الأبيونيون

العدد السادس والخمسون كانون الثاني 2011
الخميس 17 شباط (فبراير) 2011.
 

لا يوجد بين أيدينا الكثير من المعلومات الدقيقه عن هذه الطائفة اليهودية ـ المسيحية، كما إننا لا نعرف الكثير عن كتابها (إنجيلها) سوى مقاطع قليلة وقصيرة، أوردها بعض ملافنة الكنيسة المعادين لهم أصلاً. ويرى بعض أهل الاختصاص أن تاريخ نشوء هذه الطائفه، يعود إلى بداية القرن الثاني للميلاد حيث ترد أول إشارة لهم عند أحد آباء الكنيسة هو اورينوس (+175م). وهناك إعتقاد بان مقرّهم الرئيس كان في اورشليم، وآخرين كان شرقي فلسطين.

إنجيل الابيونيين

إن الكتاب الذي بين أيدي الابيونيين (الإنجيل) الذي يسمّى إنجيل متّى غير الكامل، هو مزوّر ومشوّه والذي يطلقون عليه إسم الإنجيل العبري وقد ورد فيه: لقد بدأ رجلاً معيناً إسمه يسوع بالدعوة واختارنا نحن، وكان له في ذلك الوقت من العمر ثلاثون عاماً. وعندما جاء إلى كفرناحوم دخل إلى منزل سمعان الملقب أيضاً بطرس، وفتح فمه وتكلم: عندما كنت أسير بمحاذاة بحيرة طبرية، إخترتُ يوحنا ويعقوب إبني زبدى، وسمعان واندراوس وتادوس وسمعان الزعلوطي، ويهوذا العسكري وانت متّى الذي كنت مسؤولاً عن الضرائب اخترتك وانت تبعتني، وسأعمل على ان تصيروا الاثني عشر رسولاً شهادة لإسرائيل.

وحدث أن يوحنا كان يقوم بالتعميد، وذهب اليه فريسيون وتمّ تعميدهم وكذلك كل القدس، وكان يوحنا يرتدي رداء من وبر الجمل، وكان يتمنطق بحزام من الجلد، وكان غذاؤه، كما يقولون، عسل برّي ذو طعم مثل المنّ، والفطير في الزيت.

(إنهم يريدون أن يبدلوا بكلمة الحق الباطل حيث انهم وضعوا بدل الجراد فطيراً).

ويبدأ الإنجيل عند الابيونيين كما يلي:

وحدث في أيام هرودس ملك مقاطعة يهوذا (في ظل الكاهن الاعظم قيافا) أن جاء يوحنا ما، وكان ذلك اسمه وقام بمعمودية التوبة في نهر الاردن، وقيل عنه إنه من سلالة القس هارون، ابن زكريا واليصابات، وكان كل الناس يخرجون إليه.

وبعد ان يسردوا كثيراً من الحديث يواصلون القول: وعندما تمّ تعميد الشعب، جاء أيضاً يسوع وتمّ تعميده من قبل يوحنا. وعندما خرج من الماء، انشقت السماء ورأى الروح القدس تهبط على هيئة حمامة ودخلت فيه. ورَعَدَ صوت من السماء وقال: انت ابني الحبيب. وبك رضيت وأيضاً: وأنا اليوم ولدتك. وحدث على الفور ان نوراً ساطعاً حلّ بالمكان وقيل، انه عندما رأى يوحنا هذا، تحدث معه وسأله: من انت أيها السيّد؟ وحدث ايضاً ان رَعَدَ صوت إليه من السماء قائلاً: هذا هو ابني الحبيب وبه ارتضيت. ويقال ان يوحنا سقط عندئذ خاراً أمامه وقال: ارجوك أيها السيد أن تعمدني، لكنه رفض ذلك، وقال: اترك هذا، لأنّ به يتمم كل شيء.

وهم ينفون انه كان بشراً بسبب الكلمة التي تحدّث بها القدوس عندما ظهر له: أنظر ان أمك وأخوتك يقفون في الخارج من هي أمي ومن هم أخوتي؟ واشار بيده إلى تلاميذه، وقال: هؤلاء هم إخوتي وأمّي واخواتي الذين يعملون بمشيئة أبي.

ويقولون انه (أي يسوع المسيح) لم يخلق من أبانا الرب، ولكن مثل كبير الملائكة... وإنه يسيطر على الملائكة وكل المخلوقات العظيم، ويقولون كما يرد في إنجيلهم اني اتيت لأبطل تقديم الضحايا، وإذا لم تتوقفوا عن تقديم الضحايا فلن يبرحكم الغضب.

لكنهم يتركون كلمة الحق البيّنة والجلية من بقية الكلمات، وجعلوا التلاميذ يقولون: أين تريدنا أن نحضر وجبه الفصح؟ عندئذ أجابه: هل أردت ان آكل معكم في الفصح لحماً.

تسمح لنا النصوص السابقة باستنتاج جانب من تعاليم الابيونيين لنرى ان وجدت أي ركيزة لقول الكاتب بأن الآيات المكية الاولى تتطابق مع تعاليمهم، لكن قبل ذلك سنناقش مسألة هذا الإنجيل:

1 - يقول أبفانوس ان إنجيل الابيونيين المستعمل من قِبَل طائفة الابيونيين اليهودية ـ المسيحية هو نسخة مختصرة ومشوّهة من إنجيل متّى.

2 - رغم ان أبفانوس يطلق عليه اسم انجيل العبرانيين والانجيل العبري إلا ان رأيه في هذه المسألة، فيه جانب من الصواب حيث عثر على مقاطع من الاخير، وبعد المقارنة بين الاثنين، عثر اهل الاختصاص على فروق جوهرية، بينه وبين (إنجيل العبرانيين) من جهة، وبينه وبين الأناجيل المعتمدة من جهة أخرى. أما العنوان الأصلي لإنجيل الأبيونيين فهو غير معروف. كما لا توجد أي إشارة إليه في الأدب الديني المسيحي الموسوم بأنه الهرطقي وذلك بجعل المرجع الأساسي عنه ما أورده ابفانوس.

3 - هناك إشارة عند بعض آباء الكنسية ومنهم اوريجانوس وهيرونيموس إلى (الإنجيل برسم الاثني عشر) والذي يطلق عليه أحياناً إسم (إنجيل برسم الحواريين) لكنه مختلف تماماً عن (إنجيل الابيونيين).

4 - هناك من أهل الاختصاص من يرفض القول بان (إنجيل برسم الاثني عشر) هو نفسه (إنجيل الابيونيين) ويرى أنه هو إنجيل الطائفة السورية المعروفة باسم (الكوكبا).

5 - هناك نوع من التقارب مع إنجيل متّى، لكن هناك أيضاً تطابق بين بعض مقاطعه وإنجيل لوقا، مثلاً فيما يتعلق بالتقرير عن يوحنا المعمدان وعن عمر يسوع المسيح.

أما تعاليم الابيونيين، كما يمكن استقراؤها من المقاطع المسجلة أعلاه، فهي كما يلي:

1 - يشير (إنجيل الابيونيين) إلى يوحنا المعمدان وافعاله وكذلك إلى تعميده للمسيح.

2 - يبدأ (انجيل الابيونيين) بنشاط يوحنا المعمدان ويضم قصتين عن العشاء الاخير، وكذلك عن قصص (آلام المسيح بين العشاء وموته) وعن قصة عيد الفصح، والتي لا يعرف عنها أي شيء.

3 - تحتوي بعض مقاطع (إنجيل الابيونيين) تقريراً منسوباً إلى يسوع المسيح بصيغة المتحدث.

4 - ينفي الابيونيون الايمان المسيحي عن الطبيعة الالهية لولادة يسوع المسيح ومختلفون معهم بهذا الخصوص عبر القول بأن ذلك تم عبر كبير الملائكة.

5 - لا تعود طبيعة الابن في نظرهم إلى الطبيعة الالهية لولادته، وانما إلى الروح القدس الذي صاحبه عند التعميد.

6 - يضم يسوع المسيح في ذاته وحدة الطبيعة السماوية التي حصلت إبان التعميد.

7 - لا يتم ذكر الجراد عند الحديث عن غذاء يوحنا المعمدان وذلك يوحي بأن تلك الجماعة، كانت نباتية.

لذا فان الاستنتاج بأن الابيونيين يقولون بأنّ يسوع المسيح فارق يسوع قبل الصلب وغيرها، لا يدعمها أي نص متوافر. وتكون بالتالي، وفي أحسن الاحوال نتاج خلط نصوص متباينة المصدر، وان لم نعثر في النصوص على ما عناه البحث.

كما ان القول بأنّ لغة (إنجيل الابيونيين) آرامية غير صحيح، وهناك إتفاق بين علماء المسيحية على ذلك إذ قدموا براهين لغوية لا داعي للغور فيها، ويمكن للمهتم التأكد من ذلك في المراجع المشار اليها. وهناك من يرجح بأنّ إنجيل متّى آرمي. بينما يجمع أهل الاختصاص على إنه يوناني.

كما يتبين لنا بأن تعاليم الابيونيين تختلف في شكل جوهري عما ورد في القرآن وأهمها نفيهم طبيعة عيسى بن مريم البشرية وولادته العذرية كما ورد في القرآن. وإضافة إلى ذلك فان القرآن لا يشير ابداً إلى عملية التعميد. ناهيك بالطبع عن تباين معنى الاسمين يسوع وعيسى.

من ناحية أخرى من غير الصحيح علمياً إستغلال دلالة معنى الاسم:

الابيونيون أي الفقراء أو الاذلاء، للدخول في تحليلات لا نهاية لها، ومن ذلك انه يشكل ارضية للآيات القرآنية المكية. فالتعاطف مع المساكين والفقراء هي من جوهر المشاعر الإنسانية التي يتشارك فيها البشر كل البشر ناهيك عن الانبياء بالطبع.

ومن المفيد أن نذكر القارئ بان كلمة (بيون) تعني بالاضافة إلى ما سبق (حزين).

لن نخوض هنا في اجتهادات بعض من كتب في الموضوع من أهل الاختصاص الاوربيين لأن استنتاجاتهم مبنية على ما ارادوا قراءته في النصوص، والتي رأينا انها لا تحوي كثيراً من التفصيلات.

ويتبين من تلك النصوص وجود فروق كبيرة بين ما ورد في القرآن عن موضوع محدد في سيرة يسوع المسيح ونهايته المأسوية، ورديفه عند الابيونيين.

ونعتقد إننا تمكنا بذلك من إيضاح ان نظرية الكاتب التي طرحها حقيقة غير قابلة للنقاش حول ما رآه من تطابق بين إنجيل العبرانيين / الإنجيل بحسب العبرانيين من جهة، وبين طبيعة نصرانية ورقة بن نوفل من جهة أخرى، لا تستند إلى أي أسس. فما دمنا لا نعرف اكثر مما وصلنا عن تلك الطائفة وعن إنجيل ورقة بن نوفل، تبقى مختلف الاجتهادات نظريات ليس إلاّ.

إنجيل العبرانيين

1 - هذا ما هو مسجل في إنجيل العبرانيين عندما أراد المسيح أن يأتي إلى الناس على الارض، إنتقى ابونا الرب قوة هائلة في السماء اسمها ميكائيل. وعهد إليه رعاية المسيح. وجاءت تلك القوّة إلى الارض وصار يطلق عليها إسم مريم، ومكث المسيح سبعة أشهر في جوفها.

2 - ووفق الإنجيل المسجل باللغة العبرية، الذي يقرأه النصيريون (النصارى) فإنه العمدة في نزول مجمل مصدر الروح القدس... كما نجد أيضاً في هذا الإنجيل المشار إليه آنفاً ما يلي: وقد حصل انه عندما كان السيد يخرج من الماء، ان كل نبع الروح القدس صعد وسكن عليه، وتحدث اليه وقال: يا بني، اني انتظر كل الانبياء فيك، وان تأتي وان اسكن فيك، فانت سكينتي، انت ابني البكر الذي سيحكم إلى الابد.

3 - ولكن فيما إذا قبل أي شخص إنجيل العبرانيين فهذا ما يقوله المخلص: وامسكت على الفور أمي، الروح القدس، بشعري واخذتني بعيداً إلى جبل طابور العظيم في حجمه.

4 - أ: كما يوجد في إنجيل العبرانيين من يدهش، سيصل إلى التحكم، ومن يصل إلى التحكم سيسكن.

ب: وبهذه الكلمات سيكونون متساويين ومن يبحث لن يهدأ حتى يعثر، ولكن من عثر سيدهش، ومن دهش سيصل إلى الحكم، ولكن من يسيطر سيتحكم.

5 - ووفق ما قرأناه في الإنجيل العبري قال السيد لتلاميذه: وإياكم ان تكونوا فرحين عندما لا تنظرون إلى اخوتكم في محبة.

6 - ووفق الانجيل بحسب العبريين، والذي اعتاد النصيريون قراءته، يذكر ان إحدى اكبر الخطايا ذلك الذي يجلب الضيق على روح أخيه.

7 -  والانجيل، المسمى بحسب العبريين، والذي تمت ترجمته من قبل الدكتور زياد متى إلى اليونانية واللاتينية، والذي استعمله اوريجانس بشكل مكثف، يذكر انه بعد صعود السيد وعندما قام السيد باعطاء خرقة الكتان إلى خادم القسيس توجه إلى يعقوب الرسول وظهر له. والمسألة ان يعقوب كان أقسم الا يمس الخبز أو أي غذاء قبل ان يشرب كأس الرب. وقبل ان يرى قيام الميت، وبعد ذلك بقليل قال السيد: أحضروا طاولة، وخبزاً، ويضاف إلى ذلك فوراً: واخذ الخبز وباركه وكسره وقدمه إلى يعقوب العادل وقال له: يا أخي كل خبزك فابن الانسان قد صعد من الموت.

والان لا بد من تحليل وتلخيص المبادئ التي يحويها (إنجيل العبرانيين) دون التهويل والافتعال وهي كما يلي:

1 - اسمه: الانجيل العبراني؟ إنجيل العبرانيين؟ إنجيل بحسب العبرانيين؟

2 - تستخدمه طائفة النصارى؟ النصيريون؟ النذريون؟

3 - عندما تقرر قدوم يسوع إلى الارض، اختار الخالق قوة جبارة في السماء اسمها ميكائيل تبنى رعاية يسوع.

4 - نزلت هذه القوة إلى الارض وصار اسمها مريم.

5 - مكث يسوع المسيح سبعة اشهر في رحمها.

بذلك يتبين، على ما نرى، ان ما يرد في القرآن بخصوص موضوعات المقاطع الواردة اعلاه، يختلف بشكل جوهري عما هو موجود في (إنجيل العبرانيين) ولا تعطينا المقاطع المتوافرة في هذا الانجيل أي معلومات اخرى فيما يتعلق بموضوع بحثنا هذا، لكن من الواضح انه لا يمكن ان يكون الانجيل بحسب العبريين الذي اعتقد مؤلف كتاب قس ونبي ابو موسى الحريري إنه تمكن من إثبات انه كان لدى ورقة بن نوفل.

بذلك نكون قد اوضحنا، كما نأمل خطأ الاساس الذي اعتمده الباحث (ابو موسى الحريري) الذي سيجعل كل استنتاجاته المبنية عليه غير صحيحة.

ننتقل الآن إلى مسألة، إنجيل متّى الذي يرى الكاتب (الحريري) بكل ثقة انه هو الإنجيل الذي يشير إليه القرآن، وإلى ما اعتقد الكاتب انه عثر عليه من تشابه في قصص يسوع المسيح وعيسى بن مريم. وهنا سنركز على نقطة واحدة فقط هي مقارنة ما يرد عن عيسى بن مريم وأمه في القرآن بما يحويه إنجيل متّى، عن يسوع، المعروف بأنه هو المسيح، لنرى ان كان هناك أي تشابه بين الطرفين.

ينقل القرآن المعلومات التالية عن مريم وأمها:

 

  القرآن  إنجيل متّى

1  غير متزوجة  زوجها من سلاسلة داود (متى 1:16)

2  مريم كانت اخت هارون  .........

3  مريم كانت من الصديقين  .........

4  امرأة عمران نذرت ابنتها مريم لله  .........

5  الله اصطفى مريم على نساء العالمين  .........

6  احصنت فرجها  كانت عذراء

7  مريم آية - أي معجزة  .........

8  انتبذت من أهلها مكاناً شرقيا  الولادة في بيت لحم (متى 1:2)

9  حملت بعيسى بكلمة من الله  حبلت من الروح القدس

10  قال اليهود على مريم بهتاناً عظيما  .........

11  لم يقربها بشر  كانت متزوجة من يوسف بن يعقوب (1:16)

12  عبدت إلى جانب عيسى إلهه  .........

13  عيسى بن مريم تكلم في المهد مع اهل مريم  .........

 

 

بهذا يتبين لنا اختلاف كبير في المسألة. فالقرآن يورد معلومات مفصلة عن مريم، أمّ عيسى ويعطيها دوراً مهماً، بينما لا نجد أي من ذلك عن يسوع المسيح، لا في إنجيل متّى، ولا في أي مقاطع اخرى من العهد الجديد.

الآن نود الانتقال إلى نقطة رئيس أخرى وهي مقارنة المعلومات الواردة في القرآن عن عيسى بن مريم بما يرد عن يسوع المسيح في مجمل العهد الجديد لنرى إن كانت المقاربة، الواردة في ص 127 - 129 من كتاب قس ونبي صحيحة:

 

  القرآن  العهد الجديد الابوكريفا

1  اسمه عيسى (بن مريم)  اسمه يسوع المسيح

2  القرآن لا يشير إلى اب لـ عيسى وهو ابن مريم الوحيد  ـ اسم ابي يوسف (النجار/ ابن النجار) وشجرة النسب مسجلة في انجيلي متى (1:1-17) ولوقا (3: 23-38)

3  لا يشير القرآن إلى وجود اخوة واخوات لـ عيسى كان له أخوة، واخوات إنجيلا مرقس (6:3 - 3:21) ويوحنا (3:7-5) بعض اناجيل الابوكريفا تسجل اسماء الاخوات وهن آسيا وليديا مريم وسالومي.

4  لا يشير القرآن إلى فترة نشاط عيسى ولا يربطه إطلاقاً بفلسطين  يسوع كان في فلسطين

5  لا يشير القرآن إلى اسم اي من حوارييه او عددهم  أسماء وعدد الحواريين مسجلة

6  لا يشير القرآن إلى انحدار عيسى من داود  يسوع منحدر لجهة ابيه من سلالة داود ولامه من سلالة هارون

7  لا يشير القرآن إلى اي نشاط لعيسى  هناك نشاط مستمر لعيسى في الجليل والقدس

8  لم يصلب ولم يقتل بأي طريقة اخرى  يسوع مات على الصليب

9  ولد زكيا  ...........

10  ولد مثل آدم من تراب  ...........

11  كان يأتي المعجزات ويبرئ الابرص ويحي الميت  وهناك ذكر للمعجزات، لكن بولس الرسول يرفض ذلك

12  كان رسولاً إلى بني اسرائيل وليس لليهود او اليوذيين  نشط بين اليهوذيين او اليهود

13  كان من المقربين  ...........

14  حواريوه كانوا يعرفون بالانصار  ...........

15  تكلم في المهد  ...........

16  كان رسول  اعتبر خطأ بانه بني

17  اعلن انه سيأتي بعده رسول اسمه أحمد ...........

18  اعتبر خطأ بانه الله او نبي الله  ...........

 

نعتقد ان هذه المقارنة المختصرة لشخصيتي عيسى بن مريم القرآنية ويسوع المسيح الانجيلية. تظهر اختلافات جوهرية بين روايات كل من القرآن والعهد الجديد والايوكريفا بما ينفي كل محتويات الفصل الخامس من كتاب (قس ونبي) التي تنقل رأي المؤلف (الحريري) بعكس ذلك.

ان التباين الهائل في المعلومات يدعم رأينا بأن المقصود شخصان مختلفان، فالقرآن يشير إلى عيسى بن مريم. اما العهد القديم فيتحدث عن يسوع المسيح بن يوسف النجار. وهذا ما يشرح برأينا قول القرآن بأنه (ما قتلوه وما صلبوه ولكن شبّه لهم). أي ان الأمر إختلط على البعض الذين اعتقدوا ان المقصود الشخص نفسه. وما يدعم رأينا هذا ان القرآن يؤكد ان طرفا من النصارى وافقوا على ما ورد في القرآن عن عيسى.

لن نذهب ابعد من ذلك، بحسبنا ان نقول ان الكاتب (الحريري) كان متسرعاً في احكامه العامة على موضوع متشعب ومعقد يتطلب البحث فيه الانصياع اللامشروط لأصول البحث العلمي والتجرد الكامل من الاحكام المسبقة، ناهيك عن ضرورة تفادي إتباع الهوى. ونرى أن بحثه المحموم عن دعم لأرائه المسبقة هو ما سبب تسرعه وبحثه عن الإثارة ومحاولة إجبار المراجع على البوح بمعلومات لا تحويها.

وحيث ان المعلومات القرآنية لا تتفق مع ما رأه الكاتب من رديف في أي من الاناجيل الاخرى: (إنجيل الابيونيين، وإنجيل العبرانيين، الانجيل العبراني) فمن الواضح خطأ استنتاجه حول المصدر وحول ان هدف التوحيد هو وحدة تلك الطوائف. كما وجب الاخذ بعين الاعتبار ان إنجيل متّى لم يكن مسجلاً بالارامية: ووفق علم (نقد العهد الجديد) هناك قناعة بانه سجل باليونانية أصلاً، ويضاف إلى ذلك مصدر آخر يعرف بحرف (كيو) اللاتيني: والمقصود هنا (مصدر)، لكن لا يعرف ما هو او لغته، كما يحوي هذا الانجيل معلومات اخرى خارجية، ربما أتت من انطاكية.

القاعدة الثالثة التي يقوم عليها تحليل الكاتب إذن تفتقد لأي دعم علمي متوازن وذلك يفقد اسس استنتاجاته اي مصداقية، رغم انه طرحها حقائق غير قابلة للنقاش.

كلمة أخيرة

نود ان نبدأ بالقول، ومنعاً لأي التباس أو سوء فهم، مقصود أو غير ذلك، اننا لم ولا نهدف من عملنا التشكيك في هذا أو ذاك من الاديان. فتحليلنا يدخل ضمن منهجية قراءة التاريخ ولا علاقة له بتقصي صحة هذا الدين أو ذاك أو خطأهما، أو وضع ايمان أي مجموعة، كانت على المحك لأن هذه ليست مهمة التاريخ. فالكتب الدينية، ليست مراجع تاريخية ولا أدلة سياحية. ليس من مهمة التاريخ البحث عن الدين وصحته أو خطئه. التاريخ يبحث، مستعيناً بتهذيبات علمية اخرى، في مسائل تاريخية محددة، ويحاول ان يتقصى مدى صحتها. فالبحث التاريخي منهج قائم بحد ذاته ولا علاقة له بالدين وصحته أو خطئه. التاريخ يبحث، مستعيناً بتهذيبات علمية أخرى، في مسائل تاريخية محددة، ويحاول أن يتقصى مدى صحتها. فالبحث التاريخي منهج قائم بحد ذاته ولا علاقة له بالدين والايمان، والأخير لا يبحث في التاريخ، وانما في الطريقة الامثل لإقامة علاقة مثلى بين الخالق والمخلوق المتعبد له.

لقد تبين لنا أن المؤلف ابو موسى الحريري أجبر الكتابات القديمة التي إستشارها على ان تسير في اتجاه معين لخدمة رأي مسبق. أي انه يفتقر إلى الانسياب العلمي المطلوب في مثل هذا الطراز من الاعمال. فخلال قراءتنا مؤلفاته شعرنا بانه يحاول تكبيل ايدينا حتى لا نستثير أي مراجع اخرى. وحتى لا نسير في تحليلنا بعيداً عن آرائه المسبقة. هذا كله قادنا إلى القناعة بأن هدف أعماله ليس الاقتراب من الحقيقة، وانما العثور على تسويفات عصبية.

لذلك نود تأكيد رفضنا العصبية أياً كانت وأياً كان مصدرها واهدافها. وقد لاحظنا من خلال قراءة مقدمات أعمال الكاتب ان اسهاماته تأتي احياناً في اطار الرد على عصبيات معينة. لكنه اتبع في مؤلفه الاسلوب والمنهجية ذاتهما عملاً باسلوب مغلوط، ولسان حاله يقول: ان عصبيته أفضل من  غيرها لأن اسسها التاريخية اكثر صلابة من رديفها لدى غريمه. إنه تكرار ممل للامنطق ذاته الذي يرى ان العربية الاصلية هي مزيج من الارامية، وعربية الجبل...  والفرنسية بالطبع، وان اول مكان نطق بها كان في بيبلوس؟ حيث طبع فيها اول كتاب عرفته البشرية واليها يعود الكتاب. بذلك وضع الكاتب نفسه راغباً لا مضطراً في خندق العصبية ذاتها.

لكن رغم رفضنا للامنهجية الكاتب واستنتاجاته، نقول اننا منحازون إلى قضية حرية التعبير. فنقض أي افكار لا يتمّ إلا بتحليلها واثبات ابتعادها عن الحقيقة العلمية، ونأمل أن نكون قد نجحنا في هدفنا. نقول اننا ضد منع المؤلفات على الرغم من البيانات السياسية الطنانة والتحريضات اللامسؤولة، التي تبحث وتنبش عما يفرق بين البشر، وليس البحث عن قاسم مشترك والتمسك بالوطن الكبير واتساعه لكل اهله ولكل الافكار الانسانية والاجتهادات والاديان التي انطلقت منه ووردت اليه، وبأنه للجميع. لكننا لا نعتقد ان ذلك هو سبب منع المؤلفات في بلاد العرب، ان سبب منع تلك المؤلفات غياب أي تقليد علمي في الابحاث التاريخية، وربما أيضاً بسبب خشية البعض من نشوء تعارض بين التاريخ والدين. لكن عملنا هذا أوضح ان لكل منهما مجال تخصصه ولا يجوز وضعهما في مواجهة ما، وان من يدعي غير ذلك يفتقد للحد الادنى من التفكير العلمي وذلك يسحب منه أي مؤهل للحكم على اعمال الآخرين.

 

 

الأب سهيل قاشا