مكانة الدولة، جل ما يستطيعه ان يكون حكومة تتحاصص فيها الطوائف السلطة والنفوذ والاستثمار . ويوفر منصة ملائمة تمكن المشاريع الغربية  من اعادة التموضع والانقضاض عبر المحكمة الدولية الخاصة بلبنان التي انشأتها حكومة السنيورة البتراء، وقرارها الظني الذي يستهدف دول الصراع وقوى المقاومة التي غيرت وجه المنطقة عبر انتصارها على مشروع الشرق الاوسط وتدميرها لنظرية التفوق العسكري الاسرائيلي، مما اتاح قيام مرحلة وطنية جديدة بدأت ملامحها تظهر.

ان القوى الطائفية المستفيدة من النفوذ الغربي لا زالت تستولد المؤامرات بهدف اضعاف المقاومة التي وقفت سداً منيعاً امام المشاريع الغربية الداعمة لإسرائيل المخفر الاستعماري المتقدم في المنطقة.

في المشهد السياسي اللبناني خطاب طائفي يطغى على يوميات ترتسم فيها التناقضات بأبهى وجوهها ومعالمها ويتبلور الصراع حول دور لبنان في المنطقة، أهـو مشرقي وحدوي أم مرتبط بالمشاريع الغربية ومصالحها.

في هذا السجال الدائر، والذي يملأ  ضجيجه الكون، لا زال صوت العلمانيين الصوت الاشد خفوتاً، صوت لا يكاد يُسمع ، وفي أحسن الحالات غير مُـؤثر في مجرى الاحداث، ليس على المستوى السياسي  ولا حتى على المستوى الشعبي، فقواعد الاصطفاف موضبة بإتقان وعناية لخدمة المصالح الطائفية والمذهبية، فالاحزاب والقوى العلمانية لم تستطع تسجيل إختراقات حقيقية في جدران الكتل الطائفية ، ولا في القرارات السياسية  الوطنية، التي استمرت حكرا موروثاً لدى زعماء الطوائف. رغم ان القوى العلمانية موجودة، وحضورها في الاحزاب العقائدية تاريخي، وكذلك في القوى المنخرطة في مشاريع تستهدف قيام مجتمع مدني يستهدف الوصول الى دولة مدنية خارجة على الانتساب الطائفي لصالح الانتماء الى الوطن. ولكنها قوى مشتتة غير مجتمعة على مشروع يؤطر امكانياتها، هي مبعثرة حتى داخل الاحزاب، مشتتة في المناطق والمدن والقرى، هي قوى حقيقية وعدم قدرتها على إثبات وجودها لسي ذاتياً، لانها تمتلك الارادة والتصميم، انما هو موضوعي تتحكم فيه جملة من العوائق تؤخر تمكينها من لعب دور رئيسي في الحياة السياسية الوطنية ، ولكن السؤال هل هذه القوى قادرة ان تعيد قراءة المرحلة بجدية توصل الى طرح او تقديم مشروع وطني، يشكل حالة نضالية صراعية مطلوبة بإلحاح لحماية انتصارات المقاومة وتمكينها من انتصارات آتية، في وجه اشرس واخطر حملة يشنها الغرب واسرائيل مُستفيداً ومستنداً على الانقسام المحلي والاقليمي في وجهة النظر ازاء الاحداث الجارية، فربما يكون مستقبل لبنان وتالياً المشرق العربي مرهون بانتصار هذه القوى.

امام إستشراس الفريق الآخر وسعة حيلته ومكائده المتتالية وإصرارة على إلحاق الاذى بالمقاومة والمعارضة، مستفيداً من كل التقنيات والخبرات الإعلامية، وحريصاً على تناغم وتكامل خطابه السياسي للتأثير على خصومه، لا بد من إعادة صياغة اساليب المواجهة، فحماية المقاومة مسؤولية وطنية، تتطلب إعادة بث فكر سياسي ثقافي  إصلاحي، إجتماعي إقتصادي، يحصن المجتمع من الانزلاق وراء الاوهام والاضاليل، ما يستدعي اعادة الحياة الى مسائل حيوية تطال عملية تجديد الحياة النيابية عبر إعادة طرح قانون إنتخابي جديد يقوم على النسبية يعتمد الدوائر الكبرى وصولاً الى لبنان دائرة إنتخابية واحدة، وإعادة النظر في قانون الاحوال الشخصية وصولاً الى إلغاء الطائفية السياسية، بديلاً عن بدعة الوحدات المناطقية الخارجة عن منطق الوحدة التي تسير اليه المنطقة بخطى ثابتة تفرضها دورة الحياة الواحدة في مواجهة مشاريع التقسيم الاستعمارية البائدة.

 

 

أمـيـن ألــذيب