العدد السابع-كانون الثاني2006

مجرد مسرح

نجيب نصير
السبت 18 آذار (مارس) 2006.
 
إنها مجرد كرة جلدية أو مطاطية منفوخة جداً بالهواء، تتقاذفها أرجل أناس، طالبين اللهو والتسلية، وتجزّ الوقت بلا أذى.. أو نفع.. إنه الاتهام الأكثر شيوعاً بين المثقفين ومحترفي الأدب.. في مفاضلة مبتسرة بين الأدب (خصوصاً)
إنها مجرد كرة جلدية أو مطاطية منفوخة جداً بالهواء، تتقاذفها أرجل أناس، طالبين اللهو والتسلية، وتجزّ الوقت بلا أذى.. أو نفع.. إنه الاتهام الأكثر شيوعاً بين المثقفين ومحترفي الأدب.. في مفاضلة مبتسرة بين الأدب (خصوصاً) كفعالية جادة ومفيدة وبين (الفوتبول) كعبث ولهو لا يشحن ذاكرة ولا يعيد أصالة، حيث تغلي الغيرة في اوداج الصارخين المنبهين إلى هذا الغزو العولمي بما يحمل في طياته من عدمية وعبث، مدللين على ذلك.. بترحيب أقنية الإعلام بأنواعها بتلك الاقدام الجوفاء والتي يصل سعر الواحد منها إلى ما يساوي مئات الرؤوس الملآنة بالكلام الأصيل والشعر الأصيل والغناء الأصيل. ولكن الحياة عندما تصنع ادواتها تفترق بحدة عن منظري الأصالة التراثية، والجدية المقطبة، ومكرسي اللون الواحد والأداة الواحدة فتعزز فنونها حسب حاجاتها ومنطقها. وتترك للمعترضين الصراخ في الهواء الطلق.. مثبتة خياراتها عبر فعاليات الحيوية القومية، ونشاطات الشعوب، لتتحول كرة القدم ذاتها.. إلى حروب قومية على مساحات خضراء محدودة المساحة ومحدودة القوانين مختصرة بذلك ألاعيب التنافس القومية، إلى حدود الصراع المدني، الحر والمكشوف والنبيل في آن معاً، فعلى هذه المساحة المضاءة، تلتقي الفرق التي تمثل جمهورها، كي تتقابل الرؤى والعقليات قبل الاقدام والأجساد، صائغة حلبة لسباق حضاري اقتصادي عقلي متصاعد، حيث يبدو البناء الكروي بعموميته وتفاصيله، نتاجاً قومياً متشابك الاختصاصات البنائية لدرجة يبدو فيها كنتاج اجتماعي بامتياز، حيث يمكن النظر إليه كعلم وفن وتكنولوجيا، وهو ما حدا ألمانيا عند حصولها على أول كأس عالم بعد الحرب الثانية لاعتبار هذا النصر علامة أساسية على نهوضها مرة أخرى بعد هزيمتها العسكرية، وإيذاناً بدخولها عالم الإبداع والقوة مرة أخرى. واليوم حيث تأخذ كرة القدم مشروعيتها من اقتصادياتها المشاركة في الفعل الاجتماعي العام، فقد استطاعت أن تدخل الفن من أوسع بواباته. ليس فقط من باب المهارة والتكتيكات وإنما من باب المسرح، حيث اعتبرت مباراة كرة القدم عرضاً مسرحياً متكاملاً، ليس فقط من حيث الصراع والتشويق وغموض النتيجة، بل من حيث المكان الذي يشكل خشبة كلاسيكية ومن حيث الجمهور ومن حيث الممثلون وطاقاتهم وجمال لعبهم. إنها مسرح الجماهير العريضة التي تأتي إليه حاملة حماسها وأشواقها. ورغبتها بالنصر. إنها من اختراعات الحياة التي فرضتها على الشعوب كي يتنافسوا بأقل قدر من الدماء..