لمناسبة صدور ديوانه أمّا أنتِ - وليد زيتوني في رحاب تحولات - يحيى جابر: لن نسترح ولن نزيح ما دام فينا قلبٌ يخفق

العدد السادس والخمسون كانون الثاني 2011
الاربعاء 16 شباط (فبراير) 2011.
 

استضاف منتدى تحولات الشاعر وليد زيتوني لمناسبة صدور ديوانه الثالث أمّا أنتِ الصادر عن دار فكر، في لقاء حضره لفيف من الاصدقاء والمحبين، ألقى خلاله الشاعر بعضاً من كتاباته وكانت كلمة التقديم للكاتب والصحافي يحيى جابر تحدث فيها عن اسلوب الشاعر ونمطه. ومما جاء في الكلمة:

كنَّا في بعض، سرِّنا نخال أن من يختار الجندية ولاءً وأسلوبَ حياةٍ ورسالة، مفطور على العنفِ وقسوةِ القلبِ... لا يجيد غير تقطيب الحاجبين والصوت المرتفع بالنهي والأمر المطاع: أمرك سيدي!

ولكن، لم يكن يخطر في بالنا لحظة ـ وهذا من ضعف فينا ـ واستسهالنا تبسيط الأشياء وتسطيحها دون الغوص في حقيقتها ـ أن من يسلّم حياته على ذاك النحو، يختزن في ذاته كمّاً هائلاً من العاطفة الصادقة، النبيلة والهادفة، التي تأخذه من الأنا إلى النحن فيستسهل التضحية بالنفس في سبيل العام... فيما نحن نقسو عليه ونطلب رأسه.. ونلعن الساعة..؟!

يسهر وراء متراسه، أو في خيمته، في ما نحن، إما نائمون وإما تائهون عن الهدف أو مستسملون لمشيئة الأعلى!

يبرد فيما نحن ملتحفون بألف ثوب وثوب مستعار.. وتكبر في ذات الجندي وتنمو تلك الأصالة العاطفية التي لا حدود لها... حتى إذا أدركها عصر المخاض. كانت كلمة ولا أجمل ولا أبلغ ولا أحن منها كلمة وأصدق...

فجاء الوليد اليوم، العميد المتقاعد، يخبرنا بأنه هو ليس هو؟! ولا المكان مكانه ولا الجرح جرحه ولا الزمان زمانه ولا الحلم حلمه.. فقد تعمَّق فيه الجرح، لا لينبت فيه جرح وجرح، خنجر وبندقية ورصاصة، بل لتنبت فيه وردة ولكمة. وهو الذي كان له مع البندقية سيرة طويلة ومسيرة حياة... وكما يقال، لا يصح إلاّ الصحيح...

فها هو الوليد الجديد بيننا من جديد، وقد جاء الصباح وكشف عن حقيقة هذا الوليد، الذي استفاق واستفقنا معه، ليس على وريقات الخريف، وإنما على ما اينع من ربيع الكلمة وسحر مغادرة العسكر، إلى حيث اشتاقت فطرته واشتهت نفسه وحنَّت إلى شمس الحرية.. وإلى حيث لا يلامسه قصف مدفع، وهو أهون عليه، من قصب بعض الكلام. الكلمة كلمتان... كلمة لك أو معك وكلمة عليك....

وأضاف : لا يا وليد.. أنت لست من اليوم وليداً جديداً. ولا رماداً ننثره في كل اتجاه... إلاّ إذا كان لهذا الرماد معنى آخر... وطبيعة أخرى، فبت كرذاذ المطر في عز الحاجة إلى الاستسقاء، فنركض متلهفين لكل رذاذة، نحفظها بين أضلعنا ونصونها برموش عيوننا ونزغرد معها هالوليد حلَّ بيننا. ارفع رأسك.. وارفع من صوتك، واقترب فستجد أن كل صباح ينتظر منك كلمة. وستجد أن كلَّ دمعةٍ حرى بين يديك وفي قلمك وكلَّ دمٍ حرٍ لم يسكنه الزناد ملء شرايين أسطرك وصفحات كتابك ولكّ مقلع وقلعة ملجأ للأبرار، وللأوفياء للكلمة التي كانت هي البدء وما تزال البدء والمنتهى. وكل كنيسةٍ، وجامعٍ وحسينيةٍ وخلوةٍ، هم من كلماتك تماماً، كما النور إلى القمر، والشعاع إلى الشمس التي أشرقت وأنت خلتها لم تأتِ بعد....

وختم جابر قائلاً: أعرف أنك تخشى ـ لا لضعف ـ أن تجاهر بالنور. لكن ما حيتك وقد فضحتك: أمَّا أنتِ؟! فحضرت شمسك وغالبت الليل وانتصر لها القمر. ونحن يا وليد، وأقولها لك بملء فمي وعلى رؤوس الأشهاد: لن نسترح ولن نريح ولن نزيح ما دام فينا قلبٌ يخفق بحب الإنسان، وعرقٌ ينبض بالحياة للنهضة ورجالها، لن نسلم أمرها لإفرازات الأزمنة السوداء ولا للزنادقة، والفريسين ومصطادي الفرص على ظهور بغال الغير. ولن نقبل، أن يكون عشقنا للكلمة وللنهضة، ولسائر الذين مضوا أو بقوا على دربها، جريمة لا تغتفر، إلاّ إذا كان الاقتصاص من اليوضاسيين جريمة. عندها لا نملك إلاّ أن نقول ونردد يا ما أحلى تلك الجرم.