فعل العلمانية البهي في ميدان التحرير

العدد السابع والخمسون - إذار
الجمعة 15 نيسان (أبريل) 2011.
 

ربما.. وإذا كانت هناك ميزة خاصة وباهرة لهذا الحراك الثوري المصري، أنه هو ذاته حراك علماني، انطلاقاً من أسبابه وحاجته، مروراً بانطلاقه واستمراره، وتتويجاً بنهاياته أو نتائجه، بمعنى أنه لم يقم إلا على ممارسة علمانية على أرض الواقع، مما ينافر الاعتقاد القائل بعدم جهوزية المجتمعات العربية لتبني العلمانية كنهج يعبر عن حاجتها القصوى للدولة الحداثية، أو القول بعدم مناسبة العلمانية لمجتمعات ذات عادات وتقاليد وخصوصيات تتنافى معها، على أساس تحاشر ذرائعي بين الدين والسياسة.

وإذا كانت العلمانية كفضاء، تتمسك بالحيادية والدقة والخضوع للعقل، فإن ما حصل ويحصل على أرض الواقع في مصر هو تشخيص لتلك المفاهيم عبر ممارسة أولويات العقد الاجتماعي التي تبدأ بالتسالم، وتطبيق القانون، دون استثناءات أيديولوجية أو إستنسابات حقوقية تجعل من جرة الدولة المأمولة مليئة بالثقوب، بمعنى إعادة إنتاج نفس النظام الذي ثار عليه المصريون الذين اكتشفوا ببوصلتهم الداخلية الناتجة عن تراكم الأمثلة والتجارب أن الدولة علمانية بالضرورة، وإلا ليس هناك دولة، بأي معنى مفيد.

في بنية هذه الثورة، كان هناك فصل واضح بين الهياج الشعبي، وبين العمل على تجهيز الستاندرات المؤسسة للدولة الحديثة دون إتكاء على نخبة سياسية أو حزبية، مثل فصل الدين عن هذا الحراك السياسي وبالتالي عن الدولة المأمولة، كأيديولوجية شعبية أكثروية، تحتاج إلى استثناءات خاصة (في حال دسترتها) تشابه الاستثناءات التي يرفل فيها النظام وأوصلت الحال إلى حضيض مدني عبر تمزيق ذاك الحياد وتلك الدقة والعقلانية التي يحتاجها أي دستور في دولة معاصرة

من هنا تبدو الدول العربية بحاجة ماسة وأكيدة إلى الفضاء العلماني المؤهل لإعادة دراسة دساتيرها بحياد ودقة وعقلانية في محاولة لإلغاء التناقض بين مقدماته ومواده، وبين المقدمات نفسها، والمواد فيما بينها، ومن ثم إلغاء الاستثناءات الناتجة عن أي سبب مهما كان أكثروياً، حيث لا يمكن إخضاع العقل لقرار الأكثرية مهما كانت حقيقية، لأن الأمر مرتبط تماماً بالنتائج والمصالح في آن معاً.

واعتمد الحراك الثوري المصري أيضاً على فصل المطالب الشعبية التفاصيلية (مع أنها محقة) عنه، باعتبارها سوف تتحقق مع حضور الدولة الحديثة التي لا يمكن أن تكون إلا علمانية، تدير المجتمع عبر القوانين الناظمة للمساواة، حيث بدا هذا الفصل ممتد إلى السياسة بالمعنى التقليدي للكلمة، فالسياسة التقليدية من عمل عام وأحزاب وطلاب مناصب، أو أصحاب مناصب سياسية هي جزء من نظام لا يعيش في الفضاء العلماني كما يدعي، حيث عجز عن التنمية (والتنمية السياسية جزء لا يتجزأ) لا بل دخل في متاهات التنمية المعاكسة، ليبدو انسداد الأفق كتشخيص عملي لمفهوم التنمية المجتمعية في متاهات القوننة الشكلية المفصلة على قياس الاستثناءات المتذاكية للنخبة أو للأكثرية، حيث يخرج المواطن (كتعريف حقوقي للكائن البشري) من معادلات الاستفادة والربح مقابل الحب والولاء اللذان عليه تقديمهما للنظام مقابل عدم التنكيل.

يبدو الحب والولاء هما كل ما يملك المواطن لتقديمهما لنظامه، وهما بالضبط ما يستطيع تقديمهما إلى دولة علمانية تضمن له عدم التنكيل به إذا لم يخرج عن قانون عديم الاستثناءات ويضمن المساواة، بالإضافة إلى إمكانية تقديمه لإنتاج قادر على إنجاز هويته بكل إخلاص وعزيمة صادقة، لتبدو الدائرة التي يمكن تكثيف معنى خروج المصريين إلى ثورة الشوارع هذه.

العلمانية ليست حزباً، ولا ايديولوجياً، كما أنها ليست قوانيناً أو دساتير، هي مجرد فضاء يسمح للجميع للتعبير عن أنفسهم وممارسة ذواتهم تحت سقف القوانين المخلصة لحقوق الإنسان كما طورها العقل البشري في هذه الدنيا 

نجيب نصير