عدد الخمسة والخمسون كانون الأول 2010

الازمة الرأسمالية العامة لاميركا والزلزال "الافيوني ـ الالكتروني" للويكيليكس!
الثلاثاء 21 كانون الأول (ديسمبر) 2010.
 
لا يزال الوحش الأمريكي وعبر العصور يسعى لحل الأزمة الرأسمالية عبر السيطرة على كل القطاعات الإنتاجية في البلدان، فهل يستطيع "إنقلاب ويكيليكس" مكافحة تلك الرأسمالية. قراءة بين الأسطر للكاتب جورج حداد توضح الماضي وتفتح أفاق لمستقبل مختلف.

في السابق، في العهد الكلاسيكي "الذهبي" للرأسمالية، اي منذ بداية ما يسمى "الثورة الصناعية" (التي وضعت المجتمع البشري نهائيا على سكة التطور الرأسمالي) وحتى نهاية القرن التاسع عشر، كانت الرأسمالية تعمد الى حل ازماتها الدورية (ازمات اختناق السوق والفائض النسبي للانتاج) عن طريق التوسيع العامودي والافقي للإطار الرأسمالي:

عاموديا: عن طريق التجديد الدوري للقاعدة التكنولوجية ـ السلعية، اي تجديد انتاج وسائل انتاج وسائل الانتاج، التي تـُهتلك (amortization) جسديا او اقتصاديا كل 8 ـ 10 سنوات. فالرأسمالي الذي يجدد ويتقدم، يستمر ويكسب. والذي لا يجدد ولا يتقدم، يخرج من السوق ويسقط ويضمحل.

وأفقيا: عن طريق الاستيلاء على المزيد من الاراضي والبلدان "البكر" (بالمعنى الرأسمالي) "ما وراء البحار"، وبالتالي توسيع الاسواق ومصادر الخامات الرخيصة عن طريق الاستعمار. ولكن في نهاية القرن التاسع عشر اختلـّت هذه المعادلة لان الاراضي "البكر" الخالية (اي: من المستعمرين)، التي يمكن استعمارها نفدت. ولم يكن العلم، ومن ثم الاستغلال الرأسمالي للعلم، قد تطور بعد الى امكانية استعمار الاراضي الجليدية في القطبين الشمالي والجنوبي، او اعماق المحيطات، او مجاهل الفضاء الكوني. واصبح من الضروري تحقيق معادلة جديدة تقوم على اعادة تقسيم الاراضي المستعمرة سابقا.

اي ان البلدان الاستعمارية التي تتطور بسرعة اكبر، وتصبح أغنى وأقوى إقتصاديا وعلمياً و"ثقافيا" ومخابراتياً وعسكرياً، يصبح بامكانها و"من حقها" ان تستولي على اراض مستعمرة اكثر. ولكن التقسيم الاولي هو شيء، واعادة تقسيم المقسم هو شيء آخر تماما. فإعادة التقسيم كانت تعني الاصطدام ليس بالبنى والأنظمة الاجتماعية الهشة والمتخلفة للبلدان والشعوب المستعمرة، بل الاصطدام بين البلدان الاستعمارية الرأسمالية الحديثة في ما بين بعضها البعض. اي ان اعادة تقسيم الاراضي المستعمرة كان يعني نهاية مرحلة التطور "السلمي" للرأسمالية والاستعمار.

وهكذا حينما، منذ حوالى مائة سنة، اي في 1907 ـ 1908 انفجرت ازمة اقتصادية جديدة، كان من الواضح انه لا يمكن الخروج من تلك الازمة سوى عن طريق تحطيم الاطار السلمي للتطور الرأسمالي. وجاءت الحرب العالمية الاولى، ومن ثم الحرب العالمية الثانية في اعقاب ازمة 1929 ـ 1933، لتؤكدان ان الرأسمالية لم تعد "خيارا انسانيا" او لم تعد "خيارا حرا" للإنسانية الحرة، عبرت عنه سياسياً الثورة الانكليزية والثورة الفرنسية وبقية الثورات البرجوازية الاوروبية، بل اصبحت خياراً مفروضاً بالفاشستية والحديد والنار والقنبلة الذرية.

وعشية الحرب العالمية الاولى كانت "الاممية الاشتراكية" قد رفعت شعار "الحرب على الحرب"، داعية عمال مختلف البلدان لعدم رفع السلاح ضد بعضهم البعض، ولتحويل السلاح ضد البرجوازية الشوفينية والاستعمارية، ودعت النواب الاشتراكيين في البرلمانات الاوروبية لعدم التصويت على الميزانيات الحربية لبلدانهم والى اسقاط الحكومات البرجوازية، بمختلف الوسائل وصولا الى الثورة الاشتراكية. ولكن الحزب البولشفي اللينيني الروسي هو الوحيد الذي طبق شعار "الحرب على الحرب" واعلن الثورة الاشتراكية. اما احزاب "الاشتراكية الدمقراطية" (المستمرة الى اليوم في ما يسمى "الاممية الاشتراكية" التي هي مجمع قاذورات بشرية مؤلف في غالبيته من عتاة "الاشتراكيين" الخونة وعملاء الامبريالية والجزارين والمشعوذين واعداء الشعوب، امثال طوني بلير وشمعون بيريز) فغاصت في مستنقع الخيانة الطبقية (للعمال) والوطنية والاممية وسارت في ذيل البرجوازية وايدت السياسة الحربية لبلدانها بحجة "الدفاع عن الوطن!" وتأييد "الاكثرية الشعبية!!" عملا بالمبادئ "الدمقراطية!!!" و"الاصلاح!" و"الانتقال السلمي الى الاشتراكية!". وقد كانت الجماهير الشعبية تضلل من قبل الدبلوماسيين بحجج "الدفاع عن التراب الوطني"، و"حماية السلام"، و"الامن القومي". وهذه هي الحجج التي كانت تعمل في ظلها الدبلوماسية العلنية لمختلف الدول الاستعمارية. ولكن تحت ستار تلك الدبلوماسية العلنية الزائفة كانت تجري الدبلوماسية الفعلية، اي الدبلوماسية السرية، التي تعقد الصفقات وتقيم التحالفات وتضع المخططات وترسم المؤامرات، من خلف ظهر الرأي العام، ومن خلف ظهر البرلمانات المنتخبة، واحيانا من خلف ظهر الحكومات ذاتها، وعموما وراء قناع "اللعبة الدمقراطية!" ومن خلف ظهر الشعوب المضللة برمتها. وفي نهاية الحرب العالمية الاولى، بعد ان وقعت الواقعة، وسقط عشرات ملايين الضحايا من العمال المضللين والمواطنين المساكين، الذين ألبسوا الزي العسكري "الوطني!!" ودفعوا الى الموت الزؤام، ضد بعضهم البعض، في الخطوط الامامية، وفي الخنادق الموحلة حيث كانت جنازير الدبابات تسحقهم وتجبل جثثهم مع الوحول، دفاعا عن مصالح البرجوازية "الوطنية" وبفضل خيانة "الاشتراكية الديمقراطية"، ـ في هذه الاوضاع المأساوية، سارت المظاهرات الشعبية الاحتجاجية، وكان احد الشعارات البارزة في تلك المظاهرات "تسقط الدبلوماسية السرية!". وفي تلك الاوضاع تأكد تماما ان الطبقة البرجوازية والنظام الرأسمالي فقدا نهائيا امكانية استخدام "الدمقراطية!!" كآلية فعلية للحكم، صادقة مع ذاتها، وحولاها ـ اي الدمقراطية ـ الى آلية للكذب والتضليل والديماغوجية والى ستار لوحشية وفاشستية الرأسمال.

وفي الربع الاخير من القرن الماضي بدأت اعراض الازمة الاقتصادية الدورية للرأسمالية تتفاقم، فاتجه النظام الرأسمالي العالمي، بزعامة اميركا، لكسر ما كان يسمى "الستار الحديدي" ولاجتياح روسيا واستعمارها ونهب خيراتها غير المحدودة، لحل الازمة على حساب الشعب الروسي خاصة وشعوب الاتحاد السوفياتي والمنظومة السوفياتية السابقين عامة. واذا كان ستالين والستالينيون قد فشلوا فيما مضى في "التحضير" الكامل للاتحاد السوفياتي كي ينهار وينوخ تماما امام العدوان الهتلري المرتقب، فإن "النيوستالينيين" بقيادة غورباتشوف ويلتسين واضرابهما من الخونة نجحوا، في مطلع التسعينات، في فتح ابواب الاتحاد السوفياتي على مصاريعها امام الهجمة الرأسمالية الاحتكارية، الامبريالية ـ الصهيونية. واستبيح الاتحاد السوفياتي السابق استباحة قطيع من الذئاب لحظيرة اغنام. ولكن الدب الروسي استفاق مرة اخرى من سباته. وادركت بعض الفئات "القومية المعتدلة" والاكثر عقلانية في الشريحة البيروقراطية ـ العسكرية الحاكمة في روسيا (وادركت معها الدوائر الامبريالية والصهيونية ذاتها!) ان الامور يمكن ان تفلت تماما من السيطرة، ويمكن ان تندلع في روسيا (والعالم!) حرب لا يعرف احد مداها، وعلى من تدور اخيرا الدوائر، لانه شتان بين ان يقوم الجنود والضباط الصغار الجياع بالاستيلاء على البنادق والمدافع والدبابات من طراز 1914، كما حدث في 1917، وبين ان يستولي هؤلاء الجياع على الصواريخ عابرة القارات والغواصات النووية والاسلحة النووية وغيرها المسيـّرة الكترونيا. وهكذا، حينما دقت ساعة الكرملين مودعة آخر لحظة في القرن العشرين ومعلنة انقلاب بوتين وازاحة العميل يلتسين، وقفت اميركا عاجزة عن ان تحرك اصبع، لان عيون البيت الابيض والبنتاغون وقيادة السي اي ايه وقيادة الحلف الاطلسي والموساد كانت موجهة ليس الى الانوار المشعة في الكرملين احتفاء بالسنة الجديدة، بل كانت موجهة، برعب مميت، الى الوف الصواريخ الروسية ذات الرؤوس النووية التي تم تصويبها من جديد نحو جميع المدن الاميركية وجميع القواعد والاهداف الاميركية والاطلسية والاسرائيلية في مساحة العالم، استعدادا لرقصة جديدة للدب الروسي، اذا كان هناك خان مغولي جديد، او نابوليون جديد، او سلطان عثماني جديد، او هتلر جديد. وفي 25 ايار سنة 2000 تعرضت الامبريالية الاميركية ـ الصهيونية لهزيمة نكراء ثانية، تتمثل في اضطرار جيش الاحتلال الاسرائيلي للتراجع امام المقاومة الوطنية الاسلامية والانسحاب بدون شروط من جنوب لبنان، وهو يتعثر بعضه ببعض. وتحطمت الى الابد اسطورة الجيش الاسرائيلي الذي لا يقهر. وهذا النصر كان يعني، ضمن ما يعني، اضعاف القبضة الاميركية على منطقة الشرق الاوسط، خزان النفط الاكبر في العالم، بكل ما يعنيه ذلك من انعكاسات مميتة على الاقتصاد الاميركي خاصة والرأسمالي العالمي عامة.

وعلى قاعدة "الوحش الجائع والجريح يأكل ابناءه"، تحرك الوحش الاميركي المصاب بهلع هستيري لحل الازمة الاقتصادية العالمية للرأسمالية، عن طريق اعادة افتراس مناطق نفوذه التقليدية ذاتها. وعلى قرع طبول "صراع الحضارات" و"نهاية التاريخ"، تم تدبير المسرحية الدامية لمجزرة 11 ايلول 2001، التي دمر فيها برجا مركز التجارة العالمي في نيويورك، والتي، بصدفة عجيبة لا تحدث الا في اساطير التوراة اليهودية، تغيب فيها عن العمل جميع الموظفين اليهود الـ400 او الـ500 الذين يعملون في المركز، ونجوا من الموت المحتم، بقدرة "رب الجند" يهوه حامي حمى شعب اسرائيل.

ورفعت ادارة جورج بوش شعار "الحرب الصليبية الجديدة" ضد الاسلام والمسلمين والعرب والعروبيين، وشنت حربها الظالمة ضد افغانستان والعراق وهددت باكتساح المنطقة كلها، ووضع اليد مباشرة وبشكل تام على منابع النفط والغاز وحرمان الاتباع و"الاصدقاء" التقليديين من حصصهم السابقة، بحجة "لادمقراطيتهم". ولكن الغزوة البوشية واجهت مقاومة شديدة لا تزال مستمرة الى اليوم، ولم تأت الغزوة بالعائدات الاقتصادية المرجوة، وبالكاد ردت تكاليفها الباهظة. وهذا يعني ان عوامل وعوارض الازمة الاقتصادية ظلت تتفاعل في الجسم الرأسمالي العالمي المريض.

وفي سنة 2008 حدث المتوقع، وانفجرت الازمة المالية ـ الاقتصادية في الولايات المتحدة الاميركية، وامتدت منها الى اوروبا ومن ثم الى جميع بلدان العالم. وفي اللحظات الاولى من انفجار الازمة ابتلع الذئاب ـ لصوص البورصات الوف مليارات الدولارات العائدة للكتلة المالية ـ النفطية، العربية ـ الاسلامية، المودعة في البنوك والبورصات الاميركية بعهدة "ابناء العمومة" الاوفياء من السماسرة اليهود الذين "قاموا بشغلهم" على خير ما يرام، طبعا في خدمة "السلام العادل والشامل!" مع اسرائيل. وللتخفيف من هول هذه السرقة الاسطورية، ليس من الصدفة ان قامت في هذه الفترة بالذات حملة شعواء ضد "تمويل الارهاب الاسلامي" التي وجهت ضد امراء وشيوخ النفط العرب انفسهم. وفي الوقت نفسه قامت ادارة باراك اوباما الجديدة بدفع 700 مليار دولار من الميزانية الاميركية لمن سموا "المتضررين من الازمة"، اي للصوص الازمة المفتعلة انفسهم كمكافأة لهم وكرشوة للقوى السياسية والطبقية التي تحركهم وتقف وراءهم. واختفت كل هذه المئات والالوف من مليارات الدولارات في بالوعة الازمة، تماما كما يختفي سطل ماء في دوامة رمال متحركة. وبدأت في اوروبا محاولات الخروج من الازمة عن طريق العلاجات الكلاسيكية القديمة، المرتبطة بالانتاج والاستيراد والتصدير ولعبة الفوائد البنكية واسعار العملات، اي على حساب العمال والمنتجين والمواطنين عامة (تجميد وتخفيض الاجور، رفع سن التقاعد، تخفيض ميزانية الخدمات الاجتماعية، الصرف الجماعي، الغلاء، زيادة الضرائب والرسوم، تشديد الحماية الجمركية الخ). اما في اميركا، التي فقدت منذ عشرات السنين طابعها الانتاجي، وتحولت الى "اقتصاد" الخدمات الهوائية والخزعبلاتية (كالقمار، والدعارة، والتهريب، والتزوير، وصناعة "الشو" التافهة، والاعلان والاعلام الرخيصين، والفنون و"الثقافة" الهابطة الخ) فإنه لم يكن بالامكان اتخاذ تدابير جدية للجم الازمة، لان اباطرة "اقتصاد الخدمات" مستعدون ان يلقوا في جهنم الشعب الاميركي برمته، على ان يتخلوا عن جزء من ارباحهم الهينة ولكن الخيالية.

ولكن خلال هذه الفترة الحرجة والمصيرية من تاريخ اميركا والعالم كان قد حدث اكتشاف فائق الاهمية بالنسبة للنظام الرأسمالي العالمي يفوق في اهميته "اكتشاف" اميركا في نهاية القرن الخامس عشر، ونعني به اكتشاف الاهمية الفائقة لزراعة الخشخاش وانتاج الافيون والهيرويين في افغانستان التي احتلها الجيش الاميركي العظيم مدعوما بقوات الحلف الاطلسي. واهمية هذا الاكتشاف تكمن ليس في الافيون بحد ذاته، بل في ان "اقتصاده" يدر ارباحا لا يتصورها اي عقل حسابي تقليدي، تفوق اضعافا مضاعفة 100/1 او 10000% (انتاج كلغ واحد من الهيرويين "الخام" او "النظيف" يكلف فقط 1000 دولار، ويباع فورا بـ100000 دولار لتجار الجملة. ولكن الهيرويين "الخام" او "النظيف" لا يباع للمستهلكين، بل يخضع لسلسلة عمليات تصنيع اضافية. فيصبح الكلغ الواحد 10 كلغ او 50 او 100 كلغ، حسب المواد الكيماوية الاضافية التي تضاف اليه، قبل ان يصل الى "الزبائن الكرام". اي ان سعر الكلغ "النظيف" الواحد يمكن ان يصل الى المليون دولار بعد المرور على مختلف حلقات "الانتاج". وفي المقلب الاخر، فإن مزارع الخشخاش الافغاني المسكين لا يحصل الا على بضعة ملاليم في اليوم. ويعيش الشعب الافغاني بأسره على حافة الموت جوعا كي يتم اجباره على العمل بالخشخاش. وتمنع منعا باتا اي زراعة اخرى، حتى نبتة بطاطا، تحت طائلة الموت. وهناك مراقبة اميركية ـ اطلسية مشددة على امكانية "سرقة" زهرات الخشخاش من قبل المزارعين. فاذا ضبطت اي سرقة فالاعدام الفوري هو الجواب. واذا تم الشك بـ"مجموعة لصوص" تطلع القلاع الطائرة الاميركية والاطلسية وتقصف الاوكار التي تسمى قرية افغانية، حيث توجد تلك المجموعة المشبوهة، ويسقط عشرات ومئات القتلى من الاطفال والنساء والشيوخ والرجال. ويعلن الناطقون باسم البيت الابيض والاطلسي، وتردد وراءهم كل اجهزة الاعلام الغربية والموالية للغرب، عن القضاء على مجموعة "ارهابيين" من حركة طالبان. واذا صدف وانفضحت الكذبة (مثلا: عن طريق جندي او ضابط من جماعة كارزاي كان القتلى من اقربائه)، يعلن البيت الابيض ان الغارة كانت "خطأ". ولكن الاميركان لا يدفعون اي مليم للتعويض لضحايا هذا "الخطأ" حتى لا ترتفع كلفة الافيون واسعاره. ويعيش الشعب الافغاني، بسبب الخشخاش، تحت حصار وعزلة تامين. والمؤسسات الدولية الرسمية وغير الرسمية، مثل اليونسكو واليونيسيف واطباء بلا حدود وصحفيين بلا حدود والصليب الاحمر والهلال الاحمر الدوليين والاتحاد الاوروبي ومنظمة مؤتمر الدول الاسلامية والكاريتاس والفاتيكان وخادم الحرمين الشريفين، لم تسمع الى الان بوجود الشعب الافغاني على الخريطة). وبالرغم من كل الشتائم التي كانت ولا تزال تكال للشعب الافغاني المظلوم وللتنظيم "الارهابي" و"الهمجي" لحركة طالبان، فقد عمد المحتلون الاميركان "المتمدنون" و"الجنتلمان"، الى زيادة انتاج الخشخاش والافيون في افغانستان 44 ضعفا في السنوات الاولى للاحتلال. وهذا ما تقوله اجهزة مكافحة المخدرات الروسية واحصائيات اجهزة الامم المتحدة بالذات (راجع كتاب: حرب الافيون الثالثة، بقلم: مصطفى حامد).

ان اكتشاف اميركا سبق له ان اضطلع بدور زلزال متماد، قلب المقاييس الستراتيجية وحوّل مركز الثقل الجيوبوليتيكي العالمي من "العالم القديم" الى "العالم الجديد". الا ان هذا التحول احتاج الى بضعة قرون ليكمل دورته. اما اكتشاف الافيون الافغاني، و"ضرورة" التحول من الاقتصاد الانتاجي والخدماتي والمالي الى "الاقتصاد المخدراتي" فلا يحتاج الا لبضع سنوات كي يتم "التعامل" والمعالجة اللازمة مع "الاقتصاد" الجديد وقوانينه التي لا ترحم، وتقضي، اول ما تقضي، بالخضوع المطلق والتام لكتلة بارونات المخدرات الجدد، الذين هم جزء مميز الا انهم جزء لا يتجزأ من البنية السياسية ـ المالية ـ العسكرية ـ الامنية الاميركية.

وتقليدا لتسمية "الافغان العرب" التي اطلقت يوما على الشبان العرب "الاسلاميين!" الذين ذهبوا للقتال ضد السوفيات في افغانستان، لنسم بارونات المخدرات الجدد "الافغان الاميركان".

وبحكم طبيعة هذا "الاقتصاد الافيوني" وارباحه الفلكية وعلاقاته واخلاقياته التي لا تقف عند حاجز معين، يطمح "الافغان الاميركان" الان لفرض هيمنتهم المطلقة على الادارة والمجتمع الاميركيين، وعبرهما على المنظومة الدولية الكاملة لاميركا و"حلفائها" من هيئة الامم المتحدة والحلف الاطلسي حتى اكبر ملك وامير وشيخ سعودي وخليجي وصولا الى اصغر موظف في تلفزيون "المستقبل" التابع لعائلة الحريري في لبنان.

ويبدو من القرائن ان "الافغان الاميركان"، وكخطوة اولى على طريق تحقيق مخططهم العالمي، عمدوا الى "التحالف" وتوحيد الجهود ـ طوعا او كرها ـ مع ملوك الكومبيوتر والانترنت في العالم، واستولوا مرة واحد ليس على "اسرار" بل على كل مفاتيح السيطرة والتحكم الالكترونية الاميركية (وغير الاميركية) في العالم. وهذا يعني انهم اصبحوا الان يمسكون بأيديهم:

ـ1ـ كل المفاتيح الالكترونية للآلة العسكرية الاميركية، من "الحقيبة السوداء" لاطلاق الاسلحة النووية، الخاصة بالرئيس الاميركي، الى مفاتيح ابواب المراحيض في الثكنات العسكرية التي تفتح وتغلق الكترونيا. اي انه اصبح بامكانهم ان يشعلوا حربا نووية، في وقت يكون فيه الرئيس نائما في سريره قرير العين وبالقرب منه كلبه الوديع. كما بامكانهم ان يثيروا اي مشكلة في اي ثكنة عسكرية اميركية، وحتى مشكلة نظافة بسبب كثرة الجنود الذين اخذوا يتبولون ويتغوطون في اروقة وممرات الثكنة لان المراحيض مغلقة وابوابها معطلة(!). 

ـ2ـ السيطرة التامة على حركة الطيران والقطارات والبواخر والقسم الاكبر من الباصات والسيارات.

ـ3ـ اجهزة التحكم والسيطرة والمعلوماتية لدى دوائر التجسس والمخابرات والشرطة والامن وجميع السفارات والادارات والقيادات الحزبية والنواب والسيناتورات والسياسيين البارزين الاميركيين، والملوك والرؤساء والشيوخ وجميع حلفاء اميركا في العالم.

ـ4ـ اجهزة التحكم والسيطرة والمعلوماتية لدى البنوك والبورصات والشركات العقارية وغيرها ومنها (كلعبة صغيرة لاولاد صغار) ما يسمى "بطاقات الائتمان" الفردية.

ـ5ـ امكانية التنصت والتجسس على كل المكالمات الهاتفية والمراسلات الالكترونية والمحادثات السرية ضمن الغرف المغلقة، لكل الشخصيات والاشخاص الذين تتقرر مراقبتهم.

ـ6ـ اجهزة السيطرة والتحكم عن بعد لجميع الاجهزة الالكترونية او المسيرة الكترونيا، كالهواتف والراديوات والتلفزيونات والكومبيوترات، والابواب والنوافذ والستائر وقطع الاثاث والجدران المتحركة. بحيث ان "الافغان الاميركان" يستطيعون الان ان يحجزوا اي "صديق" في بيته، او ان يخنقوه بفتح جرة الغاز في مطبخه، او ان يحرقوه في غرفة نومه باشعال حريق صغير عن بعد عن طريق التلاعب بالشبكة الكهربائية وغيرها في بيته او قصره، او ان يقودوا سيارته الحديثة كي تقفز به فوق اي جسر او تصطدم مع اي قطار او شاحنة.

واذا الان، وفي اي مكان من جغرافية السيطرة الالكترونية لـ"الافغان الاميركان"، سقطت اي طائرة (بدون سبب) في الادغال او الجبال او البحار، او اصطدم قطاران يسيران "بدون خطأ" (حسب الجدول)، او وقع حادث سير مروع بدون سبب منظور، او انقطع التيار الكهربائي بشكل غامض في غرفة عمليات جراحية في مستشفى، او اشتعل حريق غامض في غابة، فأي شرلوك هولمز او ديتليف ميليتس سيدرك السبب الحقيقي او الفاعل الحقيقي للحادث.

وكخطوة "بسيطة" و"متواضعة" على طريق هذا الانقلاب، بدأ "الافغان الاميركان"، اي "بارونات الافيون" الجدد، بالاعلان عن وجودهم عن طريق نشر الفضائح السياسية والامنية والعسكرية للادارة الاميركية وحلفائها، وهو ما اشتهر حتى الان تحت اسم "فضائح ويكيليكس"، والاصح تسميته "انقلاب ويكيليكس". ويبدو من القرائن انه، باستثناء ملوك الكومبيوتر والانترنت، فإن  "الافغان الاميركان" لا يريدون "شركاء" لهم، اميركان او غير اميركان، لا سياسيا ولا اقتصاديا ولا "ثقافيا" ولا عسكريا، بل يريدون فقط اتباعا خاضعين خضوعا مطلقا لارادتهم ومخططاتهم. ومن لا يخضع... يعزل كجرذ موبوء عالق في مصيدة، وينتهي امره على كل المستويات قبل ان يموت بصمت. والفضائح التي بدأ باثارتها ويكيليكس هي "اول دفعة على الحساب" وهي التباشير الاولى للانقلاب التام والشامل في النظام الامبريالي الاميركي والعالمي. وقد بلغ من افلاس هذا النظام ان البعض اخذ الموضوع على محمل "لعب الاولاد" واقترح اغتيال جوليات اساندج صاحب موقع ويكيليكس، اما البعض الاخر فاقترح ان يقوم الانتربول باعتقاله واحالته الى المحكمة الدولية، على طريقة محكمة سلوبودان ميلوسوفيتش ومحكمة رفيق الحريري، رحمهما الله.

وهذا الاسفاف والتبسيط الفردي للامور، على طريقة "المحكمة الدولية" للحريري، هو برهان جديد، وربما هو الاخير، على ان الامبريالية الاميركية ـ الصهيونية وجهابذتها اصبحوا يعيشون "خارج التاريخ" تماما!

جورج حداد

 

 

كاتب لبناني مستقل