قراءة قانونية ـ سياسية في ملف شهود الزور - اسقاط المحكمة الدولية اسقاط لمشروع الفتنة

العدد السادس والخمسون كانون الثاني 2011
الاربعاء 16 شباط (فبراير) 2011.
 

يقتضي أولاً أن نشير الى صعوبة فصل الجانب السياسي عن القانوني في موضوع شهود الزور، هذه القضية التي تقض مضاجع اللبنانيين وتؤرقهم منذ فترة.

شهود الزور هم اولئك الذين ضللوا التحقيق في قضية مقتل رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري، مما ادى الى توجيه اصابع الاتهام السياسي الى النظام السوري، واعتقال 4 قادة امنين في لبنان لمدة اربع سنوات، ومن ثم تركهم احراراً بعد أن برئوا من أي اتهام، واسقاط التهمة السياسية عن النظام السوري، وصدور تسريبات حول مضمون القرار الظني المزمع صدوره، بتوجيه اصابع الإتهام الى أفراد في حزب الله بارتكاب الجريمة.

لقد اثير ملف تضليل التحقيق عبر شهود الزور من قبل القضاء الدولي واللبناني ومن قبل سعد الحريري ابن الرئيس رفيق الحريري ورئيس حكومة لبنان في تصريح خاص لجريدة الشرق الأوسط السعودية. وفي السياق التسلسلي لهذا الملف يقتضي التذكير من الوجهة القانونية البحتة انه وبعد استشهاد الرئيس الحريري قام مجلس الوزراء في حينه باصدار مرسوم بتحويل هذه الجريمة الى المجلس العدلي وتعيين محقق عدلي بهذه القضية بكل تفرعاتها.

وقد ترافق عمل المحقق العدلي مع تحقيقات كانت تجريها لجنة التحقيق الدولية استناداً الى اتفاقية مع السلطة اللبنانية، وكانت هذه اللجنة الحلقة والخطوة الأولى في مسعى فريق لبناني - دولي بسحب هذا الملف من يد القضاء اللبناني ووضعه في يد القضاء الدولي، واستمر هذا الفريق بمسعاه لتمرير اتفاقية مخالفة للأصول القانونية والدستورية التي ترعى قيام هكذا معاهدات، كل ذلك لوضع هذا الملف بيد مجلس الأمن حيث ان ميزان القوى في هذا المجلس محسوم لصالح أميركا وحليفاتها، خلافاً للوضع الداخلي الذي كانت تتأرجح فيه موازين القوى وتتساوى على رغم الانقلاب السياسي الذي نفذه فريق الرابع عشر من اذار عبر مجموعة القرارات الصادرة عن مجلس الأمن الذي كان اولها القرار 1559 وما تلاه على الصعيد الداخلي بالغاء أي دور لرئيس الجمهورية وتجاوز لمجلس النواب ولاعفاء رؤساء الأجهزة الأمنية وزجهم في السجون، ناهيك عن قيام مؤسسات أمنية غير قانونية وغير دستورية وتنصيب محاكم ميدانية واعلامية واتهامات وادانات سياسية وأمنية طالت كل الأفرقاء والقوى التي عارضت هذا الانقلاب التي قادته الولايات المتحدة وحلفائها خصوصاًً فرنسا واسرائيل والفريق اللبناني الداخلي، وكانت القضية المركزية لتزخيم هذه المعركة اغتيال الرئيس الحريري الذي كان يمثل نقطة تقاطع بين طرفيّ الصراع في لبنان والمنطقة.

الرئيس رفيق الحريري كانت تربطه علاقات مميزة مع الرئيس الفرنسي جاك شيراك، ومع زعماء الكثير من الدول والأنظمة العربية التي تناصب النظام السوري العداء، خصوصاً بعد رفض الرئيس بشار الاسد الموافقة على احتلال العراق، وتشبثه بالتمديد للرئيس لحود، الخصم اللدود للرئيس الحريري على الساحة اللبنانية، ورغم ذلك فان الرئيس الحريري ووفقاً لادائه طيلة الخمس عشرة سنة كان يشكل جسر تلاق ٍ بين خطين متعارضين حتى التناقض إن على مستوى الوضع الداخلي اللبناني أو على المستوى الإقليمي، موظفاً علاقاته وصداقاته الدولية في تأمين هذا التوازن وكانت المسألة الأهم في هذا المجال المقاومة والمسعى الاسرائيلي الدائم لضربها والقضاء عليها منذ نشوئها لاسيما في حرب عناقيد الغضب عام 1996، والدور الذي لعبه الرئيس الحريري مع قيادة الجيش في تلك المرحلة بتشريع هذه المقاومة التي استطاعت ان تصمد في وجه العدوان الاسرائيلي، لم يغفر الاسرائيليون موقف الرئيس الحريري ودوره في تحرير الشريط الحدودي في ايار العام 2000 وفي عمليات تحرير الأسرى.

ان دور الرئيس الحريري المزدوج لم يعد قابلاً للحياة في ظل الحقبة التي تلت التحضير لاصدار القرار 1559 فكان يقتضي الغاء هذا الدور فكانت عملية الإغتيال، وقد اصابت اكثر من عصفور بحجر واحد لاسيما في ظل تعبئة عاطفية ومناطقية وطائفية وتكفيرية وتخوينية، فأصبح نصف الشعب اللبناني، وكل مخالف للمشروع الأميركي ـ الاسرائيلي في المنطقة مشاركاً بعملية الإغتيال، وأصبح الفريق المناهض لهذا المشروع بكافة افرقائه وناسه متهمون ومحاكمون ومدانون بهذه الجريمة.

راهن الأذاريون بعد اغتيال الحريري وفي ظل حمأة الإحتلال الأميركي للعراق ولافغانستان، والضغط المستمر على قوى المقاومة والممانعة، على انهيار هذا الحلف بعد هذا الكم من الملاحقات والتهديدات وبعد هذه التعبئة التي لم يسبق ان حصل مثلها في بلد لا تحتمل توازناته الدقيقة هذا الهجوم الدولي والاقليمي، وما يمكن ان تؤدي على صعيد بنيته من اختلال وفتن، ولم يهتم الفريق الأذاري بكل ضوابط النظام اللبناني، فقد استمرت حكومة السنيورة غير الشرعية بالحكم رغم غياب الوزراء السبعة، وعطلت دور رئيس الجمهورية وحاصرته ومنعته من ممارسة أي وظيفة دستورية، وصادرت دور مجلس النواب وحيدت قيادة الجيش، وعززت دور فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي، وافسحت المجال للمؤسسات الأمنية الخاصة على غرار ما كان حاصلاً في العراق، كل ذلك لتهيئة الأرض لضرب المقاومة آخر بؤرة اعتراضية على الساحة اللبنانية والعربية وذراع فاعلة على مستوى قوى الممانعة في المنطقة.

استبقت اسرائيل وبطلب ودعم اميركي - شيراكي اكتمال نصاب الفتنة الداخلية بشنها حرب الـ 2006 على المقاومة، ولم يسعفها دعم بعض الاطراف اللبنانية لا المعنوي ولا السياسي على تحقيق اهدافها، بل بالعكس فان السواد الأعظم من الشعب اللبناني قد سفـّه معادلة الفتنة في الداخل واحتضن جمهور المقاومة في كل الساحات اللبنانية، ما ساعد على منع اسرائيل من تحقيق مخططها بضرب المقاومة لا بل اصيبت اسرائيل بنكسة وهزيمة إن على المستوى العسكري أو على المستوى المعنوي، أو على المستوى العقائدي الذي طالما رسمته اسرائيل منذ نشأتها لدى ناسها في داخل فلسطين المحتلة أو لدى الدول الاقليمية التي كانت تؤكد ضرب المقاومة والغاء وظيفتها كتوطئة لضرب سورية وايران والمقاومة الفلسطينية لانهاء الصراع العربي - الاسرائيلي وفقاً للشروط الاسرائيلية - الأميركية وارساء الشرق الأوسط الأميركي الصهيوني الجديد.

اتت نتيجة حرب تموز عام 2006 في ظل كل هذه المعطيات التي كانت سائدة بمثابة كارثة للمشروع الأميركي - الصهيوني - الشيراكي، والتي لم تنجح معه محاولات مجلس الأمن باصدار قرارات لتغطية الهزيمة التي لحقت باسرائيل والذي كان آخرها القرار 1701 من انعكاس نتائج هذه الهزيمة إن على الأطراف المحليين أو على المستوى الأقليمي أم على المستوى الدولي، لاسيما بعد ان فشل العدو واعوانه الدوليون والمحليون باحداث فتنة مذهبية بين السنّة والشيعة من خلال احداث السابع من ايار 2008، استمر تصميم اسرائيل واعوانها على احداث فتنة داخلية لضرب كل عناصر القوة في جبهة المواجهة، فكانت المحكمة الدولية والقرار الظني الذي صدر في الصحف الغربية وفي اسرائيل اعلامياً وسياسياً وأمنياً، قبل صدوره رسمياً.

اما المسألة الوحيدة التي استطاع الطرف المحلي اقتناصها فهي تمرير اتفاقية المحكمة الدولية مع مجلس الأمن، انها الجبهة المشتعلة اليوم والأداة الأفعل في يد خصوم لبنان لاسيما ان العدو والفريق الداخلي المؤيد لهذه المحكمة يختبؤون وراء شعارات العدالة والحقيقة.

المعارضة وفريقها القانوني، وفي معالجته القانونية لملف شهود الزور ينطلق من ان المحكمة الدولية رفضت محاكمة شهود الزور واعتبرت ان ذلك ليس من اختصاصها، استناداً الى ان هؤلاء الشهود قد ضللوا التحقيق وخربوا العلاقات مع النظام السوري والحقوا ضرراً سياسياً كبيراً في البلاد وزجوا قادة امنيين في السجون ... الخ واذا كانت المقاومة وفريقها السياسي قد نجحوا في المواجهة السياسية والأمنية وفي الصمود والإنتصار بوجه اسرائيل، وان كان ما يثيره هذا الفريق صحيحاً على المفصل القانوني لكن المسألة الأهم من القرار الظني هي المحكمة نفسها، فالمحكمة في نشأتها مخالفة لكافة الأعراف والأصول القانونية والدستورية وان الفريق اللبناني الذي كان وراء تهريب الاتفاقية مع مجلس الأمن على النحو الذي اوردناه لا يملك الحجج لا القانونية ولا الدستورية ولا المنطقية لأعطاء هذه المحكمة الشرعية القانونية التي تتطلبها وكل ما تطرحه في هذا السياق ان مجلس الأمن قد اصدر قراره والمحكمة اصبحت موجودة بأمر الحكم الواقع، ان كل ذلك ليس له أي سند قانوني ودستوري، حتى ان رئيس المحكمة الذي تناول قانونية وشرعية هذه المحكمة اشار الى مسألة غير مسندة قانوناً، ان هذه المحكمة التي قد تكون غير شرعية أو غير منشأة وفقاً للأصول لكنها اكتسبت شرعيتها بقبول التعاطي معها من قبل السلطات الرسمية في الدولة اللبنانية.

لا يمكن الركون من الوجهة القانونية الى اجراء غير شرعي أو قانوني ومرتكز الى حالة انقلابية داخلية ومطعون شرعياً بكل ادائها وقراراتها، وبالتالي فان قبوله بالأساس يجعل الفريق الرافض لبعض النتائج مما يعني انه قابل بسائر النتائج الأخرى المتعارضة ومصلحة لبنان، في سيادته، وفي قضائه، وفي محاكمه وفي عدالته وفي امنه، وفي استقراره وفي اقتصاده وفي مستقبله وفي شرعية وجوده وفي حقه التاريخي بممارسة كل هذه الصفات على ارضه وان أي مسعى داخلي للتوافق على مواجهة هذه المحكمة السالبة لسيادتنا واستقلالنا والعاملة على اشعال الفتنة في نسيجنا الاجتماعي والطلب بابطالها واعادة ملف جريمة الأغتيال الرئيس الحريري الى كنف العدالة اللبنانية هو مطلب لا يمكن لاحد في لبنان ان يعارضه .

ان اسقاط المحكمة الدولية، هذه المحكمة، يعني اسقاطاً لمشروع الفتنة في لبنان ويضع العدالة في اغتيال الرئيس الحريري على سكتها الصحيحة.

نبيل كيروز