عدد الخمسة والخمسون كانون الأول 2010

تسمية يعقوب باسرائل
الثلاثاء 21 كانون الأول (ديسمبر) 2010.
 

ن التوراة تؤكد وباصرار تسمية يعقوب بن اسحق بن ابراهيم بـ"اسرائيل".

ان إعادة تسمية يعقوب باسرائل جاءت متأخرة، ومن خلال قصة توراتية في الاصحاح 32 من سفر التكوين، حيث تتفق آراء علماء اللغة والتفسير على ان معنى إسرائيل هو صارع او مصارع الاله. وهو أيضا ما يستشف ويفهم من القصة التوراتية التي تفتقر الى المصداقية لما فيها من إلتباسات لا تتصف  وشفافية احترام الذات الآلهية.

اني هنا لا أتفق مع الكثيرين ممن يذكرون أن المقصود في القصة كان هو مجرد التباهي بقوة يعقوب وجبروتة او مجرد قصة عبثية وتقليدا لما ورد في الحضارت القديمة، بل ان المقصود منها وهو تغيير الاسم برأي تجاوز ذلك الى اعطاء اشارات ومعاني أخرى تحمل في طياتها مقدمة للتحول نحو آلهة خاصة باليهود وهو يهوه اي التحول من معتقد ابراهيم والتوحيد والإله ايل الى يهوه والديانة القبلية هنا. فاني اختلف مع ما جاء في مصادر التوراة من أن الأوهيمية جاءت بعد الهوية بل العكس هو الصحيح.

وسواء كانت القصة تعني بان صراع يعقوب كان مع إنسان كما يخيل لبعض القرّاء او انه صراع بين يعقوب وايل الإله كما يفهم من معنى النص وكما تقرّه الطبعة الجديدة للتوراة صراحة بانه صراع مع الله بل كما يشير يعقوب اليه من انه راى الله في نهاية المعركة، فان نهاية الصراع المزعوم تدل على بقاء الاحترام والاعتراف بالإله ايل من جانب كتبة التوراة على لسان يعقوب وذلك عندما باركه وعندما سمى المكان فنوئيل (اي المكان الذي نظر لله فيه). وكذلك عندما قال شاهدت الله وجها لوجه بمعنى الاعتراف بان ايل هو الله.

والنص التوراتي للقصة حسب الطبعة الجديدة للتوراة هو "وقام في تلك الليلة فاخذ إمرأتيه وخادمتيه وبنيه الاحد عشر وعبر مخاضه يبوق اخذهم وعبرهم الوادي وعبر ما كان له. وبقي يعقوب وحده وصارعه إنسان حتى طلوع الفجر ورأى انه لا يقدر عليه فلمس حق وركه فانخلع حق ورك يعقوب في مصارعته له وقال اصرفني لانه طلع الفجر فقال يعقوب لا اصرفك او تباركني فقال له اسمك فقال يعقوب فقال لا يكون اسمك يعقوب فيما بعد بل إسرائيل. لانك صارعت الله والناس فغلبت. وسأله يعقوب عرفني اسمك فقال لماذا تسأل عن اسمي. وباركه هناك فدعا يعقوب اسم المكان فنوئيل قائلاً لاني نظرت الله وجها لوجه ونجيت نفسي".

(انتهى النص) وهو موجود تماماً في التوراة المطروحة الآن في الاسواق (دار الكتاب المقدس في الشرق الاوسط) وذلك في الاصحاح 32 من سفر التكوين ابتداء من الآية 22.

وبالطبع فان فكرة القصة مسروقة من آداب الامم السابقة، حيث ان الصراع مع الآلهة لانتزاع البركة أو المكاسب هو تقليد كان سائدا في اساطير الكنعانيين، والفنيقيين وبلاد ما بين النهرين كما ورد في ملحمة كلكامش.

ومن هنا ومن سياق القصة ومن التأكيد فيما بعد على الوهية يهوه كإله خاص باليهود فانه من المرجح ان كلمة إسرائيل التي اطلقت على يعقوب بمعنى صارع او مصارع أيل جاءت لتخدم عرفنا معينا لا يخرج عن واحد او كل التفسيرات الثلاثة التالية واقربها للواقع هو التحول الى ديانة خاصة أخرى كما هو وارد في التفسير الاول.

التفسير الاول:

ان اليهود من كتبة التوراة المحرقة على قرون انتداء من القرن السادس قبل الميلاد، قد ارادوا في مرحلة ما بناء شخصية مستقلة لهم وديانة وآلهة تخصّم وحدهم من غير آلهة الكنعانيين والاشوريين والمصريين السائغة التي دخلت كتاباتهم التوراتية، وذلك اسوة بآلهة غيرهم من الشعوب آنذاك مثل مردوغ واشور، وعشتار والعشرات في بلاد الرافدين، وعشتروت إلهة الصيدونيين وكموس إله الموآنيين وملكوم إله العمّونيين وبعل إله الخصب في سورية او لدى الفينيقيين وغيرها. وان ذلك التحوّل كان في الوقت الذي كانت تشيرفيه تناقضات التوراة المكتوبة الى حينه الى اكثر من إله فيها، وان "يهوه" قد جاء لاحقا وطغى على إيل. وعليه فقد قرر هؤلاء الكهنة اليهود وساستهم اتخاذ يهوه إلها خاصا بهم وحدهم جريا على عادات الشعوب القائمة، يقودهم في حروبهم ويبرم معهم العقود ويسلطهم على الشعوب الاخرى ويسلّط الشعوب الاخرى عليهم. ومن هذا نستذكر ما جاء في الاصحاح 26 من تثنية الاشتراع ما نصه:

"وواعدك الرب اليوم ان تكون له شعباً خاصا... وان يجعلك مستعليا على جميع القبائل... وان تكون شعبا مقدسا للرب".

ثم تأتي صريح العبارة في الاصحاح الثالث من الخروج في التورة ونصها "وقال الله أيضا لموسى هكذا تقول ابني اسرائيل يهوه اله آبائكم اله ابراهيم واله اسحق واله يعقوب"

ولذلك قد تكون اعادة التسمية ليعقوب باسم اسرائيل وبذلك لمعنى من خلال تلك القصة. التوراتية قد جاءت لتخدم ذلك الفرض وكخطوة لتثبيت أركان ديانتهم الجديدة برعاية الهم الخاص يهوه الادعاء بأن يعقوب في صلب تلك الديانة الجديدة المخالفة، لديانته السابقة وديانة جدّه ابراهيم دون انكار الوهية وقدسية الاله ايل. وبهذا يقول الكتاب المصري محمود القمني في مؤلفه "ربّ الزمان" ان اليهود عندما استقرت بهم الظروف في بابل بين قصص وأساطير الشعوب فانهم اعادوا إنتاجها وجاءوا بيهوه.

وانني اعتبر بان الجزم بالتفسير الصحيح لحقيقة التسمية في هذا الاطار يعتمد بالأساس على معرفة او تحديد الزمن الفاصل بين التزام اليهود بالاله ايل وبين تحولهم الى يهوه وهو ما يصعب تحديده في ظل المتناقضات وعدم الالتزام بتسلسل زمني للاحداث في التوراة.

التفسير الثاني:

ان يكون هناك معنى آخر لكلمة اسرائيل مسيء ولا نعرفه، وان القصة جاءت من قبيل اعادة تسمية يعقوب من الاله نفسه جريا ومحاكات لتسمية ابن ابراهيم اسماعيل بطلب من الرب من خلال الاصحاح السادس عشر ونصه "وقال لها الرب (اي إلى هاجر) ها انت حبلى فتلدين ابنا وتدعين اسمه اسماعيل لان الرب سمع لمذلتك" ومن هنا اراد كتبة التوراة في مرحلة لاحقة ان يقوم الرب نفسه باعادة تسمية يعقوب كما وسمى اخيه اسماعيل من قبل ولكن بطريقة فيها عنفوان تظهر منزلة يعقوب وتفوقه. قد كان ان اسماء من خلال تلك القصيه التوراتية اسرائيل.

التفسير الثالث:

اما التفسير الثالث فينبع من صلب الاساطير الدينية القديمة، لاسيما الكنعانية، اذ يجري الصراع مع كبير الآلهة، من اجل انتزاع البركة والملك او الملكية إنتزاعاً ومع هذا التفسير يؤكد ان يعقوب قد صارع الاله لكن ايضاً دون قصد الاساءة بقدر ما هو تقليد معروف في الاساطير الكنعانية الفينينقية على وجه الخصوص واراد كتبة التوراة تقليده. ومن هذا القبيل ما وجد على اللوحات الاوغاريتية ومنها ان الاله بعل عندما كان يريد بعض المكاسب من كبير الآلهة إيل اسوة ببقية الآلهة نرى آلهة اخرى حليفة تتدخل مثل عنات العذراء وتؤكد لبعل انها ستجبر ايل على ان يجيب الطلب بالعنف. ومن هذا القبيل ايضا ان عنات في الاسطورة قد اعلنت قائلة: "ان الفحل الاله ابي سوف يذعن من اجلي ومن اجل نفسه لاني سوف ادوسه كالشاة في الارض واجعل شعره الاشمط يقطر دماً واشمط لحيته بالدم ما لم يهب الى بعل بيتا كبقية الآلهة....

وتنتهي القصة باذعان إيل وتلبية الطلب ببناء بيت الى بعل. وهنا يمكن للقارىء ادراك اصل فكرة بناء الهيكل للاله يهوه لدى اليهود (هيكل سليمان) وبانها تإتي جريا على ما كان موجود في الديانات الكنعانية. وبهذا فان الباحث سايرس جوردن يعلق على تلك القصة التوراتية في مصارعة الالهة بالقول انها كانت مقدمة لبناء الهيكل في القدس الى يهوه.

ومن هذا القبيل ايضا الصراع بين بعل وايل حيث تمكن بعل للانكفاء بعيدا على اطراف العالم والاستغاثة بآلهة اخرى هي اليم (اله البحر) الذي اغاثة وقام الاله ايل وباركه ومنحه اسما جديداً. ويذكر هنا ان من سمّوا اليهود او ببني اسرائيل خطأ كانوا عندما يغالون بالشوك يعبدون بعل.

وعليه فاني اعتبر في هذا البحث ان بني اسرائيل المفترضين من غير كتبة التوراة هم بني ابراهيم نسبا وروحيا على حد سواء رغم عدم التوثيق التاريخي والعلمي والاثاري لوجودهم. وان تلك القصة في ذلك الاصحاح وبالطريقة التي وردت بها ليست بقصة تاريخية ولا دينية وليست من كلام الله بل من قبيل الاضافات الاسطورية التي ملأت التوراة.

 

 

الأب الدكتور سهيل قاشا