"المزراب"

العدد السادس والخمسون كانون الثاني 2011
الخميس 17 شباط (فبراير) 2011.
 

صدر عن دار مكتبة الإيمان كتاب المزراب، للكاتب أسعد مخّول، (وهو ضابط في الجيش اللبناني لم يذكر رتبته تواضعاً)، يبث عبره إشارات مهمة تضيء على عادات عاشها الأجداد، بعضها تلاشى الى الأبد، وبعضها الآخر يترك مطرحه شيئاً فشيئاً  لحرية الفلتان أو فلتان الحرية، فلتان عصر موبوء يدفن كل جميل ونظيف وطاهر وبريء من موروث الآباء والأجداد.

وفيما يلي قراءة نقدية لمحتواه.

في لوحة صديقي الياس وهي من لوحات كتابه التي يمتزج فيها اسلوب السرد القصصي باسلوب الخطابة التي لا تخلو من نصح مباشر وتوجيه جريء شديد اللهجة، يقول ان الياس، وبعد أن لعن وشتم كل صبية تتغنج وتتأنث وتقول ياي راح يشرح، على طريقته، قائلاً: أن الناس هم قطيع يجب أن يرعاه الحاكم، وهذا المحترم، أي الحاكم، هو المسؤول الأول عن شؤون هؤلاء، وعن أعمالهم، تماماً كما لو أنّ قطيعاً خرَّب أحد الحقول، فإن الراعي هو الذي يحاسب ويسأل  وما لم يحصل ذلك، فإن الحاكم يكون موظفاً يعمل لنفسه، وفي حدود حاجاتها.

أقول لا فضّ فوك يا الياس وأنت تنطق بشهامة وتحت مظلة مسؤولة واعية.

لم يترك الكاتب شاردة أو واردة من قيم موروثنا إلا وانزلها زلالاً صافياً في مزرابه حتى يضيِّع علينا اي فرصة للتسآل أو الاحراج. فمع صديقه الياس أيضاً، قامت قيامته على كل مسؤول يمتّ بعلاقة أو صلة الى الهيئات التي تعنى بشؤون البيئة بدءاً بأصغرها في الدولة الى ما يسمّى بالهيئة العامة للأمم المتحدة حيث لا حسيب ولا رقيب، فصديق المؤلف يتحدث بعصبية وقرف عن الاهمال في حماية البيئة من اليباس الذي يهدد الأخضر وعن الحرائق التي تقضي على الأخضر واليابس معاً. انها صرخة مدوِّية قد تفجِّر ماء الساقية التي وَحِلَت وجفَّت، لكنها تبقى صرخة ضائعة في واد سحيق لا تهزُّ شعرة واحدة في رأس مسؤول أيّاً كان وكأنِّي بالقارئ يقول: على من تقرأ مزاميرك يا صديقي الياس ألا تعرف أنّ لا شأن لمن ينصت ويسمع حتى من بنات النبات وأبناؤه”!

وفي لوحة أخرى بعنوان أنا أهوى” يذكرنا مخّول بعادة الأجداد عندما كانوا يكرمون الضيف والمستضيف معاً، القريب منهم والغريب وقد تحولت الى النخاسة في عصرنا الحاضر، وهو عصر من طردوا من ظلّ الشجر، وابعدوا عن صدى الأودية، وفصلوا من مهبّ الريح ومرقد النسيم ... عصر الرابضين أمام عروش المطاعم والمتاجر يبيعون الغذاء والماء والهواء ...”. فهل يعذرنا أسعد مخّول، أذ نقول أيضاً، وبكلّ تحفّظ، على من تقرئين مزاميرك يا إم جرجس، إذا لم تقلب العبارة هذه الى أصلها الآخر في وقت آت وهو قريب...

لم يترك الكاتب عادة حسنة أو سيئة الا وذكَّر بها ليلقي علينا دروساً قيمة في علم الأخلاق ولكن من تراه يتعظ اذا تنصّت وسمع وأُهين! وهل بين المسؤولين وغير المسؤولين من يقرأ ليتعظ؛ ألم يتحوَّل الكتاب الى زخرفة في خزانة زجاجية مقفلة فلا يُسمح بقراءته حتى لا يتَّسخ !

في مقطوعة بعنوان رد اعتبار ... للحمار  تظهر مقدرة الكاتب في إجادة الحبك وحلّه مع تلميح غير مباشر في السرد ما يوفر لاسلوبه العناصر الضرورية لكتابة القصة. فأديبنا ورغم التذكير الجانبي بأبيات من الشعر وأقوال لمفكرين ونقاد وفلاسفة، استطاع المحافظة على العرض السليم لآرائه ولشهادات الآخرين، وان بعض اللمحات في لوحاته تؤكد على باع طويل في تمرسه بالنسج الأدبي وصفاء لغته ومتانتها.

وأخيراً فإن العناوين التي اختارها جاءت ضربة معلّم في محلها، حيث دعت الحاجة وألحّت، وفي عرض الفضائح وتوجيه النصائح الى المسؤولين عن تربية الأجيال الصاعدة والمسؤولين الذين سلّمت اليهم مقاليد الحكم والتحكّم بالعباد في وطن هائم في هذا الزمن الرديء. فمن الواوي المطلوب وجوده في الوادي وليس في الإنسان الى الحمار المطلوب رد اعتبار اليه الى عناوين تثير فضول القارئ وتثيره أو تريحه بمضامينها: البوشار وطنجرة النحاس، التنور، الميزان، السيكار وبيضة الست واسكربينة مصطفى فروخ ، يصبها الكاتب من مزرابه بلهجة واضحة جريئة مؤنسة وجارحة.

لويس الحايك