الدولة المدنية باب الخروج من الانحدار

العدد السابع والخمسون - إذار
الجمعة 15 نيسان (أبريل) 2011.
 

 

الطائفية السياسية من الدب الى الجب

 

 طـوى إتفاق الطائف عام 1989 آخر صفحة من نفوذ المارونية السياسية في لبنان. وفتح صفحة السنّية السياسية التي تشهد اليوم المزيد من الصعوبات والتعثر على وقع تداعيات المحكمة الدولية الخاصة بلبنان وشهودها الزور وقرارها الظني المسيس، مما أخرجها من الحكم، كبداية تؤشر لإفول نفوذها السياسي.

الشعب اللبناني، أو مُعظمه، الذي ظن انه تخلص من دب المارونية السياسية، وجد انه وقع في جب السنّية السياسية التي كانت أشد وأدهى من الاولى.

فالمارونية السياسية التي إستطاعت أن تؤسس وجودها السياسي في لحظة سياسية شديدة التعقيد والتداخل وإنقسام المنطقة بين رافض للانتداب والتقسيم على إيقاع إتفاقية  سايكس - بيكو ووعد بلفور. والمتمسك بالوحدة المشرقية، كخيار قومي وحدوي. وفريق آخر يرى ان فرصة إنشاء الكيان اللبناني باتت مُتاحة بعد توقيع الحلفاء إتفاقية الصلح مع المانيا في فرساي في 28 حزيران عام 1919 والذي تقرر فيه إنتداب الحلفاء على سورية الطبيعية.

إستفاد البطريرك الماروني الياس الحويك من مُقررات فرساي فتوجه الى باريس وقدّم بواسطة الحكومة الفرنسية مُذكرة الى مُؤتمر الصلح طالب فيها بإستقلال لبنان وتوسيع حدوده تحت رعاية وإنتداب فرنسا.

في الاول من ايلول عام 1920 أعلن الجنرال غـورو دولة لبنان الكبير بحدوده الجديدة والتي ما زالت حتى اليوم 10452كلم2. هذه المساحة التي شكلت حُلماً طالماً راود العديد من السياسيين والمفكرين والمروجين لفكرة وطن قومي مسيحي مُنسلخ عن محيطه القومي ومرتبط بالمشاريع الغربية على أُسس دينية تماثلاً مع الدولة اليهودية ومبرراً لوجودها الديني في منطقة متنوعة الاديان وموحدة الحضارة.

عام 1983 سقط هذا الحلم المدعوم عسكرياً من إسرائيل والغرب اللذين لعبا دوراً اساسياً في تقسيم المشرق العربي الى دويلات طائفية تمهيداً وحماية لقيام المشروع الاسرائيلي الاستيطاني كمخفر متقدم للغرب.

أما السنّية السياسية فقد برزت كإمتداد طبيعي للواقع الجديد الذي فرضته الاحداث، والإخفاقات التي مُني بها مشروع الوطن القومي المسيحي المتحالف كلياً مع اسرائيل، التي لم تستطع بدورها تحقيق أي تقدم أكان على مستوى إقامة سلطة لبنانية تابعة لها، أم القدرة على توجيه ضربة عسكرية تُنهي النفوذ السوري أو تؤثر على بُنية النظام فيه. حيث اغتنمت قوى الاعتدال العربي الموالية للسياسة الاميركية فرصة الاطلالة بمشروع سلام (من جانب واحد) وبنت مشاريعها على قيام سلطة في لبنان تؤسس لإنطلاق عملية السلام المزعوم وتعمل على تعميمه في المنطقة، وكان المُفترض ان يشكل منصة الانطلاق لمشروع الشرق الاوسط الجديد.

الدين في خدمة السياسة

نحن من بلاد تمشي فيها السماء على الارض حافية القدمين، ففيها كان مهبط الوحي ومهد الديانات السماوية الشريفة، ولكننا خرجنا من ادياننا السماوية، ومن الايمان بوحدة الخالق، وتقوقعنا في مذاهبنا وطوائفنا وعشائرنا، وتعلمنا ان نكون اعداد وارقام تُحتسب في رصيد الزعيم السياسي، يتصرف بها على وقع مصالحه، يشتري فيها ويبيع مع شُركائه في الخارج.

إنه عصر السياسة بإمتياز، النص السياسي يمتلك ويدير العالم، كل شيء خاضع لهذه السلطة السياسة، العلوم، التكنولوجيا، الفنون، الادب، الشعر، الموسيقى، الدين، الايمان، الفكر، التجارة، الصناعة، والزراعة، كل القيم تحولت الى آلات تعمل على وقع المصالح السياسية وخدمة لإغراضها واهدافها فقط. امّـا في بلادنا تتجلى هذه الظواهر بوضوح، فالدين غاية نشأته كانت بالاضافة الى المسألة الإيمانية تأكيد قيم الحق والخير والعدالة والمحبة والتسامح والصدق والفضيلة، وبالمُحصلة وسيلة لتشريف الحياة، فما هو واقعنا الحالي على المستوى الديني.

في سياق التطور يؤدي تخلف أي جماعة حكماً الى تراجع وإنحطاط منظومة القيم لديها، فتفقد عناصر حيويتها وتقدمها وتتحول الى حياة فاقدة لمضامينها الوجودية، فيتراجع فكرها وثقافتها وحضارتها الى مراتب متدنية تقودها الى التفكك والانحلال على كافة المستويات فتنتفي إمكانيات الفعل والحركة والإبداع وتتحول الى حالات من الفوضى والبلبلة تؤدي الى تعميم الانتساب للطوائف والمذاهب على حساب الانتماء الى الوطن.

عندما يتحول الدين الى عامل إنقسام في الوطن على إيقاع مصالح الزعيم الطائفي، تتأكد حقيقتان: الاولى، الخروج على مسألة الايمان والتعاليم السماوية، والسقوط في الغرائزية التي هي ادنى المراتب الانسانية. والثانية، سقوط منظومة الوعي الوطني التي تدفع الى التجزئة والاضطراب والتقاتل، عبر الخروج على الحضارة الجامعة ومفهوم الدولة الواحدة الى دويلات متناحرة، يستفيد منها المستعمر والعدو الاسرائيلي.

في الخلاصات الطائفية اعاقت قيام الوطن الواحد على مدى تاريخه الحديث، وافسحت في المجال لإهدار المال العام على قاعدة التوازن في المحاصصة، وحصرت النظرة الى الوطن من خلال مصلحة الطائفة وغذت التناقض على حساب الوحدة، واتاحت لكافة المصالح والارادات الخارجية بالتدخل في المصالح الوطنية، وشكّلت خطراً حقيقياً على المقاومة التي إنتصرت على اسرائيل، فالمجتمعات المتمسكة بالتخلف والانحطاط من شأنها ان تحطم أي انتصار يرتقي ولو قليلاً عن واقعها الجهيض، فيصيبها كما يُصيب الأمم الغبية التي تحطم إنتصاراتها ثم تبكي عليها.

ان غياب الوعي القومي يُتيح الانحدار الى الطائفية والمذهبية ويلغي الصراع من اجل التقدم والارتقاء، ولا يكون الخروج من هذه الحال المرضية، إلا بالنضال من أجل إقامة دولة مدنية يتساوى فيها المواطنون في الحقوق والواجبات امام القضاء

أمين الذيب