القوى الحيّة مدعوة للتوحد في مواجهتها - الفتنة سلاح تفتيت الامة

العدد السادس والخمسون كانون الثاني 2011
الثلاثاء 15 شباط (فبراير) 2011.
 

 يغوص مجتمعنا من جديد، في متاهات الانقسام والتفسخ والتشرذم، واذ بنا ندخل مجدداً نفقاً لا نهاية له، انها الفتنة التي تطل برأسها  من نافذة المحكمة الدولية والقرار الظني وما يسمى العدالة الدولية.

لا شك، أن المرحلة مفتوحة على تحديات شتى، مختلفة ومتعددة وخطيرة، ولكن الثابت أن مواجهة هذه التحديات تتخطى الاطار الكلاسيكي التقليدي، وتتطلب جهداً خاصاً ومميزاً لا بد أن يقوم به كل الغيارى على وحدة الأمة وأمنها  وسلامتها واستقرارها.

فالفتنة ليست مسألة طارئة في حياتنا، بل ـ ومع الأسف - حقيقة مستمرة ذات أبعاد مختلفة، بعضها داخلي يختص بالبنية الداخلية لمجتمعنا التي يعتريها عطب بنيوي لا بد من معالجته جذرياً، وبعضها خارجي يتمثل في المشروع الصهيوني وتقاطعاته  الدولية، والضغط الذي يمارسه هذا المشروع والذي يتركز على نقطة احداث اهتزازات كبرى في بلادنا كمدخل لتفتيت الأمة وتشتيت قواها، وضرب وحدتها.

وكل ذلك، يدفع القوى الحية في المجتمع الى التوحد في خطة نظامية، وفي مشروع معاكس يناهض الفتنة، ويؤكد على ثوابت الحياة الواحدة والمصير الواحد، ويقيم شبكة أمان حقيقية تقي لبنان وكل الأمة من الاخطار المحدقة بها، وتحقق التقدم الحقيقي على طريق احباط وضرب المشروع الصهيوني ـ الأساس لكل المشاريع المتفرعة عنه.

الفتنة اليوم تتوسل “الصراع المذهبي بين سنة وشيعة بشكل أساس، لاغراقنا في بحار من الدماء من العراق الى فلسطين مروراً بلبنان.

والهدف هو هو، ضرب المقاومة، وتكسير روح الممانعة لدى شعبنا، واضعاف المعنويات كمقدمة للتطويع والتدجين بدءاً من الفكر الى الثقافة الى الاقتصاد، وصولاً الى التربية، وانتهاء بشطب الهوية وتمزيقها الى هويات تقسيمية تزيد انساننا غربةً وتيهاً في عالم لا يثبت في معتركه الا الأقوياء المتمسكون بالهوية.

كيف يكون الرد؟ هل نكتفي بالنفي والانكار أن التركيبة الداخلية لمجتمعنا تعاني حال اهتراء؟ هل نرفض رؤية الواقع كما هو؟ هل نغمض أعيننا عن الحاجة الى التغيير الحقيقي في طرق التفكير، وأساليب وجوهر المقاربات لكل المسائل؟

هل يكفي أن نؤكد حرصنا على الوحدة، فيما  كل البنى التي تظلل وجودنا هي بنى طائفية ومذهبية وعشائرية وعائلية بالمعنى السلبي والضيق للكلمة؟

الفتنة التي تطل برأسها اليوم تحاول اختراق النسيج الشعبي للمجتمع وزرع أوهام الفرقة والانقسام والتشرذم، والفتنة - قبل كل شيء - نتاج اختراق لبنية العقل في بلادنا، والرد يكون باعادة صياغة وعي جديد يؤسس لثقافة الوحدة والتفاعل والتواصل الحياتي الايجابي على مستوى الجغرافية الوطنية والقومية.

لن نسمح لهذه الفتنة المتجددة أن تمر، فالفتنة ليست خياراً، ولن ندع اصحاب هذا الخيار يدمرون المجتمع ويمزقون نسيجه من جديد، لن نكون نعاجاً، ولن نكون ذئاباً تساوم على سلامة الأمة والمجتمع، وأمن الناس والشعب، بل سنكون أسوداً تواجه الفتنة بالصدور العارية، وبالقلوب المؤمنة، وبالارادات التي لا تلين، وبالحب الذي يعلو على اصوات الحقد والكراهية.

لن نسمح لحثالة مرتهنة، مرتبطة، مأجورة، أن تأخذنا الى قسمة وفرقة، نحن أناسُ أحرار نحب موطننا، نحب انساننا، ونغار على كل طفل وامرأة وشيخ فيه، نحن طليعة مؤمنة بالوحدة... الوحدة... الوحدة... حتى ينقطع النفس.

لن ندع الخوف يتسلل الى قلوبنا، ولن نسمح للقوى الظلامية والجهل والموت أن تبث سمومها في أوساط أهلنا وناسنا وأحبائنا.

نحن قومُ نؤمن أن الشيعة أهلنا، وأن السنة أهلنا، وأن الموحدين الدروز أخوة لنا في الوطن، وأن المسيحيين أحباؤنا وأعزاؤنا، وأن كل انسان التحم في دورة حياتنا الواحدة الموحدة، هو واحدٌ منا، ولن نفرط لا بدمه، ولا بكرامته، ولا بحقه في أن يحيا حياة العز والكرامة والاباء على أرض ستبقى شمس الحرية تظللها.

لقد ولى زمن الجاهلية الى غير رجعة، وبالرغم من كل شيء، سنعمل بكل ما أوتينا من قوة وايمان وارادة وعمل، على وأد هذا الزمن مرةً والى الأبد...

خسئت كل النفوس الضعيفة النتنة أن تخرب علينا سلامنا الداخلي الذي جبلناه بالمحبة والرأفة والحنان، والذي صقلناه بحبنا الحقيقي للحياة لا للعيش، للحرية لا للعبودية.

لن نسمح بعد اليوم أن يهول علينا أحد لا بالفتنة، ولا بالانقسام، ولا بالحروب الأهلية المدمرة، ان مكنونات القوة والوحدة فينا ستتكفل بكشف هؤلاء ووقفهم عند حدهم، لأنهم تمادوا كثيراً في غيهم وفي عهرهم وفي ضلالهم، ولن نسمح لهم تحت عنوان جهلهم أن يجرونا الى حيث يريد الأعداء أن نكون وأن نغرق.

سيقف كل أحرار الأمة اذا تطلب الأمر، متاريس تمنع الفتنة بكل أشكالها، وسنقف صفاً واحداً من كل الأديان والطوائف والمذاهب والعشائر والعائلات في موقع الدفاع عن موطننا العزيز، ومن يريد الفتنة فليذهب الى جزيرة غير مأهولة ويفتعل ما شاء من فتن مع نفسه المريضة ومع أشباح خياله...

لكل المتآمرين نقول، الفتنة لن تحصل، والوحدة سنحصنها بأهداب عيوننا، ومقاومتنا العزيزة الصلبة الكريمة ستبقى راياتها ترفرف على الهضاب والجبال وفي كل موقعة ودسكرة من بلادنا الجميلة، وستبقى رايات الحرية ترفرف مع أرواح الشهداء فوق هذه الأرض لتشكل عنوان حمايتها الحقيقية...

بالوعي نبني، وبالارادة المصممة نخطو الى الأمام على طريق العزة والفلاح، وهذا هو بالضبط دور القوى الحية المؤمنة بالهوية القومية، وقيم الانتماء الى الأمة، والمؤمنة بالحرية والديموقراطية سبيلاً للتحرر والانعتاق من التقاليد البالية، والمتمسكة بالمقاومة خياراً شرعياً أوحد للحفاظ على الوجود.

زهير فياض