نظرة انطون سعاده للحياة:الحب حرية والموت مناسبة للتجديد

العدد السابع والخمسون - إذار
الجمعة 15 نيسان (أبريل) 2011.
 

 

مثالية سعاده نفوس تتعانق.. معاً تقف ومعاً تسقط

عندما تصبح المحبة شعار المتحد الاجتماعي نصل لتطبيق الخير المطلق 

 

في عيد ميلاده الخامس والعشرين تذكر بلاده وأمه فكتب يقول في مذكراته: أمي وبلادي ابتدأتا حياتي وستلازمانها إلى الإنتهاء فيا أيها الإله أعنّي لأكون باراً بهما.

ان صلاة سعاده البسيطة هذه فيها الكثير من الإيمان العفوي وقد أسف سعاده أن تكون إيمانيات الناس أثناء الضيق فقط مسكين هو الإنسان ما أجهله وأجحده لفضل ربه، فإذا ما وقع في ضيق أتلف راحة خالقه بالتمني والسؤال، ولما تنقضي محنته ويرجع له صفاؤه ينسى خالقه ويعود إلى ما كان عليه من الإسراف والتبذير والمنكرات، فقوتل الإنسان ما أكفره.

يقول الإيمان الأرثوذكسي أولاً في تعريفه عن الإيمان، ان الإيمان هو نظرة شاملة الى الكون وموقف من الحياة. إذاً في تعريف الإيمان من حيث هو هذه النظرة للكون والحياة تتطابق تماماً مع نظرة سعاده لدرجة ان سعاده يستعملها حرفياً.

وفي تجسيد الإيمان نرى سعاده في قصته الثانية (فاجعة حب) يتحدث عن الإيمان الإجتماعي الواحد القائم على المحبة. ويرّكز كثيراً على الحب الأفلاطوني الذي جعل من الشاب (سليم) يموت حزناً لأنه لم يفز بحبيبته. ان المثالية المفرطة عند سعاده تتشابه كثيراً مع مثاليات النسّاك ولعل البعض يرى أن قصة (فاجعة حب) قصة روميو وجولييت أو قيس وليلى أو عنترة وعبلة، وهي في الواقع ليست غريبة عن هذه القصص كوقائع، لكن سعاده كان يهدف فيها إلى إثارة الوعي بقضية الحب، فالحب عند سعاده ليس حباً فردياً بقدر ما هو حب جمعي بمعنى أن الإنسان الفرد قد يظفر بحبيبته وينتهي الموضوع عند هذا الظفر، لكن الحب عند سعاده هو اعتراف الآخرين بهذا الحب وعيشهم عواطفه وأحاسيسه. انه يرفض نزع الفرد من بنيته الاجتماعية وتلبية حاجاته. ان الإنسان الفرد هو عضو في المتحد الإجتماعي ولا يمكنه أن يعيش وحده وبالتالي فإن إيمانه يجب أن يكون إيمان المتحد بأجمله، ولذلك قال بالإيمان الواحد القائم على المحبة، وهو يرى أن الحب حرية لأنه شبهه بالنور وقال على لسان (سليم) وهو يصف اعداء الحب بأعداء النور كيفما قلّبت طرفك رأيت حولك نفوساً صغيرة متذمرة من الظلم الذي هي فيها ولكنها لا تجرؤ على الخروج الى النور، واذا وجدت نفس تمد يدها إليك تريد أن ترافقك في سيرك نحو النور وجدت ألف يد أخرى امتدت إليها كي تبقيها في الظلمة، وليس لابن النور صديق بين ابناء الظلمة وبقدر ما يبذل لهم من المحبة يبذلون له من البغض.

أوليس هذا الكلام هو كلام يوحنا الإنجيلي عندما كان يتكلم عن يوحنا فيقول ظهر رسول من الله اسمه يوحنا جاء ليشهد للنور حتى يؤمن الناس بالنور، جاء إلى العالم لينير كل إنسان، كان في العالم وما عرفه العالم، جاء إلى بيته وما قبله أبناء بيته ومن ثم ليعلن ان المسيح هو النور وقد قال المسيح عن نفسه: جئت نوراً الى العالم فمن آمن بي لا يقيم في الظلام.

إذاً الحب هو الحق نفسه وهو الحرية نفسها يقول المسيح في وصيته الأخيرة أحبوا بعضكم بعضاً مثلما أحببتكم، ما من حب أعظم من أن يضحي الإنسان بنفسه في سبيل أحبائه، أنا لا ادعوكم عبيداً بعد الآن لأن العبد لا يعرف ما يعمل سيده بل أدعوكم أحبائي والحق وحده يحرر لأنكم تعرفون الحق والحق يحرر.

يقول سعاده عن تعريف الحب في أحد المقالات الحب هو غاية نفسية مثالية تتخذ من الغرض البيولوجي سلماً لبلوغ ذروة مثالها الأعلى حيث تنعتق النفس من قيود حاجة بقاء النوع ولذائذ أغراضه، ويشاد بناء نفسي شامخ لحياة أجود وحيث يصير مطلب الحب السعادة الإنسانية الإجتماعية الكبرى فيكون الحب اتحاد نفوس ولا يكون اعتناق لأجساد غير واصلة لتعانق النفوس المصممة على الوقوف معاً والسقوط معاً من أجل تحقيق المطلب الأعلى في جهاد ضد الفساد والرذائل لنصرة الحق الكلّي والعدل الكلّي والجمال الكلّي والحب الكلّي ولرفض الذات الجسدية الغاية في ذاتها التي هي أعظم مصدر للأذى والبغض والعداوات الصغيرة اللئيمة الحقيرة التي لا ترى في الكون غير صغرها ولؤمها وحقارتها. وفي مقال آخر يقول الحب هو الدافع نحو المثال الأعلى وإذا كان مطلب الحب هو السعادة الإنسانية الإجتماعية الكبرى والدافع للمثال المتحد الإجتماعي هو التعبير المادي للخير المطلق الذي يتوق الى الحق المطلق، لذلك فالحب الفردي هو في سبيل حب المتحد الإجتماعي.

يقول سعاده ان الفرد يعطي حياته كلها لمبدأ لأن في المبدأ حفظ حياة المجتمع لأن الفرد من المجتمع والمجتمع هو الكل الذاتي ولكن لا يمكننا مطلقاً التسليم بأن المجتمع كله يجب أن يهلك نفسه من أجل مبدأ من المبادىء، يمكن أن يهلك بعض أفراد أو جزء لينقذ الكل ولكن لا يمكن ان نسلم بانه يمكن ان يكون مبدأ صحيحاً اهلاك المجتمع في سبيل ذلك المبدأ.

المتحد الإجتماعي هو غاية الحب لأنه هو المحقق للخير المطلق والعظمة تبدأ من التضحية في الحب الفردي للمتحد لمجتمعه، وهذا هو تطبيق سعاده لقول المعلم المسيح ما من حب أعظم من هذا ان يضحي الإنسان بنفسه في سبيل أحبائه ولكن الحب الاعظم عندما المتحّد الاجتماعي كله يعيش حباً وكأنه ينفذ وصية المعلّم أيضاً أحبوا بعضكم بعضاً كما أحببتكم وعندما تصبح المحبة شعار المتحد الاجتماعي يكون قد وصل الى تطبيق الخير المطلق في ذاته، ووجد الحق والحقيقة وعند ذاك يكون قد ربح كل شيء وهذه هي الغاية العظمى في الفلسفة السورية القومية الاجتماعية، وما عداها يصبح ثانوياً لأنه لو أصبحت الامة السورية في غاية عظمتها السياسية ولم تكن تعيش هذه العلاقة الاتحادية في الصميم تكون لا شيء. يعبر عنها سعاده في هذا السؤال وماذا يفيدنا لو ربحنا العالم كله وخسرنا أنفسنا؟ وهو تكرار لقول المسيح ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه.

ويرى سعاده في تحقيق هذه الوحدة الداخلية حرية كاملة للمجتمع السوري، اذ أن المجتمع عند ذاك يتعامل مباشرة مع الخير المطلق بالمواهب التي أخذها من هذا الخير، يقول ان الذين يهملون في المواهب التي أعطاهم الله غير مستسلمين الى أمر مفعول لا رأي ولا ارادة لهم فيه هؤلاء لهم مصير هو مصير أن يكتب لهم ما استحقت مواهبهم. فالله ليس هو الذي يحدد لنا مصيرنا بل فإن عملنا بالمواهب التي أعطانا إياها واكتشافنا للخير وعيشنا له ومن ثم وعي حقيقتنا هي التي تجعلنا نعرف مصيرنا، اما القول الاستسلامي لإرادة الله فإنما يخفي في باطنه الاستسلام الى تعويض مفترض ناتج عن عجز في تحقيق طرح الوجود والامة السورية لا تطلب التعويض. يقول سعاده نحن لا نطلب الحقيقة بذاتها وهذه الحقيقة هي حقيقة انتصار النفس السورية على كل ما يعترض سبيلها في تحقيق نفسها تحقيق مثلها العليا وتحقيق مقاصدها الكبرى. في آخر عيد ميلاد له هو الاول من آذار (1949 م). قال سعاده اننا جنود يرتفعون بقوة عظيمة هي قوة الحق الذي فيهم الحقيقة نفسها تتجسد بقوة في متّحد الأمة السورية وفي اتحاد عناصرها واكتشاف قيمة مثلها ووعيها، أوليس هذا قيمة الايمان في الرؤيا الارثوذكسية ان ملكوت الله في داخلكم.

لذا فالموت عند سعاده ليس فناء لأن الفرد جزء لا يتجزأ من المتحد الاجتماعي والمتحد الاجتماعي لا يزول لأنه خالد بخلود الارض ودائم ديمومة صنعه للتاريخ، والجسد ان عاد للارض فهو يمدها بطاقة جديدة للنهوض لأن قدر سورية هو النهضة الدائمة، وقوة الحق تزداد قوة كلما زاد وعي الانسان الفرد لأمته وكلما زاد وعي الجماعة لارادتها واذا كانت المواهب التي مدّنا الله بها هي سبيل لتحقيق هذه الارادة فإن هذه الارادة تلعب دوراً اساسياً في رسم مصيرنا، واذا كانت هناك مستجدات طارئة غيّرت في هذا المصير فإنها تحذف من الجماعة جسم فرد لا تخرج طاقاته ووجوده الجمعي من الأمة. لذا يقول السوريون القوميون الاجتماعيون في تقبل التعازي البقاء للأمة والخلود لسعاده، والبقاء للأمة لا تعني للسوريين القوميين الاجتماعيين أمة انتقص فيها فرد بل أمة تجذر فيها فرد عندما انضم الى خلود سعاده، لأن سعاده ليس فرداً بل هو يجسّد الأمة والفرد عند وفاته انتقل من أمة حاضرة إلى أمة خالدة وهو باقٍ في الأمة وخالد مع سعاده، واذا كان بعض اللاهوتيين يعتبرون ان هذا كفر لأن لا خالد الا الله فإن الجواب على ذلك من اللاهوت نفسه، وهل يؤمن المؤمنون الا بالخلود وهل يعتبرون ان الانسان يذهب هباء، لكن الفارق بين المؤمنين بالغيبيات وبين المؤمنين بالأمة السورية ان الاولين لا يعرفون كيف يترجمون ما بعد الرحيل في حين ان المؤمنين بالأمة يعرفون ان التحامهم بالأمة يعني خلودهم.

والسماء للمؤمنين بالغيبيات هو مكان للكسالى حيث لا وجع ولا حزن ولا تنهد او مكان للحوريات والطعام اما بالنسبة للمؤمنين بالأمة فهو حال ينتقل فيها الفرد من عامل للجماعة الى عامل في تكوينها من خلال انصهاره في وجدانها الجمعي التاريخي. وكلما ازداد ايمان الجماعة الصغرى للراحل أي أهل الفقيد واصدقائه بالله أي القوة التي تمدهم بارادة البقاء والاستمرار كلما ازداد ايمان الجماعة الكبرى أي ابناء الأمة لأن الحلقة الكبرى هي ارتدادات للحلقة الصغرى، ومن كان ايمانه صلباً بعقيدته السورية القومية الاجتماعية فمن المستحيل ان يقع فريسة الشك بفنائية الغائب بالجسد لأنه كما قال سعادة يمكننا ان نتقدم من الشك الى الايمان ولا يمكننا ان نتقدم من الايمان الى الشك لأنه عندها نتراجع القهقرى. والصلب في ايمانه بقوة الأمة هو صلب بقوة ارادته التي لا بد وان تكون نجاحاً في الحياة لأن من يملك الايمان يملك القوة ومن يملك القوة يملك الارادة ومن يملك الارادة يملك النجاح، والنجاح قد لا يكون فردياً بقدر ما يكون ابداعياً تستحقه الأمة ويستحق هو ان يكون نتاجها، وعندها يصبح الموت رحيلاً مقبولاً وتصبح الازمان هنيهات للأمة لذا كانت وثبات الابطال السوريين القوميين الاجتماعيين في الدفاع عن الأمة تسابقاً نحو الشهادة للأمة وكان رائدها زعيمها عندما قال لعبد المسيح وهو في طريقه الى دمشق اذا لم يكن من اراقة الدماء فليكن دمي فداء فقد اتممت لكم رسالتي وسأختمها بدمي.

لذا، فالموت للسوريين القوميين الاجتماعيين هو مناسبة للتجديد في تأكيد ترسيخ بقاء الأمة وخلودها والافصاح عن العواطف الاليمة لرحيل حبيب ليس نقيصة لكن التكامل فيها هو اظهار مناقبية وابداعات الراحل لترسيخ الرفاق في إيمانيات وجدانيتهم القومية. لا موت في العقيدة السورية القومية الاجتماعية بل نهضة حياة واستمرارية أمة

الدكتور ميشال سبع