عدد الخمسة والخمسون كانون الأول 2010

من يحكم العالم
الثلاثاء 21 كانون الأول (ديسمبر) 2010.
 
ليست المراحل التي مرّت بها البشرية إلا حديثاً عن حركة التاريخ من أجل بلوغ الحرية والارتقاء نحو سلام واستقرار الجنس البشري، فنشأت الدول التي نقلت الإنسان من الحالة الطبيعية إلى الحالة المدنية بموجب العقد الاجتماعي، الذي كان تجسيداً للإرادات العامة للشعوب التي تخلت عن جزء من حريتها في سبيل سيادة القانون؛ ثم نشأت المنظمات الدولية في مسعى لتوحيد إرادات الدول وتنظيم العلاقات في ما بينها، و إرساء الشرعة الأممية في العالم. فهل أصبحت تلك الشرعة وشرعية الدولة سائرتين نحو فقدان مقومات وجودهما في ظل ازدياد عدد الأيادي الخفية التي تمر من فوقمها؟ ومن هي أبرز تلك الأيادي ؟ وما هي النتائج المترتبة عن نشاطاتها؟

إن الحديث عن قوى وتنظيمات سرية لا توفر وسيلة لا أخلاقية لتحقيق طموحاتها، كان حتى فترة قريبة مقتصراً على الماسونية ومن بعدها الصهيونية، اللتين تدمّى جبين الإنسانية من أعمالهما، أما ألآن فقد أصبح لهما أخوة وأبناء وهم في ازدياد عام بعد عام، و يتشاركون مع بعضهم البعض في العديد من النشاطات غير القانونية مثل المقامرة، والدعارة، وبيع المخدرات، وتهريب السلاح، والربا,ودعارة الأطفال, والقتل والخطف ، والابتزاز والسرقة، والاتجار بالبشر والأعضاء البشرية وكل ما من شأنه در الأموال.

و هذه المنظمات الإجرامية هي منظمات خاصة تتألف من مجموعة من الرجال و النساء يكون لهم زعيم أو أب يدعى (دون) يحترمه جميع الأعضاء ويخافونه. وتكون لكل منظمة قوانينها الصارمة التي يفرض على كل فرد التقيد بها، ومن أبرز تلك القوى الخارجة عن القوانين المحلية والدولية:

المافيا الروسية

نشأت المافيا الروسية في الاتحاد السوفياتي والآن لها نفوذ في جميع أنحاء العالم يقارب عدد أعضائها نصف مليون عضو، وهم متورطين في الجريمة المنظمة. وقد انتشرت هذه العصابة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في كافة أنحاء العالم ، وتركزت بدول مثل إسرائيل، المجر، إسبانيا، كندا، المملكة المتحدة، الولايات المتحدة، روسيا، ألمانيا، وبلجيكا. وتشمل أنشطتها تهريب المخدرات والأسلحة النارية، وترويج المواد الإباحية، والاحتيال على الإنترنت، وتهريب الأعضاء البشرية وما إلى ذلك. ولديهم قانون يقول: لاتتعاون أبداً مع الحكومة. وإن تم القبض على أي عضو منهم يقومون بقتله بعد أن تفرج عنه السلطات. وقد تطورت المافيا الروسية عدة مرات منذ وفاة ستالين و قطعت شوطاً كبيراً أثناء حكم بريجنيف ولكنها إشتدت قوة عقب حكم غورباتشوف، ومع قرب انهيار الاتحاد السوفيتي صارت أقوى وأشمل وامتدت الى كل دول العالم. والسبب في قوتها هو انضمام الكثير من ضباط المخابرات الروس المحترفين والخبراء في الإحصاء وغسل الأموال  وعلماء نوويين وأعضاء سابقين في الحزب الشيوعي بعد انهيار الاتحاد السوفيتي إلى صفوفها، حيث يبيعون خبراتهم لتصبح  المافيا الروسية منظمة شبه عسكرية أو مرتزقة أعضاءها متمرسين ويمتلكون الخبرات لتشمل أعمالهم الأجرامية كل مايمكن أن يتخيله العقل من طرق لجلب النقود اليهم.  و دخلت هذه المافيا نيويورك بعد أن ارتبطت بمعاهدات مع المافيا الصقلية الأميركية. يعرف أعضاءها باسم المنظمة. والجدير بالذكر أن بعض زعماء العصابات الروس باتوا يميلون إلى تحنيط أجسادهم بعد موتهم في هذه الأيام لأن خبراء التحنيط الروس انضموا لعصابات المافيا أيضاً .

المافيا الصقلية (كوزا نوسترا)

أبصرت النور في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في إيطاليا وانتقلت سريعاً إلى الولايات المتحدة، تتميز في تملك قدرات خارقة للتخلص من إدانة أعضاءها ليفلتوا من العقاب على جرائمهم، وقد عملت هذه العصابات في فرض الحماية الإجبارية المدفوعة على الجميع، بعد تقسيم الولايات المتحدة إلى مناطق تسيطر عليها رؤوس عائلات المافيا الإيطالية، وعملوا بتجارة المخدرات والأسلحة والأعمال الإجرامية، وقاموا بعمليات تصفية جماعية لبعض العصابات الأخرى، حيث كانت العائلات بتعداد 26 أسرة وتقلصت إلى خمس عائلات من جراء القتال فيما بينهم على المناطق والمصالح  مما أدى إلى مقتل الكثير من الأعضاء البارزين فيها. ومن أهم العائلات المتبقية في نيو يورك : عائلات بونانو ،كولومبو ، جامبينو ، جينوفيز ، لوتشيز. ولكي ينضم العضو اليهم يحتاج إلى قتل أحد ما وأن لا يتكلم كثيراً. وأستطاعت أختراق النظام الأمني والنظام القضائي الأميركي في فترة ما، وتم محاكمة الكثير منهم مؤخراً  أما الجيل الجديد فبات يدعى الشيء الجديد.

وخير مثال على حياة مافيا كوزا نوسترا، هو فيلم العراب للمخرج فرانسيس فورد كوبولا، الذي جسّد دور البطولة فيه مارلون براندو  بشخصية دون فيتو كورليوني والممثل القدير آل باتشينو بدور مايكي بثلاثية رائعة عرف العالم من خلالها ماهية المافيا وقصة الفيلم عبارة عن مزج عدة قصص حقيقة لعائلات المافيا الأميركية .

 كارتلات المخدرات الكولومبية

هذه العصابات متخصصة بتجارة المخدرات بكافة أشكالها، وفعلياً حصتها من توزيع المخدرات تبلغ 80 % من أجمالي حصص التوزيع في العالم، حيث تقوم بتصنيع الكوكايين المستخرج من أشجار الكوكايين وتتاجر به، وتغطي هذه المنظمة عدة بلدان في العالم. وفي كولومبيا تشمل كارتلات أكثر من مافيا، منها ( كارتل كالي) و (كارتل مادلين) والتي كان يرأسها بابلو أسكوبار والذي قتل في 1992، وهي كارتالات قوية ومصدر رئيسي لحركة المخدرات حول العالم. وبعد اتحاد حكومة كولومبيا مع الولايات المتحدة في حرب شعواء ضد هذه التجارة، اختفى أسيادها عن الأنظار، وبدأوا بخطف وقتل كل من يقدم معلومات عنهم للحكومة الكولومبية .

المثلث الصيني

تعود المثلثات الصينية في نشأتها الأولى إلى منتصف القرن السابع عشر، عن طريق عدد من الرهبان البوذيين الذين قاموا بإنشاء مجموعة سرية لها شعار مثلث متساوي الأضلاع يرمز إلى السماء والأرض والإنسان، وقد كثرت هذه المثلثات لاحقاً لتنحرف عن مسارها المحدد، وجنحت نحو طريق الإجرام وبدأت تلف كوكب الأرض شرقاً وغرباً، ويُعتقد أن عدد أعضاءها تجاوز مليون ناشط، وتتألف من مجموعات من المنظمات الإجرامية، و تشمل الصين وماليزيا وهونغ كونغ وتايوان وسنغافورة. والمافيا الصينية نشيطة أيضاً في نيويورك ولوس انجلوس وسياتل وفانكوفر وسان فرانسيسكو، وتتبنى أعمال السرقة والجريمة المنظمة والقتل المأجور وتجارة المخدرات والدعارة والأبتزاز والقرصنة وتزييف العملة الصينية وتهريب المهاجرين، وقد بدأت هذه المنظمة نشاطاتها في القرن الثامن عشر ولكنها كانت تدعى تيان دي هوي ،غير أنها لم تكن بنفس القوة كحالها اليوم و مدى سيطرتها.

الياكوزا اليابانية

وقد تأسست عبر جمعيات تهتم بالألعاب القتالية كرجال الساموراي العاطلين عن العمل (رونين) والذين كانوا ينتظمون في جماعات كلصوص، ومقاتلي شوارع، و لاعبي القمار. والياكوزا منبع الجريمة المنظمة في اليابان ويستخدم أعضاءها التهديد والابتزاز عادة، وقد تشكلت الياكوزا في القرن السابع عشر ويقال على سبيل الرواية أن معظم أفراد الياكوزا لديهم أصبع الخنصر مقطوع وذلك لأنهم يقدمونه كهدية لرب الأسرة عند الانضمام إلى المنظمة كاسترضاء له و تعبيراً عن الولاء أو كاعتذار عن خطأ بدر منهم مس العائلة، ويملك بعض أعضاءها وشوماً على كامل جسدهم، وعدد الأسر التي تتحكم بالعصابات تتألف من 2500 أسرة يسيطرون على أعضاء يبلغ تعداداهم 150.000 ناشط تقريباً كإحصائية تقريبة في عام 1996 م . وهم متورطون بحماية العصابات واستيراد المواد الاباحية والبغاء والهجرة غير الشرعية والاحتيال وغسل الأموال في جنوب شرق آسيا والفلبين. ويستطيع أي شخص أن يقترض منهم أموال وبأي قيمة يرغب بها ويقومون بتأمن المبلغ بسرعة خيالية وبدون أي أسئلة أو أوراق بشرط تسديد المبلغ والفوائد الكبيرة بوقت محدد، ويقومون بقتل من لايدفع النقود مع عائلته. ويعتبر فيلم (سوناتين) للمخرج تاكيشي كيتانو خير مثال لصورة هذه العصابة .

المافيا المكسيكية

بدأت نشاطات المافيا المكسيكية منذ 1950 وتعتبر من أقوى المافيات سطوة و انتشاراً في السجون الأميركية، حيث يقوم أعضاءها بحماية بعض السجناء المستهدفين من قبل ضباط شرطة السجون، ويقومون أيضاً بحماية السجناء المستهدفين من سجناء مثلهم بأجر، بالإضافة إلى عمليات تصفية ضمن السجون، وعمليات ابتزاز واتجار وترويج المخدرات، وعدد أعضاءها داخل الولايات المتحدة يبلغ 30.000 عضو ويمكن التعرف اليهم من خلال وشوم يقومون برسمها على أجسادهم تتضمن عبارات بالمكسيكية أو رموز مكسيكية كسكاكين متقاطعة، ويقال أن هناك 150 عضو موزعين داخل السجون الأميركية لديهم سلطة للقتل ولقيادة مجموعات أدنى منهم كمساعدين لهم ضمن السجون لتنفيذ أوامرهم من أحكام التصفية وجباية الأتاوات، وتأتي قوة هذه العصابة من خلال ضريبة الحماية التي يقومون بفرضها على كافة السجناء ومن يرفض الدفع يتم قتله.

المافيا الإسرائيلية

المافيا الإسرائيلية تنشط في بلدان كثيرة و هذه المنظمة الإجرامية تقوم بترويج المخدرات وتهريبها والدعارة والاتجار بالبشر والقتل المأجور والخطف والإرهاب. والمعروف أن المافيا الروسية - الإسرائيلية تغلغلت بقوة في النظام السياسي صاحب القرار في الولايات المتحدة الأمريكية مما أثر في القرار السياسي الأميركي سلباً. وأعضاء هذه المنظمة الإجرامية لا يوجد لديهم مشكلة بقتل المارة في الشوراع أثناء تصفية حساباتهم. ولم تفلح الولايات المتحدة الأمريكية في إحراز أي تقدم في وقف عمل هذه المنظمة ضمن الأراضي الأمريكية لغاية اليوم.

المافيا الصربية

المافيا الصربية تعمل في أكثر من عشر دول بينها ألمانيا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة و فرنسا. ونشاطاتهم متعددة أهمها تهريب كل ما هو ممنوع، والقتل المأجور وفرض أتاوات الحماية الإجبارية والقمار وسرقة الأسلحة. وتتألف المافيا الصربية من ثلاث عصابات رئيسية تسمى فودوفاك ، سورسين، وزيمون ، وهذه العصابات الثلاث تتحكم بجموعات أصغر، حالياً هناك حوالي 30 إلى 40 مجموعة نشطة في صربيا.

المافيا الألبانية

تتكون المافيا الألبانية من عدد كبير من المنظمات الإجرامية القائمة في ألبانيا، وهم ناشطون في الولايات المتحدة وأوروبا وهم يقومون بإدارة أعمالهم من خلال الدعارة وتجارة المخدرات، والمعروف أن هذه المافيا انتشرت وامتدت خارج ألبانيا في 1980 عشر، و هذه المافيا تستخدم مبدأ الانتقام والعنف الجسدي والأخذ بالثأر لحل مشاكلها بسرعة البرق.

المافيا الجامايكية البريطانية يارديس

وهم مجموعة من المهاجرين الجمايكيين الذين هاجروا الى بريطانيا سنة 1950، وكانوا متورطين بالجرائم المنظمة من أعمال عنف وتهريب وترويج المخدرات وجرائم أخرى. ولكن هذه المافيا لم تخترق النظام الأمني في بريطانيا لذلك لم تكن بقوة جماعات المافيات الأخرى حول العالم وقد قاموا بجرائم تتعلق باستخدام الاسلحة النارية والتي كانت خاضعة لرقابة أمنية صارمة من قبل السلطات في بريطانيا.

مارا سالفاتروتشا المعروفه ب ام اس 13

تتألف هذه العصابة من 50 - 100 ألف عضو، وكانت نشأتها الأولى عام 1980 في مدينة لوس أنجلوس الأمريكية على يد مجموعة من المهاجرين السلفادوريين، والكثير من الفارين من الخدمة العسكرية. يتركز نشاطها على الاتجار بالمخدرات والأسلحة، كما قسّمت مدينة لوس أنجلوس - مقرها الرئيسي - إلى عدة أقسام تقع جميعها تحت بصرها وسمعها. وقد امتد نشاطها ليشمل كندا وأمريكا الوسطى.

 مونجيكي

ظهرت في كينيا أواخر عام 1980، في العاصمة نيروبي. تنشط في تهريب المخدرات والابتزاز وتستمد قوة أعضائها من أكبر الجماعات العرقية بكينيا، وتبرز أعمالها الاجرامية بشكل واضح أثناء فترة الانتخابات حيث يتم ترهيب الناخبين وأحياناً خطف بعض المرشحين وقتلهم لصالح مرشحين آخرين.

السجناء السابقين

تأسست عام 1993 من السجناء السابقين في البرازيل، وكانت تهدف عند تأسيسها لحماية السجناء المفرج عنهم من بطش السكان وابتزاز الشرطة، لكنها سرعان ما تحولت إلى الإجرام وأصبح لها هيكل اداري منظم وآخر مالي، ويقدر عدد أعضائها بنحو 20 الف، ويشارك في انتخاب قيادتها من هم في داخل السجون أيضاً.

أبرز الظواهر الناتجة عن النشاط المافياتي

بعد أن تمادت المافيات بالجريمة المنظمة، سعياً للكسب الأكثر سرعة، غرقت منذ تسعينيات القرن الماضي بتجارة هي الأحطّ من نوعها بالكرامة الإنسانية، والتي أسفرت عن ولادة مصطلح “الرقيق الأبيض”. و في حين لا تزال وسائل الإعلام تتعامل مع الظاهرة في شكل أخبار متفرقة من حين لآخر وينظر إليها كخبر أو حادث كبقية الحوادث، إلا أن المسألة تمس الواقع الإنساني بكل أبعاده المادية والنفسية والروحية. ويبدو أن تجارة الرقيق الأبيض لم تلق الاهتمام بها من الناحية الأمنية، كذلك لم تلق العناية الكافية إنسانياً واقتصادياً، ولذلك تتفاقم يوماً بعد يوم، نظراً لعدم وجود تشريعات صارمة تطال أقطابها ورجالاتهم. كما تمكنت عصابات المافيا والجريمة المنظمة من ابتكار وسائل جديدة للإفلات من قبضة الرقابة وعناصر الأمن. والغريب أن هذه التجارة نشطت بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، بالرغم من ازدياد الإجراءات الأمنية لمكافحة الإرهاب، إلا أن تلك الإجراءات أثبتت عجزها أو تورطها في الجريمة المنظمة المتعلقة بالاتجار بالبشر. 

النساء والأطفال ضحايا القرن الجديد

كشفت احصائيات لوكالة المخابرات الأمريكية عن أن عدد النساء والفتيات اللواتي تتم المتاجرة بهن تعدى ‏700.000‏ سنوياً. يذهب ‏50.000‏ منهم إلي أمريكا.‏ ويأتي معظم هؤلاء الضحايا من الدول الشيوعية السابقة التي ظهرت بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وتفككه إلي مجموعة دول‏,‏ وانتشرت فيها البطالة والفقر مما دفع الكثيرين إلى السعي وراء أوهام العمل في أي مكان في العالم بحثا عن مصدر للرزق، ثم يفاجؤوا بالكارثة الكبري التي تنتظرهمن، وهي أنهم وقعوا فريسة لعصابات تهريب الرقيق‏,‏ تقوم بتسخيرهم للقيام بأعمال الدعارة‏‏، وبيعهم كالقطعان من مالك إلى آخر.

 وبالرغم من أن الولايات المتحدة الأمريكية دعت الدول الأخرى لمحاربة تجارة الرقيق الأبيض‏,‏ وقام الكونجرس باستصدار قانون لحماية ضحايا التعسف وتجارة الرقيق، ونادي فيه بفرض أشد العقوبات علي هؤلاء التجار وزيادة برامج التوعية عن هذه التجارة‏,‏ إلا أن الحكومة تباطأت في تمويل هذه البرامج، ولذا ترى ليندا سميث (مؤسسة جمعية الامل المشترك في فانكوفر وهي عضو سابق بالكونجرس) أن عقوبة تهريب المخدرات في معظم دول العالم أكبر بكثير من عقوبة تهريب البني آدم نفسه‏. وهذا ما يفسّر التمادي بتلك التجارة. وتجد المافيات في المناطق المنكوبة بالكوارث الطبيعية والحروب أرضاً خصبة لإزدهار تجارتها. حيث انتشرت هذه التجارة في العراق بعد سقوطها تحت الاحتلال الأمريكي، وبالرغم من عدم وجود احصائيات حول عدد اللواتي غُرر بهن، إلا أن الناطق باسم الحكومة العراقية الدكتور على الدباغ  أكد في حديث لـ”العربية.نت” وجود هذه الظاهرة.

و كشفت ينار محمد، (رئيسة منظمة حرية النساء في العراق ) عن إعداد منظمتها لكتيّب يتضمن معلومات حول الاتجار بالعراقيات ومنهن صغيرات السن وتسفيرهن إلى خارج البلاد. وقالت: في عام 2008 توصلنا إلى بعض الأماكن التي تشهد اتجاراً بالفتيات الصغيرات، وتتراوح الأسعار إلى مابين 10آلاف و 20 ألف دولار.

 كما كشفت ينار عن عدد من الفتيات اللواتي يتعرضن للإهانة يومياً في سوق النخاسة والجنس.

وأشارت مجلة “تايم” الأمريكية الصادرة في 9- 3 - 2009، إلى أن سعر الفتيات الصغيرات في العراق بين 9 و12 سنة وصل إلى 30 ألف دولار وأما الأكبر سناً فينخفض سعرهن بموجب السن إلى أن يتدنى إلى ألفي دولار أمريكي.

وأما منظمات الاتجار بهذه الفتيات - وفق تقرير “تايم” الأمريكية- فتقوم بنقلهن إلى دول الجوار ودول الخليج، عبر جوازات سفر مزورة، أو تزويجهن، ثم سرعان ما يتم تطليقهن منهم فور وصولهن إلى البلد المطلوب. وتعتبر إسرائيل مركزاً لاجتذاب الرقيق الأبيض ويقدر عدد النساء اللواتي يتم تهريبهن إلى اسرائيل لامتهان الدعارة بعشرات الآلاف، وقد ارتفع عدد بيوت البغاء التي تجبر فيها الأجنبيات على امتهان البغاء من 2000 بيت في سنة 2001 وفق تصريحات للميجور يوسي سيدبون (قائد لواء تل أبيب) إلى 4600 في العام الماضي 2009 .

وفي دراسة قامت بها جمعية حقوق الطفل التابعة للأمم المتحدة بيع 20 مليون طفل خلال السنوات العشر الأخيرة ليعيشوا طفولتهم في ظروف معيشية قاسية واستغلالهم جنسياً. وتعتمد شبكات الرقيق الأبيض في جلب الأطفال على مصادر عدة، منها سرقة الأطفال حديثي الولادة من المستشفيات والادعاء بأنهم ماتوا، وحجز الأطفال قبل ولادتهم من غير المرغوب فيهم خاصة الأطفال غير الشرعيين، وإيواء المراهقات والعاملات في سوق الدعارة الحوامل، ومؤجرات الأرحام اللواتي يتم وضعهن في أماكن سرية وتنتهي مهمتهن بعد الوضع، فيباع الأطفال أو يستخدمون في تجارة الأعضاء البشرية، بل وصل الأمر إلى حد تهريب المخدرات في بطون الأطفال بعد قتلهم وحشو بطونهم بالهيروين والكوكايين وغيرها من الآفات السامة. إضافة إلى شراء الأطفال من ذويهم كما يحدث في ألبانيا حتى الآن، حيث يباع الأطفال في سن مبكرة بسعر يتراوح بين 6 و15 ألف يورو ولا سيما إلى الايطاليين والفرنسيين والألمان. وقد جاء في تقرير للأمم المتحدة أن تجارة الإنسان أصبحت صناعة تجلب تسعة بلايين دولار سنوياً، وهي بذلك تأتي بعد تجارة المخدرات والسلاح‏,‏ وان كانت المخدرات تباع مرة‏,‏ وتنتهي باستخدامها‏,‏ فالانسان يمكن أن يباع عدة مرات لأن العملية يدخل فيها عدة وسطاء، كل يأخذ نصيبه من الصفقة‏.‏ جاء هذا علي لسان كاثرين ماكماهون (مؤسسة جمعية التحالف من اجل القضاء علي العبودية والتجارة المشبوهة‏)، ومقرها مدينة لوس انجلوس‏,‏ والتي تقدم مساعداتها لضحايا هذه التجارة وتسعي لتخليصهم من براثن هذه العصابات وتعمل علي توفير مأوي آمن لهم وتعتبر كاثرين ماكماهون واحدة من بين الأصوات الكثيرة التي تنادي بمحاربة تجارة الرقيق الأبيض‏. و في دراسة أعدتها منظمة مساعدة الأطفال التابعة للأمم المتحدة “يونسيف” ذكرت أن التجارة الدولية غير المشروعة بالنساء والأطفال تزيد في العالم باطراد وخاصة في أوروبا. ووفقا لنتائج الدراسة التي أعلن عنها في مدينة كولون بالمانيا أن 80 % من الضحايا لا تتجاوز أعمارهن الثمانية عشرة سنة، وأن 90 % منهم أجبرن على ممارسة الدعارة. ولم تفلح جميع الدعوات التي يطلقها المسؤولون الأوروبيون في الحد من هذه التجارة الرائجة.

فإذا كانت أرباح عصابات المافيا في هذه الأيام بلغت حوالي 50 بليون دولار سنوياً، و هو ما يقارب ميزانيات الدول . ولم تعد المافيا الواحدة تتركز ضمن دولة، بل أصبحت تتعاون مع اخوتها لتأخذ منحى إقليمياً أو حتى دولياً. فهل أصبحت الطريق معبدة أمام المافيات للتحكم بقرارات الدول؟ خصوصاً في ظل الحديث عن تورط جهات رسمية في تسهيل أعمال المافيات إما بسبب الفساد والرشاوي أو بسبب الخوف. واذا كان قد تم الكشف عن تورط القباعات الزرقاء في منطقة سراييفو بتسهيل عبور بتسهيل عبور تجار الرقيق الأبيض وبضائعهم، فكم هي أعداد حالات التورط التي لم يتم الكشف عنها؟

 

 

فراس جركس