«احبائي» «البلد ماشي» من هتلر الى فيروز وريمي بندلي - الاغنية عشق بين الحنجرة والموسيقى والشعر

العدد السادس والخمسون كانون الثاني 2011
الخميس 17 شباط (فبراير) 2011.
 

منذ الازل كانت الموسيقى لغة الدنيا الواحدة كما تكلّم نيتشه. آلات عزف مختلفة في حنجرة هي من لحم ودم ثم جاءت آلات البشر بدائيةُ تصدر نغمات لطيفة وجاء  الشعر وقام العشق بينها وتطور الجميع وكانت الاغنية ثلاثة عناصر لوظائف غير محدودة نشأت في الاصل لغاية الصلاة ومناجاة السماء وصولاً الى حاضرنا الآن الذي يشهد الاغنية غاية ووسيلة.

في تعليقه على احدى المجريات بالامس البعيد قال الصحافي اللبناني طلال سلمان انّ المحكمة العسكرية هي محكمة تماماً كما الموسيقى العسكرية موسيقى. الخلاصة التي تهمّنا هنا هي ان الموسيقى قد تكون غير ذاتها الى ما هو وظيفي وبالتالي تدخل في قضايا الانسان وانشغالاته المختلفة من دين وسياسة وفن وثقافة وتربية وصحة وهي كما مُبتدعها الثاني تكون اداة خير وفضيلة وجمال وتكون شرأ وسحراً وغموضاً ولقد استافدت الاغنية السياسية من هذه الخصال مجتمعة والادلة كثيرة ليس اقصاها تجربة واغنر وهتلر واوبرا العنصرية التي الهمت الشعب الالماني باتجاه المعجزات الخاسرة احياناً والرابحة اغلب الاحيان اذا ما احتسبت انجازاتهم في الصناعة والعلوم والفن،  او تجربة آرمسترونغ في اغنيات الجاز الحزينة. وكلما كانت الاداة الفنية ـ الموسيقى والكلمة والصوت ـ على مستوى رفيع من الجودة والتمايز كلّما كان تحقيق الغاية المرجوة اقرب الى الحاصل. نادراَ ما تجد قضية انسانية افتقرت لموسيقاها واغانيها لا بل قام مع مرور الزمن تلازمات رائعة منها الشيوعية والموسيقى البولشفية وحركة تحرير الافارقة الاميركيين والجاز ثم معارضة الاستغلال والظلم والراب وايضا معارضة المؤسّسة السلطوية (ابوية ام سياسية) واغاني الهارد روك. وفي اماكن اخرى اغاني رقص الرجال الدوراني في تركيا وحركة العصيان على الجندبة الاجبارية في زمن الخلافة. قد يعارض البعض تصنيف هذه العناوين تحت خانة الاغنية السياسية وقد يكون محقّاً. فالاشكال قائم دائماَ مع التصنيف ومنه صعوبة التفريق بين الاغنية الوطنية والسياسية. وبالعودة الى لبنان الآن يساق هذا المثال هل تعتبر رائعة صباح يا لبنان دخل ترابك وفيروز بحبك يا لبنان ووديع الصافي بتحبني وشهقت بالبكي وفيها «يا رب لا تهجر سما لبنان وتتركو للبوم والغربان» وليس الاخيران اشارة الى السوري والفلسطيني كما يحلو لبعض المغالين تأويل الكلام اغنية سياسية؟ وعلى العموم في لبنان الاغنية السياسية واضحة الهوية في اعمال مارسيل خليفة واحمد قعبور وزياد الرحباني. كما انّ الاغنية الوطنية جليّة في اعمال فيروز وماجدة الرومي وصباح وجوزيف عازار والطفلة ريمي بندلي. الاشكال الآخر هو في اعمال من نوع: انا والله فكري هنيك لزياد الرحباني وجبلك ايه يا بهيه عبد الناصر قبل ما مات لشيخ امام في مصر وابول عليكم لمظفر النواب وعفواً فيروز لنزار قباني وجميعها تُغنى حتى يومنا هذا من قبل مطربين مشاهير وفرق موسيقية مغمورة. ومزيد من الاشكال في الاغنية التي تحاكي الارض والناس في زمن معين وعند حادث ما كأسوارة العروس لفيروز ويا سلام على لبنان لعبد الحليم حافظ والله معك يا بيت صامد بالجنوب لوديع الصافي  ويا بيروت لماجدة الرومي. وفي السياق اغنية شيخ امام غيفارا مات و من هاك الملعب ما نسينا لفرقة الكتائب الغنائية وبيروت عم تبكي لعاصي الحلاني وقولو الله لاحمد قعبور. وايضاً اغنيات الاحزاب والمؤسّسات السياسية اللبنانية التي شارك في كتابتها سعيد عقل (اغنية الحزب القومي الاجتماعي السوري وكتبها او نقّحها سعيد عقل) واحبائي لجوليا بطرس والبلد ماشي لاحمد قعبوو وسيّدي الرئيس لماجدة الرومي. وهناك تفريق من نوع آخر يقوم غلى التمييز بين المطلبي (اغنيات شوشو وعمر الزعني في لبنان) والسياسي المُقارب للعقيدة والمبدأ السياسي وابعد ايضاً ثمّة من يفاضل بين النقدي والدعائي. ولانّ الموسيقى والشعر هما صفوة الخير وقمة الفضيلة والجمال كان هناك تداخل غريب بين الشعراء والموسيقيين والمطربين بحيث يجب الاعتراف بأنّ كلمة اغنية سياسية قد تجحف الشاعر والموسيقي احيانا فما جدوى صوت ماجدة الرومي بلا نزار في يا بيروت او ريمي بندلي بلا دريد لحام او صوت الكورال السوري في سوريا يا حبيبتي بلا محمد سلمان. ولانّ الجمال كلّه في الموسيقى والصوت والكلمة وجميعها لا يعرف العنصرية والتقوقع غنّى الاتراك لحزب الله اللبناني وانشدت وردة الجزائرية لبنان يا جريح وغنّى عبد الوهاب اجعلها اعمار لسوريا.

  قال افلا طون امنعوا التجديد في الموسيقى فوراءه دائماً وابداً تغيير في الحكم. وقال غوبلز وهو مسؤول البروباغندا في رايخ هتلر الموسيقى خُلقت للالمان اما هتلر نفسه فكان يريد موسيقى واوبرا واغنية المانية صرفة وكان يتباهى باعداد الموسيقيين الالمان التي فاقت مثيلاتها في باقي الدنيا. وفي شرقنا المتوسط قال سيد مكاوي هناك تجديد في الموسيقى والاغنية العربية قام به اثنان لا ثالث لهما سيد درويش وزياد رحباني. اليست مفارقة جميلة ان يأتي التغيير السياسي بعد درويش في مصر وزياد في لبنان الم يصدق افلاطون في كلامه النافع في كل مكان وزمان.

تستطيع الموسيقى منفردة تحقيق غاية الاغنية السياسية والدليل معزوفة تل الزعتر لزياد رحباني وعالمياً المعزوفة الاسبانية الكلاسيكية كونشرتو ارناجيز ليواكيم رودريغو «الحرب الاهلية» والتي يختلط على الناس اسمها وهويتها بسبب استعمالها من قبل الاغنية الفرنسية الشهيرة «حبيبي» وهي الموسيقى عينها التي استخدمتها فيروز لاغنيتها «لبيروت» من كلمات جوزيف حرب وليس محمود درويس كما يعتقد الكثير من الناس. انّ الحزن الرومنسي الهائل الذي تحمله نغمات المعزوفة كفيل بأيصال صورة الحرب الاهلية الاسبانية او اي حرب اهلية اخرى.

  من البديهي القول بأنّ الاغنية السياسية هي نتاج ثقافي يتمتع به الجميع وخاصة  المثقف المطّلع الذي يستطيع فهمه وايلاءه التقدير والاحترام الذي يستحق وخصوصاً عندما يحمل العمل اشكالاُ موسيقية وكلامية مُرمّزة والمثال على ذلك اغنية فرناندو لفريق الآبا او اغنية وحدن بيبقو لفيروز وطلال حيدر والتي تحدث فيها الاخير بالاستعارات والرموز عن ثلاثة  فلسطينيين قاموا بعمليات انتحارية داخل اسرائيل وانطلاقاً من لبنان. والعكس صحيح بحيث انّ العديد من الشباب العرب رقصوا مراراً وتكراراً على الحان اغنيات البوني آم التي روَجت لاسرائيل وسخرت من القائد العربي صلاح الدين في اعمالها على ضفة نهر بابيلون والقدس ضَاعت. وشبيه به ما حدث مع اغنية فرنسية في الثمانينات الفائتة والتي كانت اغاني قي اغنية تحمل عنوان برازيليا كرنفاله وفيها انشودة اسرائيلية لا يهودية وطنية وسياسية بأمتياز.

تبقى الموسيقى السياسية اكانت بهيئة معزوفة أم اغنية عاصفة محبّبة تكسر صمت الخوف اولاً والخمول السياسي ثانياً ومهما كان الاسلوب المتبع معها فهي اعمال فنية يتذوقها القلب والعقل على حد سواء.

سمير مكاوي