اميركا في مواجهة التبدلات الديموغرافية - اللاتينوس قادمون!

العدد السادس والخمسون كانون الثاني 2011
الاربعاء 16 شباط (فبراير) 2011.
 

لا تزال الولايات المتحدة الاميركية تعتبر دولة انجلو ـ ساكسونية. في البدء اتخذت اميركا الشمالية هذا الطابع، لان المكتشفين او الاصح الفاتحين والغزاة الانجلو ـ ساكسون (في الاغلب البروتستانت) هم الذين سيطروا في شمال القارة، باستثناء مقاطعة كيبيك (الفرنسية ـ الكاثوليكية) في كندا، التي لا يزال يسود فيها التيار الانفصالي. ولكن فيما بعد (مع استقدام الزنوج الافارقة للعمل كعبيد في خدمة الرأسمال الاكثر وحشية في العالم، اي الرأسمال الاميركي؛ ومع تدفق موجات المهاجرين من كل القارات الى اميركا، وخصوصاً من اميركا اللاتينية القريبة) فإن الولايات المتحدة الاميركية احتفظت بطابعها الانجلو ـ ساكسوني، لان العنصر الانجلو ـ ساكسوني، لجأ الى مختلف الاشكال المافياوية المنحطة ومختلف الألاعيب الديموقراطية المزيفة، وخصوصاً الى قوته المالية، للاحتفاظ بمفاتيح السلطة، بكل اشكالها: المالية ـ الاقتصادية، والاجتماعية ـ الثقافية ـ التعليمية ـ الاعلامية، والسياسية ـ البوليسية ـ العسكرية. وقد تعززت سلطة الانجلو ـ ساكسون (البروتستانت) في الولايات المتحدة الاميركية، عن طريق تعاونهم العضوي الوثيق، عن طريق الماسونية أو بدونها، مع اليهود والحركة الصهيونية عامة ومع الكتلة المالية الاحتكارية اليهودية العليا خاصة. ولكن هذا لم يمنع تفاقم المعارضة، بكل اشكالها، ضد التسلط الانجلو ـ ساكسوني، وخصوصاً المعارضة التقدمية ـ اليسارية، والزنجية، وذلك بعد نهاية الحرب العالمية الثانية واندلاع الحرب الباردة. وفي تلك الظروف المعقدة والصعبة تمخض النظام الدمقراطي الاميركي عن المكارثية كشكل من اشكال الفاشية والنازية. ولكن في نهاية الخمسينات انكسرت شوكة الماكارثية على المستوى العام، الا انها ظلت تحتفظ بجيوب قوية في الطبقات العليا للسلطة، وخصوصاً في الاجهزة القمعية والجاسوسية.

ولتخفيف ضغط المعارضة الشارعية، ونظراً لان قسماً ملحوظاً من الانجلو ـ ساكسون (الايرلنديين والشمال اوروبيين) هم من الكاثوليك، الذين هم على علاقة افضل (من الانجلو ـ ساكسون البروتستانت، وافضل من اليهود) بالزنوج وبالكاثوليك الاخرين: الايطاليين والبولونيين والاميركو ـ لاتينيين، فإن الطغمة المتسلطة الانجلو ـ ساكسونية (البروتستناتية) / اليهودية أفسحت في المجال لوصول جون كيندي (الكاثوليكي ـ الايرلندي) الى الرئاسة في 1961، من اجل تلوين وجه السلطة، وتخفيف الضغط عن الماسونيين البروتستانت واليهود. وكانت الدوائر الحاكمة الفعلية تنوي ان تستخدم كندي كغطاء لاجل اخراج مسرحية عدوان كوبي على اهداف اميركية (على طريقة احداث 11 ايلول 2001) لاجل تبرير شن حرب واسعة على كوبا وسحقها باسم محاربة الشيوعية. ولكن اسرة كندي، وجون كندي شخصياً، بما لهم من حسابات ومصالح خاصة داخلياً، وعلاقات دولية خصوصاً مع الفاتيكان، (الذي كان يدعم سراً كوبا، كعنصر ازعاج وحدّ من النفوذ الانجلو ـ ساكسوني البروتستانتي ـ الماسوني ـ اليهودي) لم يوافق على الخطة الجهنمية المرسومة، من قبل السي آي ايه والبنتاغون، التي كانت تقضي بأن تقوم طائرات حربية اميركية مدهونة بالعلم الكوبي بمهاجمة باخرة مدنية اميركية او اكثر وايقاع خسائر بشرية فيها، واستخدامها كحجة لشن حرب واسعة النطاق ضد كوبا الصغيرة والمعزولة. وبنتيجة رفض كندي الموافقة على ذلك المخطط التآمري السري، اضطرت السي آي ايه لاستبداله بالهجوم على كوبا بواسطة الطابور الخامس المؤلف من اعداء الثورة من اللاجئين السياسيين الكوبيين في اميركا، وهو ما يعرف بمعركة خليج الخنازير الفاشلة (نيسان 1961) التي تم فيها قتل عدد كبير من المهاجمين وأسر الف منهم. ولم تؤد تجربة حكم الكاثوليكي كندي الى النتائج المرجوة منها، مما دفع الطغمة العليا الانجلو ـ ساكسونية البروتستانتية / اليهودية الى التآمر لقتله (تشرين الثاني 1963). وبالطريقة المعهودة ألقيت تهمة الاغتيال على شيوعي. ثم تم قتل شقيقه روبرت المرشح للرئاسة (1968)، وألقيت تهمة الاغتيال على فلسطيني.

وللتعويض عن الفشل في استمالة الكاثوليك، بدأت الطغمة المتسلطة الانجلو ـ ساكسونية ـ البروتستانتية / اليهودية، في استمالة الزنوج، عن طريق اشراك بعض العناصر الزنجية العميلة او منزوعة الاظافر، في السلطة (مثل: كولن باول، غونداليزا رايس، واخيراً باراك حسين اوباما كرئيس).

وهناك في الولايات المتحدة الاميركية تكتلات اتنية ودينية تسعى كل منها لتأكيد ذاتها بمختلف الاشكال، ومنها البولونيون، الروس وغيرهم من الاوروبيين الشرقيين، اليابانيون والصينيون. ولكن الكتلة الديموغرافية الاخرى الاكبر تبقى كتلة اللاتينوس اي الاميركيين اللاتينيين الناطقين بالاسبانية. وهذه الكتلة تمثل الان الخطر الاكبر، بل الكابوس، على السلطة الانجلو ـ ساكسونية البروتستانتية ـ الماسونية / اليهودية، وذلك لعدة اسباب اهمها:

1ـ العدد الكبير، والمتسارع الزيادة لهذه الكتلة، بسبب الهجرة المستمرة الشرعية وغير الشرعية، وبسبب ارتفاع معدل الولادة في صفوف اللاتينوس الكاثوليك، الذين يحرّمون الطلاق والاجهاض.

2ـ ان اللاتينوس يزاحمون الزنوج، والارجح انهم تفوقوا عليهم في احتلال المرتبة الاولى في نسبة الفقراء والمشردين والعاطلين عن العمل، في صفوفهم.

3ـ حتى الامس القريب كان اللاتينوس العائشون في الولايات المتحدة الاميركية مكسوري الظهر، لان بلدانهم (باستثناء كوبا) كانت جمهوريات موز تحكمها انظمة ديكتاتورية هزيلة عميلة لاميركا الشمالية، وكانت تلك الانظمة عدوة لشعوبها، بما في ذلك لـاللاتينوس في اميركا الشمالية، الامر الذي كان يضعف تحركهم المستقل للدفاع عن حقوقهم وتحسين اوضاعهم. اما الان، وبعد الصمود البطولي لجزيرة الحرية الصغيرة (كوبا الثورة) لاكثر من نصف قرن بوجه العملاق الاميركي المتوحش، بدأت اوضاع بلدان اميركا اللاتينية تتبدل جذرياً نحو انتهاج سياسة تنموية تقدمية مستقلة متحررة من النفوذ الاميركي ومعادية له. ونشير هنا في شكل خاص الى بلدين: الاول ـ فينزويلا (27 مليون نسمة) ورئيسها الثوري هوغو تشافيز، الذي ينتهج سياسة نشطة معادية للامبريالية الاميركية على النطاق العالمي، معتمداً على الدعم الشعبي والثروة النفطية التي تمتلكها البلاد. والثاني ـ البرازيل (حوالى 200 مليون نسمة)، وهي مرشحة لان تتحول الى عملاق اقتصادي ـ سياسي ـ عسكري، على النطاق القاري الاميركي والعالمي. ومنذ اسابيع قليلة وصلت الى مركز الرئاسة في البرازيل ديلما روسيف، وهي مناضلة يسارية قديمة وكانت احدى مقاتلات المدن، اعتقلت مدة ثلاث سنوات في اواسط السبعينات وتعرضت للتعذيب على ايدي الكولونيلات البرازيليين عملاء السي آي ايه. وقد هزمت ديلما روسيف المرشح الاشتراكي الديموقراطي الموالي لاميركا. ونجاحها يعطي فكرة عن طبيعة السياسة البرازيلية في المرحلة القادمة وطبيعة العلاقات البرازيلية ـ الاميركية بشكل خاص.

ونستنتج من ذلك ان اللاتينوس في اميركا الشمالية لم يعودوا مكسوري الظهر بل على العكس. ولن تمضي سوى سنوات قليلة حتى يفقد اللاتينوس الاميركيون، مرة والى الابد، وضعية الكرام على مائدة اللئام التي كانوا يعانون منها حتى الان. ومن المرجح ان تنقل الحركات التقدمية واليسارية والشيوعية الثورية، الاميركية اللاتينية، نشاطاتها الى قلب الولايات المتحدة الاميركية، بالاستناد الى المثقفين والجماهير الشعبية للاتينوس الاميركيين.

4ـ ان كاثوليكية اللاتينوس، ولغتهم الاسبانية، تجعلانهم على علاقة اوثق بالفاتيكان ومنظمته العالمية خصوصاً، وباوروبا الغربية والشرقية عموماً. مما يجعل وضعهم الدولي مرشحاً لان يصبح افضل بكثير من الانجلو ـ ساكسون.

5ـ ان اللاتينوس هم صورة عن سكان اميركا اللاتينية، الذين هم خليط من البيض الجنوب ـ اوروبيين وغيرهم. ولكن قسماً كبيراً منهم، وخصوصاً من المهاجرين الى اميركا الشمالية بسبب الفقر، هم من سكان القارة الاميركية الاصليين، اي احفاد الهنود الحمر. ومن الغباء المطلق ان يعتقد احد ان هؤلاء الاحفاد نسوا ما فعله البيض، لا سيما الانجلو ـ ساكسون، بأجدادهم، وان القارة الاميركية كلها، هي بالاصل لهم. وهذا ما يدفعنا الى القول انه في خلال الحرب الباردة كان الشعار الاميركي المستخدم للترهيب والترعيب هو الشيوعيون قادمون او الروس قادمون. وفي مطلع هذا القرن تغير هذا الشعار واصبح المسلمون قادمون او العرب قادمون. ولن تمضي الا بضع سنوات حتى يظهر في اميركا شعار اللاتينوس قادمون او الموهيكان قادمون. (والموهيكان هم اخر شعب هندي احمر قضى عليه البيض في اميركا الشمالية). ولكن شعار اللاتينوس او الموهيكان قادمون يختلف عن شعاري الروس قامون والعرب قادمون بأنه ليس شعاراً تهويليا ًوهمياً، بل شعار واقعي وفعلي. واذا كان الشيء بالشيء يذكر، فإن اسرائيل، المرعوبة من القنبلة الديموغرافية العربية في الاراضي المحتلة في 1948، وفي بقية الاراضي الفلسطينية المحتلة، ولذلك رفعت شعار اسرائيل دولة يهودية تمهيداً لطرد الفلسطينيين العرب داخل الكيان الصهيوني، فإن الانجلو ـ ساكسون البروتستانت لن يكون بامكانهم طرد اللاتينوس (بمن فيهم الهنود الحمر) من الولايات المتحدة الاميركية ككل، واقصى ما يمكن ان يفعلوه هو ان يطالبوا ويحاربوا بمشقة لاجل الاحتفاظ بالطابع الانجلو ـ ساكسوني البروتستانتي لبعض الولايات في شمال الولايات المتحدة. وحينذاك سيتولى البروتستانت انفسهم تصدير اليهود الاميركيين الى فلسطين المحتلة. وهذا ما يوجب علينا، كعرب، ان نحسب له الحساب منذ الان، وقبل فوات الاوان. اي ان الولايات المتحدة مرشحة لان تتفكك الى عدة دول، اقلها ثلاث: لاتينوس، انجلو ـ ساكسونية، وزنجية. وهذا سيكون لخير الشعب الاميركي ولخير الانسانية معاً.

ونقدم فيما يلي صورة نموذجية عن التبدلات الديموغرافية في الولايات المتحدة، كما وردت في وكالات الانباء:

ان الاطفال من اصل اميركي لاتيني احتلوا، ولاول مرة، المرتبة الاولى من حيث العدد، في المدارس في ولاية كاليفورنيا، حسبما اشارت اليه احصاءات وزارة التعليم في الولايات المتحدة الاميركية.

وبموجب هذه الاحصاءات فإن 50،4 في المئة من التلامذة المسجلين عرفوا عن انفسهم بأنهم لاتينوس، وهذا اكثر بـ1،36 في المئة من نسبتهم في السنة الدراسية السابقة. ومن مجموع 6191655 تلميذاً، فإن 3،1 ملايين هم من الاطفال الاميركيين اللاتينيين. وجاء في جريدة سان فرنسيسكو كرونيكل انه في 2009 كانت نسبة السكان الاميركيين اللاتينيين في الولاية 37 في المئة، ولكن هذه النسبة تتزايد.

ويشير الاحصائيون ان قسماً متزايداً من سكان الولاية هم من مزدوجي اللغة.

وهناك 1،5 مليون من التلامذة يتقنون جيداً اللغة الانجليزية. ولكن الاخرين يعانون من الصعوبات في اللغة الانجليزية حتى في الدروس الابتدائية البسيطة. وللمثال، حينما يتلقى هؤلاء الاطفال دروساً في الاجتماعيات، فإنهم يفهمون بصعوبة كلمات مثل القضاء او الجمال.

 

 

جورج حداد