رياح الثورة والتغيير تهب على العالم العربي

العدد السابع والخمسون - إذار
الجمعة 15 نيسان (أبريل) 2011.
 

ليس صدفة أن تحدث ثورة تونس، وأن تعقبها ثورة مصر، ولن تفاجئنا تباشير الثورات التي تعتمل داخل المجتمعات العربية، والتي لا بد أن تعبر عن نفسها في هبات الشعوب العربية وانتفاضاتها المتتالية من تونس الى مصر مروراً بالجزائر وصولاً الى اليمن والبحرين وليبيا وليس انتهاءً بالأردن.

ثمة حراك شعبي هائل يعبر عن حال الغضب والاحباط والتطلع نحو التغيير، والرغبة الجامحة الى احداث التحولات الجذرية في هذا العالم العربي الكبير، ذلك ان أنظمة الاستبداد والظلم والاستعباد والتبعية أوصلت الشعوب العربية الى الحائط المسدود دون أي أفق مستقبلي...

 لقد انكسر حاجز الخوف والضعف وخرجت الشعوب العربية من قمقم التخاذل والهزيمة، عاقدةً العزم على اطلاق مسيرة النهوض والتحرر رفضاً لكل السياسات التي أرخت بظلالها على العقود الأخيرة، والتي أوصلت الشعوب العربية الى الحضيض في السياسة والأمن والاقتصاد وفي كل المجالات.

ان أحداث الأسابيع الأخيرة تدل على أن رياح التغيير قد هبت، وأن ارادة التغيير المرتكزة على الوعي بدأت تتجسد في أفعال وسلوكيات ونضالات فعلية ستتصاعد يوماً بعد يوم، لتصل الى ذروتها في الفعل الثوري الحقيقي الرامي الى تحقيق أهداف هذه الشعوب في التنمية والتطور والحرية والاستقلال الحقيقي.

في سياق المتابعة لأحداث مصر، لفت انتباهي سؤال طرحه أحد الصحافيين على نائب الرئيس الأميركي جون بايدن وقد جاء فيه: هل تعتبر حسني مبارك ديكتاتوراً؟، فكان الجواب: لا استطيع ان أعتبر حسني مبارك ديكتاتوراً لأنه كان من حلفاء الولايات المتحدة الذين ساهموا في حماية المصالح الاستراتيجية الأميركية في المنطقة.

جواب واضح، ان تحديد معايير الديموقراطية والديكتاتورية في السياسة الأميركية يخضع لمدى خدمة هذه المعايير للسياسات الاستراتيجية الأميركية.

لقد سقطت كل شعارات الحرية والديموقراطية والعدالة والمساواة، وسقطت ورقة التين وتعرت السياسة الأميركية أكثر فأكثر.

فالحاكم الذي يقف في مواجهة الاستبداد الأميركي، ويسعى للوحدة والتحرر والدمقرطة الحقيقية هو ديكتاتور، ومن كان خادماً أميناً للسياسات الأميركية عبر تطويع ارادة شعبه وقهره وتجويعه وافقاره واذلاله هو الديموقراطي.

في تونس، كان من الملفت التبرؤ الفرنسي - الأميركي من حاكم تونس السابق زين العابدين بن علي، وغسل الأيدي منه، وكان ملفتاً أيضاً رفض فرنسا استقبال زين العابدين نفسه، أو أي فرد من أفراد عائلته، وهو الذي اعتبر لعشرين عاماً الصديق والحليف للدولة الفرنسية وربيبتها الأميركية.

العبرة أن العملاء والأدوات يتم استعمالها، حتى تنتهي صلاحيتها، ويتم رميها على أول مفترق، وعلى قارعة الطريق.

والعبرة أيضاً، أن الديموقراطية الحقة هي تلك التي ينتجها الشعب نفسه، فـالديموقراطية لا تستورد بل ترتكز على ارادة الناس الأحرار، وعلى ارادات الشعوب التي تسعى للتطور والتقدم والتحرر.

لا شك، ان هذه الثورات المباركة التي تحصل اليوم، هي مؤشر لما هو آتٍ، ولكن، الثورة وحدها لا تكفي اذا لم تكن مقترنة برؤية للتغيير، وأفكار جديدة للحكم على قواعد مختلفة.

ثمة محاذير تحيط بحركة التغيير والرفض تتمثل في محاولات استيعابها وتدجينها وركوب موجتها، فالوصوليون والانتهازيون دوماً يحاولون تسلق مراكب التغيير والتحرير، لذا من المهم أن ترتكز ارادة التغيير على الوعي العميق والفهم الحقيقي لحاجات الشعوب وتطلعاتها وآمالها وأحلامها...

أخيراً، لا بد لثورات المستقبل العربي أن تحمل برامج للتغيير الحقيقي لا الصوري، فليس المهم تغيير الوجوه والأشخاص، بل تغيير العقول والمواقف والنظرات... 

زهير فياض