أصابع كيسنجر على المحكمة الدولية - ربحنا العالم وخسرنا أنفسنا

العدد السادس والخمسون كانون الثاني 2011
الاربعاء 16 شباط (فبراير) 2011.
 

لم يعُد البقاء في الحالة الراهنة مألوفاً، إستُهلكت الوجوه المتشابهة، الزعامات السياسية فقدت وهجها، والخطابات المتكررة أصبحت مُملة، الكلام لم يعُد وسيلة للتعبير عن الافكار الوطنية الخلاقة، بقدر ما يعبر عن مصالح وإمتيازات سلطوية، البائد منها والمُستحدث متساويان، نحن شعب لنا تركيبة جيناتها السياسية غريبة عجيبة، لا تشبه جينات الشعوب والأمم  الأخرى، وطن أُنشئ على قياس الطوائف التي لم تقطع حبل الصُّرة بعد ضمانة مصالح الغرب، قيادات وزعامات مدروسة ادوارها ومهامها، نُصبت لتحكم البلد على قواعد سايكس بيكو ووعد بلفور. هذه التركيبة اوصلت البلد الى طريق مسدود، أفرغت مضامينه الوطنية لصالح طوائفها ومذاهبها وزعاماتها المستمرة بالتوارث، وبغياب مفاهيم الوعي الشعبي لفكرة الوطن . ففي الخطاب السياسي كما في الخطاب الديني تتجلى فكرة الطائفة وإمتيازاتها ومصالحها، التي إستقطبت، على قاعدة الخوف من الآخر، كافة عناصر ومكونات الطائفة، فتساوى الاديب والكاتب والمفكر والصحافي والطالب الى آخر رجل أو إمرأة في آخر قرية، في نصرة الطائفة، فكرامة الطائفة هي الجامع الموحد لكل هذه الشرائح الطائفية  وليس الوطن.

سر كبير يتحكم بحياة الشعب اللبناني، فمنذ تأسيس الكيان لم يستطع حتى ولو لمرة واحدة أن ينتج سلطة وطنية، أي مُعبرة عن إرادة وطنية، في كل مرّة يحضر الخارج، يكون أساسياً في إنتاج السلطة المرتبطة لزاماً بمصالحه.

وطن غير قادر على إنتاج سلطته وبناء دولته المستقلة، فما هو سر إستمراره وما كانت الغاية من إنشائه، وما الحكمة من التسمك بنظامه القائم على المُحاصصة الطائفية، ولكل طائفة راعيها الخارجي وحامي مصالحها ومصالحة، فكيف يستوي ان نُطلق على هذا التناقض المُخيف إسم وطن.

مَنْ طمس الارث الحضاري والثقافي الوحدوي؟ مَنْ دمّر القيم الإجتماعية والإخلاقية؟ ولماذا إستطاعت الطوائف تعميم ثقافتها التقسيمية، في حين فشلت الأحزاب العقائدية الوحدوية من إثبات حضورها وتعميم ثقافتها؟ لماذا تجرأ الطائفيون على المجاهرة بعدائهم للمقاومة التي هزمت إسرائيل؟ أليس هذا النظام الهجين؟ وكأن الطوائف تتهم المقاومة بخرق التعاقد الذي يسمى الميثاق الوطني، وبالإخلال بموازين القوى الداخلية الغير مسموح بها حتى ولو كان السلاح  لمواجهة اسرائيل، التي تتباين وجهات نظر الطوائف إليها!.

لا يمكن أن ينشأ وطن كنتيجة لتقاسم السلطة والنفوذ، ينطوي على غايات متناقضة واهداف مُتعاكسة، فكل طائفة لها مشروعها، تساكنوا بصيغة العيش المشترك، وتقاتلوا على مشاريعهم الحقيقية، وفي كل مرّة يكون المحرك أصابع ومصالح خارجية، حولته الى مكان مُتاح للمتاجرة والتبادل بالأموال والأفكار والعقائد والسياسات والحروب الأهلية، كلما دعت الحاجة، كما حدث عام 1958 لوقف المد الناصري، وتماماً تلازمت زيارات هنري كيسنجر المكوكية مع احداث 1975  حيث كان يشرف على توقيع اتفاقية سيناء الثانية ـ فصل القوات الاسرائيلية ـ المصرية ويدق آخر مسمار في نعش الوحدة العربية التي يمكن ان تهدد لو قامت مستقبل الكيان الاسرائيلي وهكذا سارت الحرب الاهلية اللبنانية على وقع خُطى كيسنجر وهندسته لشرق اوسط جديد يخدم مصالح اسرائيل بالدرجة الاولى واميركا تالياً، ويمكن اعتبار ما انجزه، انه على درجة من الخطورة لِما فجّرت مساعيه (الغير حميدة ) من نزاعات كرّست الانقسام العربي ومهدت لإنصياع فريق عربي واسع وإنضوائه تحت راية  الارادة الاميركية، ولا زال، وثبتّ وجود الكيان الاسرائيلي.

اصابع كيسنجر ولمساته والسيناريوهات التي اودعها ادراج الادارة الاميركية، كان لها اليد الطولى في كافة الاحداث اللاحقة وصولاً الى الاحداث الخطيرة الجارية الآن، أي المحكمة الدولية والقرار الظني.

إستطاعت المحكمة الدولية منذ قيامها إيجاد إفتراق كبير في الساحة اللبنانية بات يهدد مصير الوطن.

ورغم التطمينات المحلية والاقليمية الساعية الى إيجاد مخارج تُـفوِّت الفرصة على الجهات المستفيدة من مسار المحكمة التي فقدت مصداقيتها امام فريق المقاومة الذي يطالب بفتح مروحة تحقيقات واسعة، والاستفادة من القرائن التي قدمها الامين العام لـ حزب الله السيد حسن نصرالله، ولكن لا يبدو ان الاجواء السائدة من شأنها ان تُطمئن المواطن، فإصرار فريق المحكمة على مواقفه،  والتداخلات الخارجية توحي بأن الامور مُتجهة الى الصدام، وقد لا يكون تأثيرها مُقتصراً على لبنان، بل يتجاوزه ليطال المنطقة بأسرها. إلا اذا نجحت مساعي التسوية.

مخاض إعادة صياغة جديدة للمنطقة، يقع على خط صدام مشروعين، رسمت معالمهما المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، وعلى ضوء ما تكشفه الايام القادمة، يبقى السؤال الاساسي، ماذا يفيدنا إذا ربحنا العالم وخسرنا أنفسنا.

أمين الذيب