عدد الخمسة والخمسون كانون الأول 2010

الدراما اللبنانية... قفا نبكي
الخميس 23 كانون الأول (ديسمبر) 2010.
 

انها الجغرافية من جهة والاقدار من جهة اخرى جعلت الدراما اللبنانية مزروكة ما بين اهل الصنعة (الدراما المصرية) والحيوية المتوهجة التي تضجّ بها (الدراما السورية). فالأولى حرفية ومهنية، جاهزة سريعة الحركة، قادرة على التعامل مع النص، والاخراج أكان نصا تاريخيا او حديثا، بالمحكي او بالفصحى، انها دراما غبّ الطلب أكانت للموسم الرمضاني او ما بعده او ما بعد بعده. والثانية اي الدراما السورية فهي دراما عملاقة نصوصا واخراجا وتمثيلاً اما سوق العرض عدا المحلي منه فهي تنافس الدراما المصرية واللبنانية على شاشات التلفزة اللبنانية والخليجية وتتصدر هذا السوق بدون أي منافسة تذكر.

هل هذا يعني ان الدراما اللبنانية في حالة جمود، قلة ابداع، او حالة احتضار ام مزيج من كل هؤلاء؟

بالحقيقة ان الدراما اللبنانية تعاني من ازمة بنيوية، وذلك انها لم تكتشف ذاتها بعد فهي في حالة ضياع لجهة انتمائها اكان ذلك للحقبة التاريخية التي تستهدفها هذه النصوص، أو لمجموعة الأفكار حدائوية كانت أم تقليدية أو عبثية على غرار ما يمثله الحراك الثقافي على الساحة اللبنانية.

النص الدرامي اللبناني نص متعجرف لا يخلو من افكار جميلة وخلاقة لكنها مصاغة بطريقة جافة غير مرنة. تتداخل فيه ثقافات الغرب في بعدها السيكولوجي وحبكتها المركبة على وقع تعقيداتها المحشورة في نص شرقي ولمتلقين شرقيين، ابناءعفوية وأصالة ومن طبيعة انسانية راقية في انسانيتها مرهفة في احاسيسها وليس من طبيعة غربية تغوص في عمق المبهم والمستور وتضيع في تحليلاته واحجيته.

اما الجانب الاخر من النص الدرامي اللبناني هو انه نص سخيف لانه يمثل حيرة ظاهرة وفاقعة فيمن يتقصد هذا النص باستهدافهم من شرائح المجتمع وناسه فنراه مفتوناً بالطبقة الميسورة من المجتمع، وبالاغنياء والاثرياء وقصورهم الفخمة وسياراتهم الحديثة وثيابهم واناقهم، او ثيايهن واناقتهن. فيصبح النص معتقلا وأسيرا لمفردات نصية تخص هذه الطبقة. وهؤلاء عادة وبالاغلب حتى لا نجمل، من السذج والاغبياء الذين يملكون مالا وفيرا وعقلا صغيرا.

التمثيل واداء الممثلين لادوارهم

مما لا شك فيه أن هناك ممثلين من الصف الاول، تمّ اكتشافهم عندما توفر نصاً واخراجاً من الصنف الاول، كما في (ابنة المعلم) فعمار شلق وكارمن لبس وانطوان كرباج كانوا ثالوثاً ابداعياً في ذلك لمسلسل الراقي والذي مثل بنظري ظاهرة فنية ثقافية في حينها، لم تتكرر اطلاقاً في حين نجد افراطاً دائماً في مظاهر البذخ في مجمل الدراما اللبنانية. فالممثلون يبالغون في تبرجهم وزينتهم او تبرجهن وزينتهن فدائماً البيوت قصوراً والسيارات باهظة الثمن والمرافقين والحرس والخدم والحلي والمجوهرات. البلاط الرخامي والاثاث الفاخر كل هذا على حساب المضمون الذي عادة ما يكون فارغاً ساذجاً وسطحياً. اما التكلف والذي هو جامع مشترك بين الممثلين اللبنانيين فهو ما يدعو للقلق وذلك انك لا تشعربالعفوية عند هؤلاء، فغالبا ما يعبرون عن طبيعة مغايرة لطبيعتهم تجدها في لغة اجسادهم او اجسادهن ونظرات عيونهم او عيونهن، عداك عن قراءتهم للنص واستهتارهم الدائم بمخارج الحروف وامكانية المتلقي للتلقي بما يتفوهون.

لا تنطبق هذه القاعدة على اثنتين بنظري هما: بيار جمجيان وورد الخال وليعذرني الاخرون.

الانتماء الى حقبة تاريخية

ان النجاح الذي حققته الدراما السورية انها تعاملت مع حقبة تاريخية مثلت الحالة السياسية والاجتماعية والثقافية والوطنية في سوريا بأبهى مظاهرها والحارة الدمشقية قد اختصرت الامة على تخومها الصغيرة فقاربت التاريخ والمرويات والعادات والتقاليد شكل عفوي ومحبب لذا دخلت الى قلوب الناس اكان ذلك في الفترة العثمانية (أهل الراية) او الفترة الانتدابية (بيت جدي) و(باب الحارة).

ونلاحظ في تغييب دور المرأة في هذه المسسلات مع العلم ان التغييب يخص المرحلة التاريخية في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي واكثر مما يخص النص.

اما في لبنان فلا تزال الدراما اللبنانية خارج اي نوع من الانتماءات الى اي حقبة تاريخية، نريد ان نقارب ونكتشف اسرارها ومروياتها وحكاياتها ونصيغ جمالاتها افلاما ومسرحا ودراما.

ذلك اننا شهود لحقبات اضداد في تاريخنا المعاصر.

فلبنان مثلا بالسياسة والثقافة والاقتصاد والاجتماع هو لبنانان، لبنان ما قبل الحرب الأهلية وهذه الحقبة انتهت في العام 1973 والتي شهدت ولبنان ما بعد 1973 وبداية الحرب الأهلية والتي استمرت حتى التسعينات وهذان اللبنان مختلفان اختلافا جوهريا لذا فالمقاربات تستدعي معرفة هذا الامر معرفة دقيقة، هنا يكمن سر نجاح “إبنة المعلم” لانها تعاملت مع فترة الخمسينات فكان مضمون هذه التجربة الرائدة مضمونا يرتبط بالقيم والفضائل والعفوية والثوابت والاصول يقابلها وعلى مسرح الرواية واحداثها وتفاصيلها كثير من الحقد والحب المتشفي والمكائد وحتى صياغة الجريمة وتنفيذها. لقد تابع المشاهدون “إبنة المعلم” بشغف ومحبة  وقد اعادت “الإل بي سي”عرضه عدة مرات بطلب من المشاهدين. اذن فلو تم التركيز على هذه المرحلة في الانتاج الدرامي كما تعاملت الدراما السورية مع مرحلة الثلاثينات والاربعينات لكانت ربما حققت نجاحات رائعة كما في ابنة المعلم.

ان الدراما اللبنانية بقيت خارج الحقبة التاريخية المستهدفة فهذا ما ابقاها في وضع فني غير متوازن حتى لا نقول تائه واما محاولات الانتاج لحقبة الحرب واحداثها فكانت محاولات فاشلة بالكامل وما بعد الحرب والتي عرفت في العبثية والافراط في البعد الارستقراطي، والمال والاعمال، والمخدرات ورجالات المافيا فكانت على جانب كبير من السخف والسخرية والركاكة الفنية الفارق ما بين “ابنة المعلم” وما بين “بيروت ودبي” فالبطلة واحدة اما الانتاجات فمتباعدان ومختلفان اضف الى ذلك هذا التطعيم السخيف ما بين اللبناني والخليجي والذي اثبت فشله في الاغنية اللبنانية كا في الدراما.

الاخراج

لا يقل الاخراج في المسلسلات اللبنانية لا في التقنيات ولا في الخبرة المطلوبة عن الاخراج السوري او المصري ولا يلاحظ المتابع فارقا  كبيراً في حيوية هذه الانتاجات بل ربما تلاحظ ان التقنيات في الدراما اللبنانية لجهة الاخراج والإضاءة والتصوير ربما متوازياً والدراما السورية وهذا ما يمكن ان يبنى عليه حين يتوفر للدراما اللبنانية نصا جيدا وممثلون قادرون وانتاجا متوازنا.

 امام الدراما اللبنانية تحديات لا تحصى عليها ان تستجيب اليها ان تبدل ما يجب تبديله وتطوير ما يجب تطويره فهي شقيقة الدراما السورية في الثقافة والتاريخ والجغرافيا عليها ان تستفيد من هذه التجربة الرائدة، عليها ان تسعى الى صيغ من التعاون المدروس والقابل للحياة ما بين الانتاجين اللبناني والسوري وان تلاقي الخبرات وتفاعلها قد يعطي انتاجات عملاقة على مستوى عالمنا العربي وربما العالم.

 هذا خيار اما الاخر فهو خيار قفا نبكي وهو خيار يبدأ من “فارس بني عيّاد” حتى “ابنة المعلم” و“امرأة من ضياع”.

 

 

نسيب الشامي