خلع القناع في «ما ملكت أيمانكم»، هل تخطى المُقدّس؟

العدد السادس والخمسون كانون الثاني 2011
الخميس 17 شباط (فبراير) 2011.
 

يبدو ان المسلسلات والأفلام اصبح لها تأثيرِِ كبير على المجتمع العربي يوازي تأثير السلطة الرابعة،

وخير دليل على ذلك حملة الإنتقادات والتشريعات التي يطلقها رجال الدين على بعض الأعمال.

وفيما يلي القاء للضوء على بعض تلك التهجمات الأخيرة التي طالت مسلسل «ما ملكت أيمانكم».

 

هكذا هو العالم العربي، ما إن يُبصر شيئاً لا يتوافق مع ذاكرته، بكل ما فيها من جهل وتفسخ وضلال وانحلال، حتى يفتح النار على من أساء لقدسية تلك الذاكرة. لذلك، ليس غريباً أن يصبح المخرج نجدت إسماعيل أنزور، في مرمى الشتائم، لأنه حاول من خلال مسلسل «ما ملكت أيمانكم» خلع القناع عن وجوه فئة من رجال الدين الذين ضلّوا وأضلوا، وإزاحة الغشاوة عن عيون عامة المسلمين. لكن هناك جهات سياسية وأصولية لا يناسبها خلع أقنعة بعض أصحاب العمائم، لأنها إذا تساهلت في إسقاط ورقة التوت الأولى عن ريائهم، قد يضيع من يدها زمام المحافظة على الورقة الأخيرة التي تشرّع سلطتهم؛ أما الشعوب التي استفحل في دمها «أفيون الشعوب» بسبب الهزائم الإيديولوجية وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، فقد أدانت واستنكرت وشجبت العمل الأنزوري، وكأنه عمل عدواني يريد أن يهدم عقيدتها.

فما هي مبررات التهجم على ذلك العمل الدرامي؟

احتجاج على الاسم

رفضت عدة محطات تلفزيونية عرض المسلسل، بحجّة أن اسمه عبارة عن آية قرآنية. وهذا يدعو للتساؤل: لو أُنتج عمل تلفزيوني باسم «تبّت يدا أبي لهب» وكان المقصود بأبي لهب شخصية إجرامية معادية، على غرار جورج دبليو بوش، هل كنّا سنسمع صوتاً لمحتج على الاسم بالرغم من أنه آية قرآنية؟ أم أن أصوات المباركة لذلك العمل ستصدح من المحيط إلى الخليج؟

بالطبع سيعتبر المسلمون في هكذا حالة، أن المسلسل عمل نبيل، ومخرجه إنسان عظيم. وذلك لسببين: فمن جهة، إن إظهار جرائم العدو تحت اسم قرآني، يخدم افكار تلك الاصوات ويروّج للآيات المضادة على غرار «واقتلوهم حيث ثقفتموهم» التي تجد الأحزمة الناسفة فيها أرضية خصبة لتشريعها. كما يُشبع هكذا اسم، عقلية العامة التي يطربها عمل يبشرها في شكل مطلق، بأن مصير قاتل المسلمين في العراق وفلسطين ولبنان، عند الله، لا يختلف عن مصير أبي لهب الذي خصّه ربّ محمد بسورة فيها وعيد بالحرق الشديد إلى أبد الآبدين. ومن جهة ثانية، فهو لا يمس بما يعتبره الرجل حقاً شرعياً من حقوقه (حق الرجل على المرأة). أما «ما ملكت أيمانكم» ففيه فضح لطبيعة هذا الحق، ولاستبدادية الرجل المسلم - في بعض المجتمعات - الذي يخفي ما لا يُظهر، لأنه يدعي التحضّر واحترام الجنس الآخر، بينما الواقع يقول إنه ينظر للمرأة على أنها ملك شخصي له، مثلها مثل المنزل أو السيارة أو الكومبيوتر أو علبة السجائر، وله الحق بالتصرف بها كما يشاء. واستمدّ هذه النظرة من الآيات القرآنية. لذلك، ليس غريباً أن يتمسك بهذا الحق بأنيابه ومخالبه، وخصوصاً أن هذا الحق الموهوم من أكثر الحقوق التي يمكنه التمسك بها، إن لم نقل الحق الوحيد، لأن شعوب العالم العربي فقدت حق الحياة الكريمة في أوطانها، ولم تعد قادرة على الدفاع عن حقوقها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، فاستسلمت لدكتاتوريات الطبقات الحاكمة. وأصبح الرجل المهان في وطنه والمسلوب الكرامة والعزة، يريد أن يثبت أنه مازال يملكهما. لذلك يتمادى في دكتاتوريته على الحلقة الأضعف (الأنثى). ولا يرى عزته وكبرياءه ومجده إلا بقمعها ومَلْكها كما تملك الجواري. على الرغم من أن عصر الرقيق قد ولى، بسبب مسيرة حقوق الإنسان، إلا أن الثقافة التي تعتبر المرأة شبه جارية أو حتى جارية (الأخت والزوجة والابنة) ما زالت راسخة، لأن «الرجال قوّامون على النساء» وكما يدعي البعض ان الشرع الإسلامي أباح لهم ضرب المرأة لأنها ناقصة عقل ودين «واهجروهن في المضاجع واضربوهن» (سورة النساء-34). أما الرجل فليس عليه حسيب أو رقيب، وهو صاحب السلطة المطلقة، فمن الطبيعي أن يحارب بشراسة ضد من يحاول عتق هؤلاء الجواري.

حملة صليبية

ليس غريباً أن يُصنف أنزور على أنه أحد المساهمين بالحملة الصليبية المستمرة على المشرق، فقد سعى من وجهة نظر البعض إلى خدش الحياء العام من خلال المشاهد الإباحية، وتسريب الانحلال لشعوبنا وهدم الأخلاق والقيم التي تربّت عليها تلك الشعوب. وكأن المحتجين غافلون عن المسلسلات التركية المدبلجة التي غزت العالم العربي ولاقت رواجاً لم تعرفه في أرض المنشأ. بالإضافة إلى أن معظم الاستطلاعات تشير إلى أن المحطات الفضائية الإباحية والمواقع الالكترونية النظيرة، أكثر المشتركين بها والمتابعين لها هم من العرب. ناهيك عن استفحال الفساد بكافة أشكاله وتفسخ الأخلاق في المنطقة التي تخيم عليها الضاد. فهل هذه المجتمعات بحاجة لمن ينخر قيمها؟!

ونرى البعض ممن اجتهدوا في تحليلاتهم، يعتبرون أن تصرفات شخصية رجل الدين «توفيق» ليس المقصود منها فضح رجل تستر بالدين، إنما هي تشويه للدين برمته! إذ لا يعتقدون بوجود رجال دين مسلمين بهذه الصفات لذلك صنفوا أنزور على أنه من ضمن الهجمة التي تحاول تشويه صورة المسلمين، وأن هناك رجال دين مسيحيين اغتصبوا وقتلوا وسرقوا وفضائحهم صارت على كل لسان، وكان الأجدر بأنزور، أن يُنتج عملاً يتناول فيه هذه القضية. لقد نسي هؤلاء العباقرة أن أنزور يعالج قضية في بلاده لا في أوروبا أو الولايات المتحدة، كما أنهم نسوا أيضاً - لأنه لا يعلق في ذاكرتهم الا ما يروق لهم- الدور الذي لعبه قيس الشيخ نجيب من خلال «شخصية محمود» الذي مثل المتدين المثقف العقلاني الذي لم ينظر للمرأة على أنها مجرد ملك شخصي للرجل، وأن لها حقوقا، أقرتها لها الشريعة الإسلامية، يجب احترامها.

بين المُقدّس واللا مُقدّس

قبل حوالي عشرة أعوام، كان يعرض مسلسل الزير سالم، رغم أنه لم يكن يتمتع بأي قداسة، إلا أن الشارع العربي أقام الدنيا ولم يقعدها فوق رأس المخرج حاتم علي، وتم الترويج شعبياً، أن حاتم علي ينحدر من أصول البكريين، لذلك زوّر التاريخ، وشوه صورة الزير. هكذا أقنع عربان هذا العصر أنفسهم بأن الزير عاش بطلاً ومات بطلاً. بالرغم من أن الأدلة التاريخية تؤكد أنه مات مأسوراً. لكن الذاكرة الشعبية ترفض الاعتراف إلا بسيرة الزير سالم التي أورثنا إياها الانحطاط الثقافي. فلو فرضنا أن الزير كان مُدعياً النبوّة، وأنه كان يوحى له، فمن كان يستطيع أن يُقنع أتباعه الذين سيكبرون على تقديس كل ما قاله على غرار:

«ذهب الصلح أو تردّوا كليباً ... أو نبيد الحيين بكراً وذُهلا»

من كان قادراً على إقناعهم بإيقاف الحرب والكف عن المطالبة بدم كليب إلى أن يباد البكريون عن بكرة أبيهم. فلو كان لقول الزير قداسة، لاستؤنفت الحرب بين الجانبين كلما سنحت الفرصة، ليس في الماضي وحسب، بل في الوقت الحاضر. إذ ما إن انتهى عرض المسلسل وتبين للمشاهدين كيف توقفت تلك الحرب وكيف كانت نهاية بطلها، حتى دارت صدامات دامية بين من يعتبرون أنفسهم منحدرين من سلالة البكريين وبين من يعتبرون أنهم من سلالة التغلبيين في بعض المناطق السورية، أودت بحياة عدة أشخاص بموجب ما أوردت الصحافة السورية حينها.

لا شك أن المسلمين يستنكرون تلك المقاربة بحجة رجاحة عقولهم وقدرتهم على التمييز بين المقدس واللامقدس، بين الكلام الإلهي والكلام البشري، بين دعوات القتال الإلهية ودعوات القتل الشيطانية. وربما يرضخ من يدّعون الثقافة، للكتب التاريخية ذات المصداقية ويقتنعون بأن الزير مات مأسوراً. ولكن من يستطيع أن يُقنع مسلماً بأن المبشرين بالجنة التقوا في موقعة «الجمل» ونكّلوا ببعضهم أشدّ تنكيلا. فقط من أجل الجلوس على كرسي الخلافة. رغم وجود حديث نبوي يقول «إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار. قالوا ولماذا المقتول يا رسول الله؟ قال: لأنه لو تمكن من القاتل لقتله». ومن ينكر أننا لا نعيش تداعيات كربلاء حتى الآن، فمنذ أكثر من ألف عام كلما سنحت الفرصة لأحد الفريقين أن يسفك دم الآخر، هبّ في موجة «جهادية» تُنكّل بالكبير والصغير. وها نحن نرى منذ سبع سنين، التصفيات الطائفية على قدم وساق في العراق، وهددت المنطقة برمتها، وها هو لبنان على كف عفريت، والأحزمة الناسفة أصبحت الطريق الأقصر، بالنسبة للمساكين الذين يُغرر بهم باسم الدين، للوصول إلى الحور وأنهار الخمور. ولوصول من يزيّن لهم الموت إلى كرسي الزعامة. فكم أنزور نحتاج لهكذا شعب.

 

 

فراس جركس