تسويق الوهم استراتيجية مدمرة

العدد السادس والخمسون كانون الثاني 2011
الاربعاء 16 شباط (فبراير) 2011.
 

ماذا يعني لنا هذا العنوان المرصودُ إلى الغرابة؟ جمعُ الشملِ، أو هل هناك من مسوّغ ليجتمع شملُ القوميين، وهم ما تفرقوا، يقول البعض. هم ما تخاصموا، هم ما تقاتلوا، هم لم يغتسلوا بدماء بعضهم، يقول آخرون. الرويةُ فينا تقول... عذراً، وعلى نحو فيه قساوة الجرأة ولو أدمت وخشونة المصارحة ولو أثملت، وفجاجة المشافهة ولوصدّت لها الآذان، نعم يا رفاقي في القضية الواحدة، والمحبة الواحدة، يخف تنابذنا وتقاتلنا وكنا وقود جهنم موصوفا وكنا أسرى لعبة الدم عند هذا يصبح عشاءُ جمع الشمل، باقة وَردٍ في حفل عودة البسمة الى شفاه القوميين، عودةَ الفرحة تغمر قلوبَهم، وعودة الأمل يبشر بانبلاج فجر جديد.

إنه الماء ونبع الماء وقطرةُ سكبتها يداه، فيه شيء ينعشك ويشقيك، فيه تروح الى حبٍ يسامر قلبكَ ويدميك، وتبقى تعود إلى النبع فالعذوبة التي فيه تنسيك ما يشقيك ويدميك. هذا ما سكبته يداك في النبع، زعيمي، بوركت يداك.

أخذني الكفر والإحباط الى سفرٍ بعيد، تقصدتُ معرفةَ وجوه تضجُّ بالحياة على غير شاكلة القوميين ووجوههم، فتعرفت إلى ثلاثة وجوه.

أولها: وأعترف انني كنت مفتوناً بأصحابها، الحياة لديهم ميسورة، والهموم بسيطة وعادية، والفرحةُ تغمرُ نهاية اسابيعهم ولياليهم والألسنُ والطربُ يدخل الى سهراتهم من دون إذن، ولكنه السخفُ يدخل أيضاً، وعالم الحديث عن المأكل والمشرب، ويدخل من ابواب بيوتهم فحيح الطائفية وسمّ العائلية، والنزعة الكيانية، والعداء للمقاومة، جماعة بدنا نعيش، ليتأكد لك أنهم لم يشربوا من ذلك النبع.

وثانيها: رجال ونساء من سادة الرأي أصحابُ تاريخ طويل في النضال يشاطرونك عمقَ الحجة وقوةَ الدفاع، لكنهم باتوا عند أصحاب المال موظفين، ومنظرين لليبرالية المتوحشة، إنهم انتهازيون حتى إنقطاع النفس ويتأكد لك أنهم لم يشربوا من ذلك النبع.

وثالثها: رجال اعزاء، قدوة في النضال، نموذج فريد في حياة الأمة يشاطرونك همَ الوطن وهمَ القضية، رفاقُ درب وشهادة وصدق ووفاء ولكنه بالرغم من كل هذا تبقى على ضفاف القلب ولا تدخل الى نعيمه، وحاجبٌ من التقية المهذبة، والكياسة المتأصلة في حديثهم وقولهم والتي تخفي شعوراً سره في ايمانهم وتاريخهم ومسيرتهم، فيتأكد لك أنهم لم يشربوا من ذلك النبع.

تعود للمقارنة ولك واحد من خيارين، اما ان تكون المالك الحزين! وشاهداً على السخف المبين، وإما ان تعود الى النبغ بالرغم من كل ما يشقيك ويدميك.

(من الذين شربوا واستقوا ولا زالوا حرساً على عذوبة النبع)

لكنها عودة من نوع جديد:

نعود لنلتقي، نعم لنلتقي وقضايا أمتِنا وعالمِنا العربي حاضرةٌ.

جرح غزة الذي أدمانا، وجرحُ العراق النازف دوماً والذي أضاف الى دجلة والفرات نهراً ثالثاً إسمه النازف، ولبنانُ والمحكمة الدولية، والفقر الذي يدق أبواب الناس، والفسادُ الذي يلتهم مواردُ الدولة والشعب، والإصلاحُ المؤجل في مالية الدولة والماء والهاتف والكهرباء، والمكباتُ التي تحولت إلى قنابل موقوتة وكوارثَ برسم لحظة إنفجار. وحالةُ الإضطراب السياسي والسيناريوهات والقلقُ الذي انتقل من الصدور الى الوجوه والشفاه.

وخطرُ اسرائيل الدائم على شعبنا وامتنا ومقاومتنا.

نلتقي لا لنقدم الحلول، فنحن لا نملك حلولاً، إنما نلتقي لنتباصر في شؤوننا جميعاً لنفكر في الحلول، الفارق بين الامس واليوم أننا لن نجادلَ بعضنا إلاّ بالتي هي أحسن، ولن نحاور بعضنا إلاّ بعد ان نتفق على سواسية الاصغاء والزاميته القاطعة.

وهنا وصفة من مجنون جبران، اسمها العالِمان

يوم راح عالم كافر وعالم مؤمن، واتفقا ان يتحاورا ويتحاجّا في شؤون الكفر والإيمان وبعد حوار دام لساعات طوال، راح العالم الكافر الى الهيكل في المدينة يعتذر من الكهنة ويقبل أيديهم ويطلب المغفرة، اما العالم المؤمن فقد جاء مع كتبه الى ساحة المدينة ليحرقها جميعاً. إنه الحوار وحده الحوار الذي يوصلنا الى معرفة الحلول، وحده الذي يجعل الكافر مؤمناً والمؤمن كافراً.

نلتفي لنبدأ مسيرةً هادئة في النقد الذاتي، فالفكر القومي لا يزال يمثل راهنيةً ولكنه النهجُ والممارسة، او هل لا يزال في حيز الجدوى والثبات؟ هل لا تزال المسيرة تضجّ حيوية أم اصابها خفوتٌ وتراجع؟

قد يقول قائل: ولكن وحدها المؤسسات، والتي هي أفضلُ ما أعطاه سعادة هي الذات الكفيلة بإبتداع الحلول.

نقول وبمحبة: إذا كانت المؤسسات تفتقد لبرامج انتصارها، وما عادت تشكل الخطة البديلة لتحقيق ذاتها، وأمست خارجَ حركة الصراع ومن ثم غيبت قضية الامة عن حق التقدم، أفهل تبقى أفضل ما أعطاه سعادة؟ حين يطالها الجمود واللا جدوى أوليس من الافضل ان نلتقي لنرسم لها برنامجاً وخطة وعودة الى حلبة الصراع؟

قد يقول قائل: نحن حالة متجذرة في قلب حركة الصراع في لبنان والشام والعراق وفلسطين والاردن، نحن حضور فاعل ومشارك في كل أشكال النضال نحن في طليعة حركة التحرر، ودليلنا هو انتشارنا الذي طال اقاصي الأرض ويعززه قبول الناس لعقيدتنا والتفافهم من حولها وإنتسابهم إلى مؤسساتها. نلتقي لنقول بمحبة: اما حان بعد ثمانين سنة ان نوقف هذه الاستراتيجية المدمرة التي إسمها تسويق الوهم ونبدأ بداية جديدة ترتفع الى مستوى صدق شهادة سعاده، ووفاء لها، فنرتفع جميعاً بالصدق والوفاء لنؤكد اننا انتمينا الى حزب مقاوم، ولسنا حزباً داعماً للمقاومة، نحن حزب إصلاح ولسنا حزباً داعماً للإصلاح، نبدأ بداية جديدة في مسيرة تصويب وتصحيح وحبذا لو تبدأ الان.

نلتقي لنؤكد على ضرورة توحيد جهود القوميين، وانطلاقاً من فكر انطون سعادة لتحقيق الأهداف التالية:

1 - قيام نظام علماني ديموقراطي وحدوي، تنموي عادل.

2 - تحصين مجتمع جديد موحد ومقاوم لكل أشكال الاحتلال والاستبداد والتجزئة والفساد.

3 - بناء انسان جديد منتج ومبدع وملتزم بقيم الحق والخير والجمال وعياً وسلوكاً.

عندما إلتقينا أصبح المستحيل ممكناً، عندما نلتقي قد يفرح نبع الماء من جديد، قد تتسع فيه القطرة التي سكبتها يد زعيمنا، قد يكون لنا فجرٌ جديد.

نسيب الشامي