الهلال الخصيب في القرن الواحد والعشرين تحديات وجودية - اسامة المهتار: إذا لم نواجه ماضينا الأسود كيف نبني مستقبلاً أفضل؟

العدد السادس والخمسون كانون الثاني 2011
الاربعاء 16 شباط (فبراير) 2011.
 
تحت عنوان الهلال الخصيب في القرن الواحد والعشرين، تحديات وجودية أقامت رابطة الإنعاش القومي في الجامعة الأميركية في بيروت محاضرة للخبير في التخطيط الاستراتيجي والباحث في شؤون المشرق أسامة المهتار. تحولات التقت المهتار وكان معه هذا اللقاء.

عن أي تحديات وجودية تتكلم؟

 موضوع المحاضرة كان خطر اختفاء الهلال الخصيب نتيجة التصحر وانعكاسات ذلك علينا في ظل انفجار سكاني متفاقم وشح متزايد في موارد المياه. وفي الواقع، فإن ما لفت انتباهي لهذا الخطر مقال نشر في مجلة نيو ساينتست في شهر تموز 2009، وكان عنوانه تحديداً: الهلال الخصيب سوف يختفي هذا القرن. وما يزيد من الخطر هو ان عدد سكان دول الهلال الخصيب اليوم هو حوالي سبعة وسبعين مليوناً مرشحين على أن يتضاعفوا خلال الثلاثين سنة القادمة. أما عدد سكان كل من تركيا وإيران فهو حوالي الثمانين مليون نسمة لكل منهما، مرشح أيضاً لأن يتضاعف في المدة الزمنية نفسها.

أما المياه، وحسب تقرير المنتدى العربي للبيئة والتنمية، بعد مؤتمره الثالث الذي عقده في بيروت في شهر نوفمبر الماضي، وكان مخصصًا لمناقشة الإدارة المستدامة للموارد المائية، فإن عددًا من الدول العربية معرض لندرة المياه مع حلول سنة 2015. هذا مع العلم ان معدل المياه المتوفرة في العالم العربي هو خمسمائة متر مكعب للشخص الواحد في السنة مقايسة بستة الآف متر مكعب للشخص الواحد في السنة عالميًا. إذًا، نحن قد دخلنا دائرة الخطر الوجودي دون أن ندري، وسوف ندخل في نزاع كبير على مورد الحياة هذا، ونحن في النزاع الحلقة الأضعف.

كيف تعرّف الخطر الوجودي؟

 الخطر الوجودي هو الخطر الذي يهدد الحياة برمتها بسبب تهديده الموارد التي تقوم عليها الحياة. والحياة في الهلال الخصيب تقوم على شبكة من الأنهار أهمها، دجلة والفرات وقارون وسيحون وجيحون والعاصي. هذه الشبكة في معظمها أسيرة دول المنبع. فكل من تركيا وإيران، واليوم منطقة الحكم الذاتي الكردي في شمال شرق العراق يتحكم بمنابع هذه الأنهار ويبني عليها سدود بعضها عملاق دون أي اتفاقيات ترعى حق دول المصب. كل هذا سوف يعرض حياة الملايين من السوريين في كل من الجمهورية العربية السورية والعراق لخطر المجاعة والعطش وكل ما ينتج عنها من حروب ولاجئين وتغير جذري في نمط الحياة، هذا إذا بقي لنا من حياة.

هل قدمت تصوراً لمواجهة هذا الخطر؟

 أنا خبير إداري وليس بيئي. بالتالي فقد ركزت على الخطوة الإدارية البديهية الأولى ألا وهي ضرورة قيام إدارة موحدة لهذا الملف تشمل الدول السورية وفاعليات المنطقة. هذه الإدارة الموحدة، إذا قامت تضع التصورات التقنية لمواجهة التحدي. ولكن نقطة البداية هي الإدارة الموحدة ذلك أننا نواجه مجتمعين متماسكين قويين هما تركيا وإيران ونحن شعب مقسم ومعلّب في مجموعة دول متحللة اجتماعيًا متنابذة سياسيًا، فأي حظ سيكون لنا في مواجهة الكلاّبة المائية التي تشتد وطأتها علينا.

تصور ان نائباً لبنانياً يدعو اليوم اي في سنة 2010 لتغيير النظام اللبناني إلى نظام تتولى فيه كل طائفة شؤون طائفتها. والأخطر ان العراق، أكبر كيانات الوطن السوري يعمل وفق هذا النظام اليوم إلى حد كبير. نعم سوف تقوم دول المنبع في سنين الوفر المائي بفتح سدودها العملاقة، لأنها لا تستطيع ان تخزن اكثر من سعة السدود، ولكن ماذا عن سنين الشح. العطشان لن يسقي اخاه قبل أن يسقي أولاده.

هل هناك من بصيص أمل في هذه الصورة القاتمة؟

 هناك بصيص أمل وهو النموذج السوري التركي في إدارة المناطق المتنازع عليها حدوديا. إن هذا النموذج القائم على تحويل مناطق النزاع الحدودي إلى مناطق تعاون عبر تنمية اقتصادية مشتركة ومناطق صناعية حرة وتسهيل حركة الناس من وإلى، قد يكون نموذجًا يحتذى ويبنى عليه، شرط عدم التخلي عن الحق القومي في اراضينا المحتلة. غير اني أخشى ان لا يكون هذا النموذج كافيا في غياب تنسيق بين دول الهلال الخصيب السورية.

هذه ليست محاضرتك الأولى في الآونة الأخيرة، بل نلاحظ انك تكثر من الزيارات إلى الوطن وإعطاء المحاضرات. لماذا؟

 في الواقع ان هذه المحاضرة كانت المحاضرة الخامسة في الوطن في أقل من سنتين. فقد أعطيت أربع محاضرات في كل من ضهور الشوير وبيروت ودمشق ومرمريتا بين تموز 2009 وآذار 2010 اشرح فيها منهجية أنطون سعادة في إدراة الخطة الاستراتيجية وفق مثلث الإدراة والسياسة والحرب، كما فصلتها في كتابي الأخير إدارة الاستراتيجية في المؤسسة العقائدية.

أما هذه المحاضرة الأخيرة في الجامعة الأميركية فكانت لقرع ناقوس الخطر عن التحدي الوجودي القائم.

أما لماذا، فلأني ابن هذه النهضة السورية القومية الاجتماعية، والهم السوري يصبح هماً يومياً لنا مهما نأت المسافات ومرت السنين. بنتيجة هاجس عدم نجاح الحزب السوري القومي الاجتماعي في تحقيق غايته قمت بدراسة معمقة لتاريخ نشأته الأولى. ووصلت الى نتيجة مفادها ان عدم فهم أهمية نظرة سعادة إلى الحياة أولاً، والتي يقول انه أسس الحزب بسببها، والتخلي عن تحقيق غاية الحزب ثانيًا، عن قصد او عن غير وعي لذلك، وعدم ادراكنا ان سعادة استخدم منهجية عالية في إدراة خطته الاستراتيجية ثالثًا، كل هذه مجتمعة دفعتني لكتابة الكتاب المذكور، ولشرحه في جولة محاضرات لأن مادته أكاديمية وجافة الى حد ما.

أما اليوم فنضيف إلى هاجس ما حذرنا منه سعادة سنة 1934 من أننا أمة واقفة بين الحياة والموت، هاجس اننا مهددون فعليًا بالموت الجسدي جوعاً وعطشاً في السنوات القليلة القادمة. وهذا كان موضوع محاضرتي الأخيرة.

إذًا سوف اسعى لاعطاء أكبر قدر من المحاضرات عن هذين الموضوعين: التحدي الوجودي القائم والرد على التحدي الوجودي عبر استخدام فكر سعادة ومنهجيته.

بما انك تطرقت إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي، كيف ترى وضعه اليوم، وهل هو في وضع يؤهله لتنكب ما تصفه من تحديات وجودية؟

 كلا، ليس الحزب في وضع التنكب لهذه التحديات، وسبب ذلك هو وضعه المتردي. لا بأس، دعنا نتكلم بصراحة مطلقة فنحن أمام مسؤوليات كبيرة.

بالأمس تنادى عدد كبير من القوميين إلى عشاء سمي عشاء جمع الشمل. قبل العشاء بأيام وبعده بأيام أقام كل من التنظيمين اللذين يحملان اسم الحزب احتفالاً بذكرى التأسيس. حضر العشاء مئات من المسؤولين السابقين والرفقاء غير العاملين، وبعض المسؤولين الحاليين والرفقاء العاملين. هذا الواقع وشعار العشاء دليل على التبدد الذي أحذر منه. المرء يلم شمل ما تبدد.

ما هو سبب التبدد في رأيك؟

 لقد استفضت عن هذا الموضوع في كتابي الأخير ولكني لا أمَلّ من تكراره. نحن في حالة تبدد لأننا أهملنا الغاية التي من اجلها انتمينا إلى الحزب. لا بأس من ترداد هذه العبارة وسوف اظل ارددها إلى ان نعي جميعاً ان الحزب لم يتأسس لتحرير فلسطين ولا لتحرير الاسكندرون ولا لأقامة نظام علماني في لبنان، ولا لإطلاق نهضة شعرية وموسيقية. كل هذه الأمور تحدث كنتيجة لتأسيس الحزب ولكنها ليست هي السبب الذي من أجله تأسس الحزب. لا، لم يتأسس الحزب لأي من هذه المسائل، بل تأسس بسبب نظرة إلى الحياة تقول بطلب الحقيقة الكبرى لحياة أجود في عالم أفضل وقيم أعلى. هذا كلام سعادة المؤسس وهو أدرى بما دفعه لتأسيس حزبه.

لتحقيق هذه النظرة أسس سعادة الحزب ووضع له غاية تتضمن أربعة مواضيع استراتيجية هي: تأسيس نهضة، وتنظيم حركة وإقامة نظام جديد والسعي لقيام جبهة عربية. وعلينا ان نضع عدداً من الأهداف الاستراتيجية لتحقيق كل من هذه المواضيع الأربعة، ونضع المشاريع والميزانيات اللازمة لذلك. والشرط الضروري لكل هذا ان يصبح الحزب حركة الشعب السوري العامة. كما قال سعادة لقاضي التحقيق الفرنسي إبان محاكمته الأولى.

إن تحقيق غاية الحزب ينطوي على إقامة نهضة ثقافية أدبية وفكرية وموسيقية ونظامية وأخلاقية. ولكن النهضة الثقافية وحدها لا تحقق غاية الحزب. كذلك الأمر بالنسبة لتحرير فلسطين وبقية الأراضي السورية المسلوبة. إنها شروط ضرورية وغير كافية لتحقيق غاية الحزب ونظرته. ما ينقص هو الحركة التي تحقق هذه الأهداف وتقيم النظام الجديد.

نحن في الحزب لم ندرَّس ولم نَدْرس أهمية هذه المواضيع.

كما أننا لم ندرَّس ولم نَدْرس القاعدة الأساس في معالجتنا القضايا السياسية التي وضعها سعادة ألا وهي: عدم تجاهل الأمر الواقع وعدم الخروج على هدفنا ومبدئنا. ولم ندرَّس ولم نَدْرس أن أهمية النظام ليست في النظام وحده بل في المبدأ الذي وراءه والهدف الذي أمامه كما علمنا سعادة. فأصبح النظام أداة قمع كما حدث مع ممثل الحق القومي، وهي حادثة الاعتداء الرابعة من نوعها في مركز الحزب، أو كما يحدث حين يفصل أو يطرد رفيق بدون تحقيق ولا محاكمة.

قلت انه على الحزب ان يصبح حركة الشعب العامة لكي يتمكن من تحقيق غايته. ماذا تقصد؟

 أنا لم أقل هذا بل سعادة قاله ووضعه كشرط ضروري لتحقيق غايته. والعبارة حرفياً هي: إن غاية الحزب الأولية ان يكون حركة الشعب السوري العامة. وهذا امر منطقي. إذ كيف يمكن لنا ان نتخيل تحقيق غاية الحزب وبناء حياة أجود في عالم أفضل وقيم أعلى إن لم نكن حركة الشعب العامة التي يثق بها ويسلمها زمام الأمر.

هذا كان صحيحاً بالأمس ولا يزال صحيحاً اليوم. وكون هذه الحركة شرطاً ضرورياً لتحقيق غاية الحزب العامة يقتضي منا محاولة تمثّل هذه الحركة. فكيف نتمثّلها وما هي مقوماتها؟

إنها كتلة كبيرة وحركة شعبية ذات ثقل نوعي وازن في تقرير مجرى الاحداث الداخلية والخارجية. إنها تضم في طياتها عشرات بل مئات الآف إن لم يكن ملايين الأعضاء من محترفين ومهنيين ومتمولين وخبراء وطلاب وفلاحين وصحافيين ونقابيين وعمال وفنانين مبدعين في كل مجال، تعمل وفق دين اجتماعي لها هو المحبة والتعبير لسعادة، وتسيرها نظرة أخلاقية قوامها الصدق. ليس من الضروري ان يعني هذا ان الحزب قد تسلم مقدرات الحكم في سورية أو أي من كياناتها. ولكنه يعني ان هذه الكتلة قد خلقت تيارًا شعبيًا كبيراً فوضها التكلم باسمه والتعبير عن المصلحة القومية العامة والدفاع عنها والعمل في سبيل مصلحة سورية العليا ولا شيء غير ذلك.

ما هو حجم هذه الحركة؟ ولماذا؟ 

 بالنسبة لي، يجب ان تضم على الأقل ما نسبته 2 في المئة ويفضل ان يكون 5 في المئة فما فوق من مجموع الشعب السوري بين سن 16-40 في الوطن والمغتربات كأعضاء عاملين وفاعلين. أما لماذا فلأن هذه النسبة يجب ان تولد تياراً مؤيداً للحزب لا يقل عن 16 في المئة ويفضل ان يكون أكثر من 40 في المئة من تلك الشريحة من الشعب، على اعتبار ان كل عضو سوف يكون فاعلاً ومؤثرًا في دائرة لا تقل عن ثمانية اشخاص. هذا التيار يدعم الحزب وبرنامجه الإصلاحي الداخلي، ومواقفه من القضايا العربية والدولية، ويرفده بالمال والخبرات والعلاقات.

ولكنك تتكلم عن ملايين من الناس!

 طبعاً. وهل قصد سعادة في الحياة لعباً! يتهمني البعض باللاواقعية. جيد لنكن جديين وواقعيين إذاً. عدد سكان سورية الطبيعية اليوم هو في حدود السبعين مليون نسمة باستثناء فلسطين المحتلة. هل تتوقع ان نكون حركة تؤثر في مجرى الاحداث ونحن بضعة آلاف من الرفقاء المتناقصين، ناهيك عن الانقسام التاريخي، وناهيك عن التدني الفكري والثقافي والعملي بحيث أصبح الرفقاء الشباب يغنون في سهراتهم تحت أرزك يا فلان بدي والله عيش وموت. كما نشرت إحدى الصحف مؤخراً. وحيث رئيس التنظيم الآخر لا يخجل من القول ان المجلس الاعلى يحق له ان يجدد لرئيس التنظيم مراراً ودون حدود، طالماً انه يحظى بثقته ويقوم بتنفيذ الخطة التي يضعها له، متجاهلاً الموت السريري الذي عاشه لمدة خمسين سنة فيما هو يحظى بثقة مجلسه الأعلى ويقوم بتنفيذ خطته. من هو الواقعي ومن هو الجدي هنا؟ هل من يقبل بالأمر الحاصل هو جدي وواقعي أم من يرى ضرورة بناء عمارة كبيرة لكي نتمكن من تنكب المسائل القومية الكبرى؟

ربما نختلف على حجم الكتلة أو على النسبة المئوية التي نريد ان نصل إليها فيقول واحد 2 في المئة وآخر 3 في المئة أو 5 في المئة. ولكن لا يمكننا ان نختلف على ضرورة ان يكون هناك نسبة مئوية نعمل لضمها إلى صفوفنا. ولا يمكن ان نختلف ان هذه الكتلة يجب ان تكون بعشرات ومئات الألوف من الرفقاء العاملين.

لا شك ان البداية صعبة، وقد واجهها سعادة ونجح فيها إبان قيادته للحركة. ولكن متى بدأت الإمكانيات بالتراصف تتسارع وتيرة النمو بحيث يصبح من الصعب وقفها. المهم هو التركيز على الغاية والهدف، والنهج والأخلاق التي توصل إلى الغاية والهدف.

وأنت تقول إن الحزب في تنظيماته الحالية غير مؤهل لتنكب هذه المهمة؟

 تماماً.

أليس في كلامك إحباط للرفقاء العاملين وغير العاملين؟

 ربما، لا أدري. الضعيف يحبط. ولكني أعرف ان الحقيقة تجرح واحيانا لا نراها إلا بعد صفعة تدمي الانف. إنني اريد ان اتحدى الرفقاء لكي يستوعبوا ويعلنوا لأي حزب انتموا، ولماذا، وماذا يريدون من حياتهم. هل يكونون أزلاماً لزعيم جديد لهم اسمه أبو فلان، كما نقلت صحيفة الأخبار مشكورة، أم انهم في حزب نهضة اسسه انطون سعادة. هل هم مجموعة سمحت لنفسها ان تبقى في قبضة شخص واحد لمدة خمسين سنة، ولا مانع عندها من البقاء في قبضة شخص آخر لمدة خسمين سنة ثانية. أم أنهم أحرار ونهضويون. هل هم أفراد يريد كلٌ تنقية ضميره ليمضي إلى آخرته آمناً مطمئناً أم اننا جماعة تريد ان تعمل إلى آخر رمق في سبيل قضيتها.

الفصل الأخير من كتابك إدارة الإستراتيجية في المنظمة العقائدية عنوانه من هنا إلى هناك تقدم فيه تصوراً للخروج من واقع الحزب الحالي. هل لقي هذا التصور قبولا لدى القوميين مسؤولين وأعضاء؟ وما هي الخطوات التي تنوي القيام بها حيال هذا التصور.

 لنوجز التصور. إنه يقول بالتفاف القوميين واجتماعهم على نظرتهم وغايتهم وعقليتهم الأخلاقية ومنهجية سعادة في إدارة الخطة الاستراتيجية. إذا حصل هذا الأمر لا يبقى هناك مجال لانقسام حزبي ولا ضرورة لعشاء لم شمل.

مع الأسف لم يحصل الاهتمام الكافي والعملي من قبل المسؤولين لا من هنا ولا من هناك فكل، على ما يبدو، يرى الدنيا في ألف خير. أما القوميون في الصف الحزبي فإن اهتمام الذين اطلعوا على الكتاب او حضروا محاضرة لي كان تقديرهم كبيراً بقدر استيعابهم لهذه المفاهيم الاساس التي ركزت عليها والتي كانت مجهولة من عديدين منهم حتى بعض من أمضى عمره في الحزب.

السؤال البديهي التالي إذاً هو: إذا كان هذا هو الواقع، وإذا كان هناك قوميون يريدون ان يأخذوا بنظرة سعادة وأن يعملوا في سبيل تحقيق غاية حزبه وفق أخلاقيته ونهجه فإلى أين يذهبون؟

 هناك قول للوالد، الأمين الراحل عجاج المهتار: المغناطيس لا يجذب الخشب. وقد أجابني بهذا القول حين سألته ما الذي وجده في سعادة فدفعه للتخلي عن طائفيته وقرويته وينضم الى حزبه. ومغزى العبارة أنه كان - كأترابه من ذلك الجيل - لديه التوق الى شيء نبيل كبير، إلى حياة أفضل في عالم أجمل وقيم أعلى وإن لم يعرفوا كيف يعبرون عن ذلك أو كيف يصلون اليه. وكان لديهم الاستعداد للتضحية في سبيل ذلك بكل غال ونفيس. كانوا على استعداد للذهاب إلى النهاية في سبيل هذا التوق. ولكن كان ينقصهم القائد، وكانوا يبحثون عن منقذ.

هذا كان المعدن الذي جذبه سعادة. ومع هذا المعدن دخل الكثير من الغبار والهباء والفساد. وسعادة لم يتوان يوماً عن التنظيف والتطهير حفاظاً على هذا المعدن.

أهمية سعادة في أنه ترك لنا المواصفات المطلوبة للانقاذ: النظرة والغاية (المثال الأعلى) والقيم الاخلاقية العليا، والخطة الاستراتيجية ومنهجية إدارة هذه الخطة. هذه المواصفات سوف تجذب المعدن في كل لحظة. سعادة إذن كان المنقذ ولم يزل المنقذ.

أما القوميون المعدن الذين يسألون إلى أين يلجأون، فإني أقول لهم إذا اعتبرتم فعلا ان سعادة بما تركه من مواصفات للانقاذ هو المنقذ، وإذا كنتم ترفضون ان يكون سعادة شهابًا مرّ في سمائنا وانطفأ؟ كما سألني الصديق الحبيب أنطوان بطرس ذات مرة وكله وجع، وإذا كنتم قد سئمتم من إضاعة الوقت في قصص هذا المركز أو ذاك، وإذا كنتم على استعداد لتنكب مسؤولية هذه النهضة بكل اعبائها فإن المسمى التنظيمي لا يهم، وأنتم لستم وحدكم.

إني متفائل انه من وسط هذا الركام وهذا الدمار الكبير الذي اسمه الحزب  سوف ينهض القوميون الاجتماعيون ويتنادون في حركة تبقي شعلة سعادة حية وتحقق مثالنا الأعلى جميعاً.