لقاء شعري شبابي في “تحولات” - لؤي زيتوني : تجارب قادرة على استيعاب الهاجس الوجوديّ

العدد السادس والخمسون كانون الثاني 2011
الخميس 17 شباط (فبراير) 2011.
 

لمناسبة صدور مجموعاتهم الشعرية الجديدة اقام منتدى تحولات

لقاء شعري شبابي شارك فيه تغريد عبد العال، رامي كنعان والزميل زاهر العريضي.

قدّم اللقاء الكاتب لؤي زيتوني حيث تحدث عن  التجاربَ شعريّةٍ للشباب التي فتحت الباب على مصراعيه امام تبلور قيمٍ خاصّةٍ بجيلٍ كاملٍ يتلمّس طريقه نحو الحضور الفاعل على ساحة الصراع وإن كان هذا الجيل يتصّف بتنوّع الأفكار والانفتاح على أبعادٍ مختلفةٍ، أو حتى متناقضة، وعلى دروبٍ شديدة التباين من المعاناة، فلا بدّ بالضرورة ان تخرج تجاربهم من ما عاشوه او عايشوه.

اضاف: قد يظهر معترضٌ على هذا الامر ليقول مستنكراً: ماذا يقدّم جيلٌ كهذا غير التقليد والتسطيح؟. إلا أنّ هذا السّؤال مردود مباشرةً، لأّنه من المعلوم أن تغيّراً في الحياة وفي النظرة إلى الحياة يستدعي لغةً جديدةً واسلوباً جديداً وعالماً شعريّاً جديداً.

وهذا ما يجمع التجارب الثلاث: في تمام السّاعة الخائفة لتغريد عبد العال، ومشاع الجسد لرامي كنعان، وأوف لاين لزاهر العريضي، ويرفدها معاً صراع ٌمشترك يتمثّل في التصدّي للخطوة الأولى في مواجهة العالم بما فيه من ألمٍ وفرحٍ، من أملٍ وإحباط... ولعلّ ما يمكن ملاحظته بجلاء في هذا السياق هو القاسم الذي يوحّد الأعمال الثلاثة من ناحية حضور ضمير المتكلّم المفرد الذي يتّخذ حيّزاً واسعاً فيها إزاء الضمائر الأخرى، الأمر الذي يعني سعياً لإثبات الحضور الفعليّ للذّوات الثلاث في خضمّ صراعها ضدّ ما يعترضها من معوقات، لا سيّما أنّ كلاً منها تمتلك ذلك الرّفض لقيم الواقع، وبالتالي تحاول أن تصنع قيماً جديدةً، هي قيم حقّ وخيرٍ وجمالٍ بحدّ ذاتها، ولكن وفق منظوراتٍ وأساليب خاصّة بكلّ واحدٍ منهم، وهذا ما يبيّنه النظر في الدّواوين التي بين أيدينا، كلٌّ على حدة.

فحينماً ننظر الى أوف لاين نجد زاهر العريضي في ديوانه الثاني مأخوذاً بصراعٍ بين مفاهيم تعلّمها وسعى الى تحقيقها، وبين مفاهيم وأحوالٍ تسري في حياتنا انتشار النّار في الهشيم. لذلك بدت تجربته ساعيةً إلى مواكبة حركة العصر بالأسلوب المبتكر المقتبس عن الاطار الشّكليّ لموقع الفيس بوك بغية تمرير رسائله الخاصّة، وهو ما ادخله في دائرة التجريب وسيلةً لتفاعلٍ من نوع آخر مع المتلقّي يبثّ فيها الأفكار خارج الحيّز الاجتماعيّ للغة، ويستعيض عنها في شكل أكثر تعميماً عن طريق استخدام الإيحاءات الانفعاليّة والإشارات المعروفة في العالم الافتراضي Emotions.

وهنا يبدأ الصّراع بالتمظهر على نحوٍ أوضح، حيث انّه لا يستطيع تقبّل التغيير القائم، ولا يملك رفضه، في حين أنّه يشعر بابتعاده عن حقيقة وجوده الإنسانيّ. لذلك نسمعه يصرّح: كلّ ما أبحث عنه/إنتماء/ لا يهمّ لمن/ قد يكون لوردة/ لجذع شجرة/ لرائحة امرأة، ونلاحظ هنا الحقل المعجميّ الذي يوحّد بين الطبيعة أو الأرض وبين الإنسان ليحاول إعادتنا الى الحقيقة التي يحاول العالم الافتراضّي ذاك تجاوزها، دونما إعتبارٍ للبديهيات أو المسلمّات الفلسفيّة والسوسيولوجية والتاريخية...

لكنّ هذا لم يكن ليعني إيمانه بالثبات الذي تقوم عليه مجتمعاتنا المعاصرة، وهذا ما يمكن فهمه من خلال تعبيره: والجوع ينتفض بنظرات العابرين/ وتحت اقدامنا تجري مدن من الكبت/ وتتدفّق/ انهراً من العهر/ ومساحاتٍ من الشّذوذ/ ...، ويوحي لنا الجرّ بالحرف من بتناقضاتٍ شديدةٍ تبيّن انحطاط المجتمع القائم.

ويرتفع الهجس عند زاهر العريضي حينما نلاحظ تكرار الفعل خاف وصيغه واشتقاقاته التي تظهر مدى القلق الذي يعانيه من جراء مواجهته لعالمين متصارعين كلاهما موتٌ له، للانسان الذي يجعل تجربته خطوةً للخروج نحو عالم ثالثٍ بقيمه الخاصّة.

اما تجربة رامي كنعان في مشاع الجسد فهي مختلفة تماماً نتيجة الخلفية اللغويّة التي تمسك بزمامه. إذ نستطيع أن نقع على حضورٍ قويًّ للمتانة في التراكيب، والتي تشكّل مفتاحاً للغنى في المعاني وللصّور الموحية، منها على سبيل المثال: كلما فتحتُ نافذةً على السماء/ ولدت غرفة ابتلعتْها/ الحياة تغري بمزيدٍ من ارتكاب الأمل!. وهنا نعثر على الكلمة / الصورة التي تترابط مع اقرانها مثل: نافذة وسماء وغرفة، ليعطينا تصوّراً عن فهمه للحياة وعن الحاجة الى الامل. وفي السياق نفسه، يضاف الى ذلك اسلوب التجانس اللعب على الكلام كما نجده في قوله: ما احلى التين/ إن استعرت اشجار الطين!/ الليلُ سماءٌ حبلى/ صمتاً كأنين/ صوتاً كحنين؟....

على انّ المتتبع يستطيع ان يلاحظ الحضور الفاعل لعناصر الطبيعة والتّراث للخوض في حالات الصراع الوجوديّ الذي يعيشه الانسان المعاصر الذي يبقى في انتظار طويل دون جدوى في تغيير حقيقيّ.

من خلال ذلك يمكننا ان نستنتج تمحور طروحات رامي كنعان حول الضعف الانساني في مواجهة الحياة، وأحياناً القوة الانسانية. ضعف القدرة على ادراك ما يتخطّى معانيه الحسيّة، كمفاهيم الموت والحياة، وعن مغالبة ما يعجز عن مواجهته او ما يطلق عليه القدر، وذلك باستخدام رموزٍ تناصيّةٍ مثل غودو ودون كيخوت، او تعابير تناصيّة منها: تعب كلها الحياة وتركض في الفضاء الرحب/ ركض الخائفين/ وينزل المساء. غير ان لعبة التناص هنا لا تقتصر على ذلك، بل تتعدّى الى ابراز دور الانسان نفسه في تشويه الحياة والاستسلام لقدره وانعدام ايمانه بقدرته التغييرية نحو تشريف تلك الحياة.

عند الوصول الى الصوت الانثوي في اسسنا هذه، نعثر على انفسنا وقد اندمجنا في سياقات الخوف ابتداءً من العنوان. خوف يلاحقهما بالوراثة ثم بالاختبار، من فضاءات التشرد والمخيمات، الى شتات الذّات، حيث تكون الساعة الخائفة جزءاً من ذاتها، او قد تكون ذاتها ككلّ، فتتحدد المعاناة الجمعيّة الممتدّة الى زمن النكبة او ما قبل، مع المعاناة الفرديّة التي تنكأ جراح الأولى وهذا ما تشدّد عليه تغريد عبد العال حين تعلن: الساعة نفسها/ في ركن آخر/ منيّ....

وبناء عليه لم تبقَ على مستوى الوجه العامّ للقضيّة، إذ دخلت في تفاصيل الحياة اليومية للحّظة التي تعيشها، وشعرنت حيزاً صغيراً  من الواقع المرير ليصبح عالماً كاملاً من المعاناة، ومن ذلك قولها: تركت نفسي تتسللّ من نافذةٍ/ تحت الباب/ لكنّي لم امرّر جسدي/ كنت على هيئة ماء. فمفردات مثل نافذة ـ الباب ـ ماء ـ جسدي موادّ تدور في فضاء ٍصغيرٍ، لكننا نراها تراكبت على نحوٍ جعل منها ابعاداً مكانيّة اوسع لتبيّن رغبةً في الابتعاد عن واقعها. ويعضد هذا الأمر تكرار لفظة الهروب ومشتقاتها في الديوان، وكأنها فكرة تلاحقها لا على المستوى الفرديّ بل ضمن الاطار الجماعيّ.

وليس من العسير رصد ذلك اليأس من عالم عربيًّ ادّعى تبنيّه للقضيّة، وادّعى انه يستعيد حضارته فكانت النتيجة على لسان تغريد عبد العال: صندوق الاشرطة المعتم/ يردّد الأغاني/ ازحف نحوه كشريط غريبٍ/ يفتتني شكل الماضي هنا / يمتدّ صداه الى طحالب برية. وواضح هنا حضور الصورة الجديدة غير المبتذلة في سبيل ابراز الانحطاط في مفردات مثل المعتم والماضي والطحالب، وإظهار عدم صدق الادعاء من خلال فعلي ازحف ويفتتني وعبارة شريط غريب التي تتوسطهما إذ أنّ النظرة الى الفلسطيني مذلّة وتسعى الى تدمير ماضيه.

وبمجمل ما وجدناه في هذه القراءة نلاحظ مشتركاً آخر في الأعمال الثلاثة وهو ذلك الرّفض لكلّ ما هو قائم في مجتمعنا من انحطاطٍ عامّ.

وفي الختام اعتبر زيتوني أن ه التجارب يمكن ان يقال انها واعدة قادرة على استيعاب الهمّ الحضاري والهاجس الوجوديّ لهذا الجيل، وتضيء دروباً جديدة في آفاق ثقافتنا، وتعمل على تحريك الثبات في بنية المجتمع وتطوّره، هذه البنية التي لطالما روّضت أي حراك او مجرّد تمللّ لتبقى في جمودها. يبقى ان اشير الى اهمية الاحتضان لتجارب كهذه وتأطيرها ضمن سياق نهوضٍ عامًّ من اجل تفكيك تلك البنية المستنقعية، نهوضٌ، لا يقبل المساومة او المهادنة ومن غير الممكن ترويض صوته او خنقه بقبضة النفعيّة السّلطوّية او جبروت الأنا الفردية.