عدد الخمسة والخمسون كانون الأول 2010

ظاهرة الزمن في الشعر العربي القديم
الخميس 23 كانون الأول (ديسمبر) 2010.
 

من الدراسات الأكاديمية التي تروق مطالعتها، كتاب للدكتورة نضال الأميوني دكاش عالجت فيه ظاهرة الزمـن في الشعر العربي القديم، وخصَّصت شاعرين بالتحليل والتنخيل فأوفت الدراسة حقّها، بعد إغارة على المراجع طولاً وعرضاً،  لتفي الزمان تمحيصاً من بداءاتـه حتى نـهاياته. فصدق في وصفها مقدِّم الكتاب إذ قال: “ولكنها كانت ربانا ماهرا، استطاعت أن تصل بسفينتها الى برّ الأمان، فجاءت دراستها دراسة من بين الدراسات القليلة الرائدة التي نجحت في التعاطي مع موضوعات التراث بالإعتماد على منهجيّات حديثة

ومما لا ريب فيه ان البحث في الزمن يتطلب الجلد والحنكة والدراية وهي الصفات التي تميَّزت بـها الكاتبة بشهادة مقدِّم كتابـها أيضاً، ما سهَّل علينا فهم الكثير من الإشارات التي تحلَّلت في موضوع الزمن بشرح وافٍ منمّقٍ، واضحٍ، لا ضبابية فيه ولا غموض.

فالزمن من أصعب وأوسع المواضيع التي تُعْرَضُ للتحليل والتنخيل. فهو يؤرَّخ ُ بالأرقام في كتابٍ، في لوحةٍ،  تحت تمثال أو جدارية أو على حورة عتيقة أو في زاوية مهملة بعيدة عن الأنظار  حتى يأتي زمن آخر ليمحيه أو يحييه. فنحن، في الزمن، حكاية تدور في غريب مجهول؛ قدرٌ يحرق الأخضر واليابس ودمارٌ يحوِّل الشواهق الى خراب وأطلال. زمن يمكن أن نقول فيه وعنه الكثير لكن الولوج اليه بدراسة موضوعية جريئة ومع الشعر والشعراء، لهو عمل يتطلب الجرأة حتى حدود التهوُّر وقد نجحت الدكتورة نضال في معالجته حتى حدوده المستحيلة.

 لن ندخل في تفاصيل المعاني والشروحات حول دلالات الزمن لدى شعرائنا ولهم مع الزمن معارك في كل زمن. لكن لا بد من الإشارة الى لمعات عميقة أضاءت عليها  الكاتبة باسلوب تعليمي واضحٍ مشوِّق.

تقول، وفي شرح لقصائد فيلسوف المعرة:/وكون الزمن النفسي هو زمن (الأنا) الذي يختلف في طبيعته عن زمن العالم، أو الزمن الطبيعي أو الأزمنة البيولوجية، لذلك نشعر أحيانا بأن الزمن يمرّ بسرعة ويكاد يفلت من وعينا ...“.

وفي شرح آخر: “كما انه تعذّر عند بعض الفلاسفة تحديد موضوع الزمن نظرا الى صعوبة إحداث الإنتقال من البسيط نفسيا والمعطى مباشرة الى الواضح منطقيا، والصحيح موضوعياً في الطبيعة، مما حدا بالقديس أوغسطينوس في ردّه على السؤال:/ فما هو الوقت إذا؟ إن لم يسألني أحد عنه أعرفه. أما أن أشرحه فلا أستطيع / ثمّ تضيف قولاً لبرتراند راسل:/ بعض أسئلة عن الزمن يمكنها نشر تشويش يائس فيما بيننا/.

هنا، وفي إشارة الى المعري، لا أظنّ أن مفكراً سبقه الى قولبة الفلسفة شعراً برهافة أُصولها الغنائية حتى ظهور الخيّام وهل أروع من قوله في سأمه من الزمن الذي أوردته الكاتبة:

أجزاء دهرٍ ينقضينَ ولم يكنْ

بيني وبين  جميعهنَّ جـوارُ

تمضي بأيامِ البروقِ ومـا لها

مَكْثٌ فيُسْمَعُ أو يُقالُ حوارُ

  لا شك بأنّ الزمـن هو محطة خاوية لمعركة الإنسان مع مصيـره  المجهول وتبقى في فراغ حتى/يسجلها الشعرُ لتصبح حقيقته أو جزءاً منه/.

المحطة عند بشّار بن برد جاءت ثورة على التقليد بلغة متمسكة باصولهـا ومتانة تعابيرها ولم تخل من براءة في تصورها للزمن بين عاهة وكأس وصبابة وطرب. وقد أفاضت الكاتبة في تشريحه لكنها توغلت أكثر في تشريح النؤاسي الذي اندمج كليا بمِثْليَّة زمنه فليَّن اللغة وضاع في إيحاءات مفرداتها مستغلاًّ تعدّد معانيها في محطة زمنية لم يعد يعرف فيها من يتغزل بمن بعد تأنيث النادل وتذكير النادلة في لعبة اللغة  ثمَّ يسَّرت له إباحيته تسخير الغشِّ في لجوئه الى التقليد والتوبة:

أعر شعرك الأطلال والمنزل القفرا

فقد طالما أزرى به نعتك الخمرا

وفي قصيدة أخرى :

فسمعاً أمير المؤمنين وطاعة

وإن كنتَ قد جشمتني مركباً وعرا

وقد قلت عنه “انه لم يطلِّق الخمرة الاّ بعد ان امتصت من جسده كلّ ماويته ولم يمتنع عن هجاء الأطلال إلاّ مرغماً“ في نقد نشر في مجلة الأجيال الجديدة وفي مجلدها الخامس أيلول - تشرين الأول 1955 فالزمن عنده لم يكن وقفة صريحة ثابتة بقدر ما كان العوبة وإن على حساب القيم الإبداعية في عطائه. ويمكن القول، كما سبق، انه كان رهين عصره بفجوره وإباحيته ومثليته وهي صفات ارتبطت بزمن معين في مكان معين. ففي الأبيات التي أوردتها الكاتبة توضيح لما ذكرنا:

 

وقائلٌ: هل تريد الحجَّ؟ قلت له:

نعم إذا فنيت لذّات بغذاذِ

فكيف بالجّ لي ما دمت منغمسـاً

في بيت قوّادة أو بيت نبّاذ

فالمكان هنا هو بغذاذ أي بغداد وهو بيت القوّادة وبيت النبّاذ الذي يجمع في معانيه الزنا والنبيذ والأوباش وهو مكان موصول بزمن الحجّ وزمن قبوله وزمن رفضه.

وأخيراً لا آخراً كنت اتمنى لو أن الدكتورة نضال حصلت على قصيدة لشاعرنا لا وجود لها في ديوانه المتداول وفيها وصف مكثَّفٌ لظاهرة الزمن ولرجولية بعيدة كلّ البعد عن الِمثْليّة والتعابير الخنثوية، يقول فيها:

 

قضى أيلولُ وارتفع الحَرورُ

وأذْكَتْ نارَها الشِعْرى العَبورُ

فقومـا فانكحا خمراً بماءٍ

فَإنَّ نتاجَ بينهمـا السُـرورُ

نِتـاجٌ لا تدرُّ عليـه أُمٌّ

بِحَمْلٍ لا تعـدُّ له شهـورُ

إذا الكاساتُ كَرَّتها علينا

تكَوَّنَ بينهـا فلكٌ يـدورُ

تسيرُ نجومُهُ عجلاً رزيـناً

مُشَـرِّقَةً وأحياناً تَغــورُ

إذا لمْ يَجر صار القطبُ متناً

وفي دَوَراتِهِنَّ لهـا نشـورُ

 

وآخـراً، لا بدّ من قراءة خاتمة البحث التي تُوضِحُ قيمة “هذه الدراسة التي قامت على حركية الزمن بكل أبعاده ومراميه وتحولاته في الذات الشاعرة“ لتصبح المدخل لدراسات تقوم على حركية تحرّرِ الإنسان من رواسبَ تحِدُّ من حرِّية تفكيره فيتحوّل الى حَكَم ٍ لا منازع له في تحديد موقفه “بين الشك واليقين والإقدام والتخاذل“ والى معالجٍ جريء يستطيع حلّ اللغز الكبير في المعادلة الواضحة للعلاقة “بين فساد الزمن والشعر الخالد“.

 

 

لويس الحايك